Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
الأنعام
Al-An'am
165 versets
۞وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ
C'est Lui qui a créé les jardins, treillagés et non treillagés; ainsi que les palmiers et la culture aux récoltes diverses; [de même que] l'olive et la grenade, d'espèces semblables et différentes. Mangez de leurs fruits, quand ils en produisent; et acquittez-en les droits le jour de la récolte. Et ne gaspillez point car Il n'aime pas les gaspilleurs
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى مبينا أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة وقسموها وجزءوها فجعلوا منها حراما وحلالا فقال "وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: معروشات مسموكات وفي رواية فالمعروشات ما عرش الناس وغير معروشات ما خرج في البر والجبال من الثمرات وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس معروشات ما عرش من الكرم وغير معروشات ما لم يعرش من الكرم وكذا قال السدي وقال ابن جريج: متشابها وغير متشابه قال متشابه في المنظر وغير متشابه في المطعم وقال محمد بن كعب "كلوا من ثمره إذا أثمر" قال من رطبه وعنبه وقوله تعالى "وآتوا حقه يوم حصاده" قال ابن جرير: قال بعضهم هي الزكاة المفروضة. حدثنا عمرو حدثنا عبد الصمد حدثنا يزيد بن درهم قال: سمعت أنس بن مالك يقول "وآتوا حقه يوم حصاده" قال الزكاة المفروضة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس" وآتوا حقه يوم حصاده" يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله وكذا قال سعيد بن المسيب وقال العوفي عن ابن عباس " وآتوا حقه يوم حصاده" وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئا فقال الله تعالى "وآتوا حقه يوم حصاده" وذلك أن يعلم ما كيله وحقه من كل عشرة واحد وما يلقط الناس من سنبله وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق حدثني محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل جاذ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين وهذا إسناده جيد قوي وقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج هي الزكاة وقال الحسن البصري هي الصدقة من الحب والثمار وكذا فال زيد بن أسلم وقال آخرون هو حق آخر سوى الزكاة وقال أشعث عن محمد بن سيرين ونافع عن ابن عمر في قوله "وآتوا حقه يوم حصاده" قال: كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة رواه ابن مردوية. وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح في قوله "وآتوا حقه يوم حصاده" قال: يعطي من حضره يومئذ ما تيسر وليس بالزكاة. وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد "وآتوا حقه يوم حصاده" قال عند الزرع يعطي القبضة وعند الصرام يعطي القبضة ويتركهم فيتبعون آثار الصرام وقال الثوري عن حماد عن إبراهيم النخعي قال: يعطي مثل الضغث وقال ابن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير "وآتوا حقه يوم حصاده" قال: كان هذا قبل الزكاة للمساكين القبضة والضغث لعلف دابته وفي حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا "وآتوا حقه يوم حصاده" قال: ما سقط من السنبل رواه ابن مردوية وقال آخرون: هذا شيء كان واجبا ثم نسخه الله بالعشر أو نصف العشر حكاه ابن جرير عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم النخعي والحسن والسدي وعطية العوفي وغيرهم واختاره ابن جرير رحمه الله قلت: وفي تسمية هذا نسخا نظر لأنه فد كان شيئا واجبا في الأصل ثم إن فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته قالوا وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة فالله أعلم وقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة "ن" "إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم" أي كالليل المدلهم سوداء محترقة "فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد" أي قوة وجلد وهمة "قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون". وقوله تعالى "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" قيل معناه لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا فوق المعروف وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا ثم تباروا فيه وأسرفوا فأنزل الله "ولا تسرفوا" وقال ابن جريج نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلا له فقال لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة فأنزل الله تعالى "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" رواه ابن جرير عنه وقال ابن جريج عن عطاء نهوا عن السرف في كل شيء وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وقال السدي في قوله "ولا تسرفوا" قال لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله "ولا تسرفوا" قال لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم ثم اختار ابن جرير قول عطاء أنه نهى عن الإسراف في كل شيء ولا شك أنه صحيح لكن الظاهر والله أعلم من سياق الآية حيث قال تعالى "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا" أن يكون عائدا على الأكل أي لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن كقوله تعالى "كلوا واشربوا ولا تسرفوا" الآية وفي صحيح البخاري تعليقا "كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة" وهذا من هذا والله أعلم.
وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ
Et (Il a créé) parmi les bestiaux, certains pour le transport, et d'autres pour diverses utilités; mangez de ce qu'Allah vous a attribué, et ne suivez pas les pas du Diable, car il est pour vous un ennemi déclaré
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله عز وجل "ومن الأنعام حمولة وفرشا" أي وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش قيل المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل والفرش الصغار منها كما قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله حمولة ما حمل عليه من الإبل وفرشا الصغار من الإبل رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن عباس: الحمولة هي الكبار والفرش الصغار من الإبل وكذا قال مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ومن الأنعام حمولة وفرشا" أما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه وأما الفرش فالغنم واختاره ابن جرير قال: وأحسبه إنما سمي فرشا لدنوه من الأرض وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيره: الحمولة الإبل والبقر والفرش الغنم. وقال السدي: أما الحمولة فالإبل وأما الفرش فالفصلان والعجاجيل والغنم وما حمل عليه حمولة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة ما تركبون والفرش ما تأكلون وتحلبون: شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا. وهذا الذي قال عبد الرحمن فى تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى "أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون" وقال تعالى " وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين" إلى أن قال "ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين" وقال تعالى "الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون" وقوله تعالى "كلوا مما رزقكم الله" أي من الثمار والزروع والأنعام فكلها خلقها الله وجعلها رزقا لكم "ولا تتبعوا خطوات الشيطان" أي طريقه وأوامره كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله أي من الثمار والزروع افتراء على الله "إنه لكم" أي إن الشيطان أيها الناس لكم "عدو مبين" أي مبين ظاهر العداوة كما قال "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" وقال تعالى "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما" الآية وقال تعالى "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا" والآيات في هذا كثيرة في القرآن.
ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ
(Il en a créé) huit, en couples: deux pour les ovins, deux pour les caprins... dis: «Est-ce les deux mâles qu'Il a interdits ou les deux femelles, ou ce qui est dans les matrices des deux femelles? Informez-moi de toute connaissance, si vous êtes véridiques»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
هذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حرموا من الأنعام وجعلوها أجزاء وأنواعا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاما وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا. ثم بين أصناف الأنعام إلى غنم وهو بياض وهو الضأن وسواد وهو المعز ذكره وأنثاه وإلى إبل ذكورها وإناثها وبقر كذلك وأنه تعالى لم يحرم شيئا من ذلك ولا شيئا من أولادها بل كلها مخلوقة لبني آدم أكلا وركوبا وحمولة وحلبا وغير ذلك من وجوه المنافع كما قال "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" الآية وقوله تعالى "أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين" رد عليهم في قولهم" ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا" الآية وقوله تعالى "نبئوني بعلم إن كنتم صادقين" أي أخبروني عن يقين كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك وقال العوفي عن ابن عباس قوله "ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين" فهذه أربعة أزواج" قل آلذكرين حرم أم الأنثيين" يقول لم أحرم شيئا من ذلك "أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين" يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعض وتحلون بعضا؟ "نبئوني بعلم إن كنتم صادقين" يقول تعالى: كله حلال.
وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
deux pour les camélidés, deux pour les bovins... Dis: «Est-ce les deux mâles qu'Il a interdits ou les deux femelles, ou ce qui est dans les matrices des deux femelles? Ou bien étiez-vous témoins quand Allah vous l'enjoignit?» Qui est donc plus injuste que celui qui invente un mensonge contre Allah pour égarer les gens sans se baser sur aucun savoir? Allah ne guide pas les gens injustes
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى"أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا" تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم" أي لا أجد أظلم منه "إن الله لا يهدي القوم الظالمين" وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة لأنه أول من غير دين الأنبياء وأول من سيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي كما ثبت ذلك في الصحيح.
قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
Dis: «Dans ce qui m'a été révélé, je ne trouve d'interdit, à aucun mangeur d'en manger, que la bête (trouvée) morte, ou le sang qu'on a fait couler, ou la chair de porc - car c'est une souillure - ou ce qui, par perversité, a été sacrifié à autre qu'Allah». Quiconque est contraint, sans toutefois abuser ou transgresser, ton Seigneur est certes Pardonneur et Miséricordieux
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى آمرا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم "قل" يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله "لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" أي آكل يأكله قيل معناه لا أجد شيئا مما حرمتم حراما سوى هذه وقيل معناه لا أجد من الحيوانات شيئا حراما سوى هذه فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة المائدة وفي الأحاديث الواردة رافعا لمفهوم هذه الآية ومن الناس من يسمي هذا نسخا والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخا لأنه من باب رفع مباح الأصل والله أعلم وقال العوفي عن ابن عباس "أو دما مسفوحا" يعني المهراق وقال عكرمة في قوله "أو دما مسفوحا" لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود وقال حماد عن عمران بن جرير قال: سألت أبا مجلز عن الدم وما يتلطخ من الذبيح من الرأس وعن القدر يرى فيها الحمرة فقال إنما نهى الله عن الدم المسفوح وقال قتادة: حرم من الدماء ما كان مسفوحا فأما اللحم خالطه الدم فلا بأس به وقال ابن جرير: حدثنا المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسا والحمرة والدم يكونان على القدر وقرأت هذه الآية صحيح غريب. وقال الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن عبد الله إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك الحبر يعني ابن عباس وقرأ "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" الآية وكذا رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان به وأخرجه أبو داود من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار ورواه الحاكم في مستدركه مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت وقال أبو بكر بن مردوية والحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن على بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو وقرأ هذه الآية "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" الآية وهذا لفظ ابن مردوية ورواه أبو داود منفردا به عن محمد بن داود بن صبيح عن أبي نعيم به وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة قال "فلم لا أخذتم مسكها" قالت نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما قال الله" قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير "وإنكم لا تطعمونه إن تدبغوه فتنتفعوا به فأرسلت فسلخت مسكها فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها رواه أحمد ورواه البخاري والنسائي من حديث الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس عن سودة بنت زمعة بذلك أو نحوه وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن أكل القنفذ فقرأ عليه "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرم على طاعم يطعمه" الآية فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال خبيث من الخبائث فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال ورواه أبو داود عن أبي ثور عن سعيد بن منصور به. وقوله تعالى "فمن اضطر غير باغ ولا عاد" أي فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله في هذه الآية الكريمة وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان "فإن ربك غفور رحيم" أي غفور له رحيم به وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية والغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم وإنما حرم ما ذكر في هذه الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما عدا ذلك فلم يحرم وإنما هو عفو مسكوت عنه فكيف تزعمون أنتم أنه حرام ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير على المشهور من مذاهب العلماء.