Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
الأنعام
Al-An'am
165 versets
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ
Ils n'apprécient pas Allah comme Il le mérite quand ils disent: «Allah n'a rien fait descendre sur un humain.» Dis: «Qui a fait descendre le Livre que Moïse a apporté comme lumière et guide, pour les gens? Vous le mettez en feuillets, pour en montrer une partie, tout en cachant beaucoup. Vous avez été instruits de ce que vous ne saviez pas, ni vous ni vos ancêtres. Dis: «C'est Allah». Et puis, laisse-les s'amuser dans leur égarement
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم: قال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير نزلت في قريش واختاره ابن جرير وقيل نزلت في طائفة من اليهود. وقيل في فنحاص رجل منهم. وقيل في مالك بن الصيف "قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء" والأول أصح لأن الآية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من البشر كما قال "أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس" وكقوله تعالى "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا" وقال ههنا "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء" قال الله تعالى "قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس" أي قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة "من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى" وهو التوراة التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورا وهدى للناس أي ليستضاء بها في كشف المشكلات ويهتدى بها من ظلم الشبهات وقوله "تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" أي تجعلون جملتها قراطيس أي قطعا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم وتحرفون منها ما تحرفون وتبدلون وتتأولون وتقولون هذا من عند الله أي في كتابه المنزل وما هو من عند الله ولهذا قال "تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" وقوله تعالى "وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم" أي ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب وقال مجاهد هذه للمسلمين وقوله تعالى "قل الله" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي قل الله أنزله وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة لا ما قاله بعض المتأخرين من أن معنى "قل الله" أي لا يكون خطاب لهم إلا هذه الكلمة كلمة "الله" وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرا بكلمة مفردة من غير تركيب والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد في لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها وقوله "ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" أي ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون حتى يأتيهم من الله اليقين فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟.
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ
Voici un Livre (le Coran) béni que Nous avons fait descendre, confirmant ce qui existait déjà avant lui, afin que tu avertisses la Mère des Cités (la Mecque) et les gens tout autour. Ceux qui croient au Jour dernier, y croient et demeurent assidus dans leur Salât
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "وهذا كتاب" يعني القرآن "أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى" يعني مكة "ومن حولها" من أحياء العرب ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم كما قال في الآية الأخرى "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" وقال "لأنذركم به ومن بلغ" وقال "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده" وقال تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا" وقال "وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد" وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي" وذكر منهن وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ولهذا قال "والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به" أي كل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن "وهم على صلاتهم يحافظون" أي يقومون بما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها.
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ
Et quel pire injuste que celui qui fabrique un mensonge contre Allah ou qui dit: «Révélation m'a été faite», quand rien ne lui a été révélé. De même celui qui dit: «Je vais faire descendre quelque chose de semblable à ce qu'Allah a fait descendre.» Si tu voyais les injustes lorsqu'ils seront dans les affres de la mort, et que les Anges leur tendront les mains (disant): «Laissez sortir vos âmes. Aujourd'hui vous allez être récompensés par le châtiment de l'humiliation pour ce que vous disiez sur Allah d'autre que la vérité et parce que vous vous détourniez orgueilleusement de Ses enseignements»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا" أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شركاء أو ولدا أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يرسله ولهذا قال تعالى "أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء" قال عكرمة وقتادة نزلت في مسيلمة الكذاب "ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" أي ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول كقوله تعالى "وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا" الآية قال الله تعالى "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت" أي في سكراته وغمراته وكرباته"والملائكة باسطو أيديهم" أي بالضرب كقوله "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني" الآية. وقوله "يبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء" الآية وقال الضحاك وأبو صالح باسطو أيديهم أي بالعذاب كقوله "ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم" ولهذا قال "والملائكة باسطو أيديهم" أي بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم ولهذا يقولون لهم "أخرجوا أنفسكم" وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم فتفرق روحه في جسده وتعصي وتأبى الخروح فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم "أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق" الآية. أي اليوم تهانون غاية الإهانة كما كنتم تكذبون على الله وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت وهي مقررة عند قوله تعالى "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" وقد ذكر ابن مردوية ههنا حديثا مطولا جدا من طريق غريب عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا فالله أعلم.
وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَـٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ
Et vous voici venus à Nous, seuls, tout comme Nous vous avions créés la première fois, abandonnant derrière vos dos tout ce que Nous vous avions accordé. Nous ne vous voyons point accompagnés des intercesseurs que vous prétendiez être des associés. Il y a certainement eu rupture entre vous: ils vous ont abandonnés, ceux que vous prétendiez (être vos intercesseurs)
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة" أى يقال لهم يوم معادهم هذا كما قال "وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة" أي كما بدأناكم أعدناكم وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه فهذا يوم البعث وقوله "وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم" أي من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس وقال الحسن البصري يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول الله عز وجل أين ما جمعت؟ فقول يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول له يا ابن آدم أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئا وتلا هذه الآية "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم" الآية رواه ابن أبي حاتم وقوله "وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء" تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد فإذا كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب وانزاح الضلال وضل عنهم ما كانوا يفترون ويناديهم الرب جل جلاله على رءوس الخلائق. "أين شركائي الذين كنتم تزعمون" وقيل لهم "أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصروكم أو ينتصرون" ولهذا قال ههنا "وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتهم أنهم فيكم شركاء" أي في العبادة لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم ثم قال تعالى "لقد تقطع بينكم" قرئ بالرفع أي شملكم وبالنصب أي لقد تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل "وضل عنكم" أي ذهب عنكم "ما كنتم تزعمون" من رجاء الأصنام والأنداد كقوله تعالى "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار" وقال تعالى "فإذا نفخ الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" وقال تعالى "إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار. ومالكم من ناصرين" وقال "وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم" الآية. وقال "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا" إلى قوله "وضل عنهم ما كانوا يفترون" والآيات في هذا كثيرة جدا.
۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ
C'est Allah qui fait fendre la graine et le noyau: du mort il fait sortir le vivant, et du vivant, il fait sortir le mort. Tel est Allah. Comment donc vous laissez-vous détourner
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى أي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى ولهذا فسر قوله "فالق الحب والنوى" بقوله "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي" أي يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت كقوله "وآية لهم الأرض الميتة احييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون" إلى قوله "ومن أنفسهم ومما لا يعلمون" وقوله "ومخرج الميت من الحي" معطوف على "فالق الحب والنوى" ثم فسره ثم عطف عليه قوله "ومخرج الميت من الحي" وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى فمن قائل يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه ومن قائل يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها. ثم قال تعالى "ذلكم الله" أي فاعل هذا هو الله وحده لا شريك له "فأنى تؤفكون" أي كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون معه غيره.