Tafsirs/Tafsir Ibn Kathir/Al-Ahzab
Arabe

Tafsir Ibn Kathir

Hafiz Ibn Kathir

الأحزاب

Al-Ahzab

73 versets

Versets 610 sur 73Page 2 / 15
6S33V06

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا

Le Prophète a plus de droit sur les croyants qu'ils n'en ont sur eux-mêmes; et ses épouses sont leurs mères. Les liens de consanguinité ont [dans les successions] la priorité [sur les liens] unissant les croyants [de Médine] et les émigrés [de la Mecque] selon le livre d'Allah, à moins que vous ne fassiez un testament convenable en faveur de vos frères en religion. Et cela est inscrit dans le Livre

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم: على أمته ونصحه لهم فجعله أولى بهم من أنفسهم وحكمه فيهم كان مقدما على اختيارهم لأنفسهم كما قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" وفي الصحيح "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" وفي الصحيح أيضا أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي فقال "الآن يا عمر" ولهذا قال تعالى في هذه الآية "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" وقال البخاري عند هذه الآية الكريمة حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح حدثنا أبي عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرءوا إن شئتم" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه" تفرد به البخاري ورواه أيضا في الاستقراض وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن فليح به مثله ورواه أحمد من حديث أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" عن أبى سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينا فإلى ومن ترك مالا فهو لورثته" رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه وقوله تعالى: "وأزواجه أمهاتهم" أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين كما هو منصوص الشافعي رضي الله عنه في المختصر وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم وهل يقال لمعاوية وأمثاله خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء رضي الله عنهم ونص الشافعي رضي الله عنه على أنه لا يقال ذلك وهل يقال لهن أمهات المؤمنات فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبا؟ فيه قولان صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لا يقال ذلك وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي رضي الله عنه. وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قرآ "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي رضي الله عنه حكاه البغوي وغيره واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود رحمه الله حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه" وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة. وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن عجلان والوجه الثاني أنه لا يقال ذلك واحتجوا بقوله تعالى: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم". وقوله تعالى: "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" أي في حكم الله "من المؤمنين والمهاجرين" أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا قال سعيد بن جبير وغير واحد من السلف والخلف. وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديث عن الزبير بن العوام فقال حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي من ساكني بغداد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال أنزل الله عز وجل فينا خاصة معشر قريش والأنصار "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض" وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم ووارثناهم فآخى أبو بكر رضي الله عنه خارجة بن زيد وآخى عمر رضي الله عنه فلانا وآخى عثمان رضي الله عنه رجلا من بني زريق بن سعد الزرقي ويقول بعض الناس غيره قال الزبير رضي الله عنه وواخيت أنا كعب بن مالك فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى فوالله يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة فرجعنا إلى مواريثنا. وقوله تعالى: "إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا" أي ذهب الميراث وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية وقوله تعالى: "كان ذلك في الكتاب مسطورا" أي هذا الحكم وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدل ولا يغير. قاله مجاهد وغير واحد وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهو يعلم أنه سبحانه إلى ما هو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي والله أعلم.

7S33V07

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا

Lorsque Nous prîmes des prophètes leur engagement, de même que de toi, de Noé, d'Abraham, de Moïse, et de Jésus fils de Marie: et Nous avons pris d'eux un engagement solennel

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

يقول تعالى مخبرا أولي العزم الخمسة وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله تعالى وإبلاغ رسالته والتعاون والتناصر والاتفاق كما قال تعالى: "إذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين" فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم وكذلك هذا ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولوا العزم وهو من باب عطف الخاص على العام وقد صرح بذكرهم أيضا في هذه الآية وفي قوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" فذكر الطرفين والوسط الفاتح والخاتم ومن بينهما على الترتيب فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها كما قال تعالى: "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم" فبدأ في هذه الآية بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة الدمشقي حدثنا محمد بن بكار حدثنا سعيد بن بشير حدثني قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح" الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم فى البعث فبدأ بي قبلهم" سعيد بن بشير فيه ضعف وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به مرسلا وهو أشبه ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا والله أعلم. وقال أبو بكر البزار حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو أحمد حدثنا حمزة الزيات حدثنا عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم. موقوف وحمزة فيه ضعف وقد قيل إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا فى صورة الذر من صلب آدم عليه السلام كما قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم فنظر إليهم يعني ذريته وإن فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال: رب لو سويت بين عبادك فقال إني أحببت أن أشكر. ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة وهو الذي يقول الله تعالى "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم" وهذا قول مجاهد أيضا وقال ابن عباس الميثاق الغليظ العهد.

8S33V08

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا

afin [qu'Allah] interroge les véridiques sur leur sincérité. Et Il a préparé aux infidèles un châtiment douloureux

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

وقوله تعالى "ليسأل الصادقين عن صدقهم" قال مجاهد المبلغين المؤدين عن الرسل وقوله تعالى "وأعد للكافرين" أي من أممهم "عذابا أليما" أي موجعا فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين الواضح الجلي الذي لا لبس فيه ولا شك ولا امتراء وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين فما جاءت به الرسل هو الحق ومن خالفهم فهو على الضلال كما يقول أهل الجنة "لقد جاءت رسل ربنا بالحق".

9S33V09

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا

O vous qui croyez! Rappelez-vous le bienfait d'Allah sur vous, quand des troupes vous sont venues et que Nous avons envoyé contre elles un vent et des troupes que vous n'avez pas vues. Allah demeure Clairvoyant sur ce que vous faites

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

يقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور وقال موسى بن عقبة وغيره كان في سنة أربع وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرا من أشراف يهود بني النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر منهم سلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع خرجوا إلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة فأجابوهم إلى ذلك ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضا وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر والجميع قريب من عشرة آلاف فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق وذلك بإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه فعمل المسلمون فيه واجتهدوا ونقل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وحفر وكان في حفره ذلك آيات ودلائل واضحات وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبا من أحد ونزلت طائفة منهم في أعالي أرض المدينة.

10S33V10

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠

Quand ils vous vinrent d'en haut et d'en bas [de toutes parts], et que les regards étaient troublés, et les cœurs remontaient aux gorges, et vous faisiez sur Allah toutes sortes de suppositions

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

كما قال الله تعالى "إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم" وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين وهم نحو من ثلاثة آلاف وقيل سبعمائة فأسندوا ظهورهم إلى سلع ووجوههم إلى نحو العدو والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الخيالة والرجالة أن تصل إليهم وجعل النساء والذراري في آطام المدينة وكانت بنو قريظة وهم طائفة من اليهود لهم حصن شرق المدينة ولهم عهد من النبي وذمة وهم قريب من ثمانمائة مقاتل فذهب إليهم حيي بن أخطب النضري فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد ومالأوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم الخطب واشتد الأمر وضاق الحال كما قال الله تبارك وتعالى "هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا" ومكثوا محاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريبا من شهر إلا أنهم لا يصلون إليهم ولم يقع بينهم قتال إلا أن عمرو بن عبد ود العامري وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية ركب ومعه فوارس فاقتحموا الخندق وخلصوا إلى ناحية المسلمين فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيل المسلمين إليه فقال إنه لم يبرز إليه أحد فأمر عليا رضي الله عنه فخرج إليه فتجاولا ساعة ثم قتله علي رضي الله عنه فكان علامة على النصر. ثم أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين كما قال الله عز وجل "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا" قال مجاهد وهي الصبا ويؤيده الحديث الآخر "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" وقال ابن جرير حدثني محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا داود عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل قال فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن حفص بن غياث عن داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكره وقال ابن جرير أيضا حدثنا يونس حدثنا ابن وهب حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون رضي الله عنه ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة فقال ائتنا بطعام ولحاف قال فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي وقال "من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا" قال فذهبت والريح تسفي كل شيء فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال فما يلوي أحد منهم عنقه قال وكان معي ترس لي فكانت الريح تضربه علي وكان فيه حديد قال فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي فأبعدها إلى الأرض. وقوله "وجنودا لم تروها" هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف فكان رئيس كل قبيلة يقول يا بني فلان إلي فيجتمعون إليه فيقول النجاء النجاء لما ألقى الله عز وجل في قلوبهم من الرعب وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال نعم يا ابن أخي قال وكيف كنتم تصنعون؟ قال والله لقد كنا نجهد قال الفتى والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة رضي الله عنه يا ابن أخي والله لو رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ - يشترط له النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع - أدخله الله الجنة" قال فما قام رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال مثله فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ - يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة" فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال "يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدث شيئا حتى تأتينا" قال فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله عز وجل تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قرارا ولا نارا ولا بناء فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش لينظر كل امرئ من جليسه. قال حذيفة رضي الله عنه فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي فقلت من أنت؟ فقال أنا فلان بن فلان ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون والله ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني لو شئت لقتلته بسهم قال حذيفة رضي الله عنه فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد وإني لفيه فلما سلم أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فقال له رجل لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت: فقال له حذيفة أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة" فلم يجبه منا أحد ثم الثانية ثم الثالثة مثله ثم قال صلى الله عليه وسلم "يا حذيفة قم فأتنا بخبر من القوم" فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم فقال: "ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي" قال فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته قال فرجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى الصبح فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قم يا نومان" ورواه يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال إن رجلا قال لحذيفة رضي الله عنه نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم أدركتموه ولم ندركه ورأيتموه ولم نره فقال حذيفة رضي الله عنه ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه والله لا تدري يا ابن أخي لو أدركته كيف كنت تكون لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة ثم ذكر نحو ما تقدم مطولا. وروى بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة رضي الله عنه نحو ذلك أيضا وقد أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز ابن أخى حذيفة قال ذكر حذيفة رضي الله عنه مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه أما والله لو شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة لا تمنوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودا وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا وقريظة لليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هى بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ويأذن لهم فيتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى أتى علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي قال فأتاني صلى الله عليه وسلم وأنا جاث على ركبتي فقال: "من هذا؟" فقلت حذيفة قال "حذيفة" فتقاصرت الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقمت فقال: "إنه كائن في القوم خير فائتني بخبر القوم" قال وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا قال فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته" قال فوالله ما خلق الله تعالى فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي فما أجد فيه شيئا قال فلما وليت قال صلى الله عليه وسلم "يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني" قال فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد فإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول الرحيل الرحيل ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني" قال فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضربهم بها ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت في الطريق أو نحوا من ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقال أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلي فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف فأومأ إلي سول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلي فدنوت منه فأسبل علي شملة وكان رسول الله إذا حزبه أمر صلى فأخبرته خبر القوم وأخبرته أني تركتهم يرتحلون وأنزل الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا" وأخرج أبو داود في سننه منه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى من حديث عكرمة بن عمار به وقوله تعالى: "إذ جاءوكم من فوقكم" أي الأحزاب "ومن أسفل منكم" تقدم عن حذيفة رضي الله عنه أنهم بنو قريظة "وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر" أي من شدة الخوف والفزع "وتظنون بالله الظنونا" قال ابن جرير ظن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على المؤمنين وأن الله سيفعل ذلك وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: "وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا" ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط وقال الحسن في قوله عز وجل "وتظنون بالله الظنونا" ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عاصم الأنصاري حدثنا أبو عامر ح وحدثنا أبي حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا الزبير يعني ابن عبد الله مولى عثمان رضي الله عنه عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقول فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال صلى الله عليه وسلم "نعم قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا قال فضرب وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الريح وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي.