Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
التوبة
At-Tawbah
129 versets
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ
Le nombre de mois, auprès d'Allah, est de douze [mois], dans la prescription d'Allah, le jour où Il créa les cieux et la terre. Quatre d'entre eux sont sacrés: telle est la religion droite. [Durant ces mois], ne faites pas de tort à vous-mêmes. Combattez les associateurs sans exception, comme ils vous combattent sans exception. Et sachez qu'Allah est avec les pieux
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل أخبرنا أيوب أخبرنا محمد بن سيرين عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان " ثم قال " أي يوم هذا؟ " قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال " أليس يوم النحر؟ " قلنا بلى ثم قال " أي شهر هذا؟ " قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال " أليس ذا الحجة؟ " قلنا بلى ثم قال " أي بلد هذا.؟ " قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال " أليست البلدة؟ " قلنا بلى قال " فإن دماءكم وأموالكم - وأحسبه قال - وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هدا في بلدكم هذا. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه" رواه البخاري في التفسير وغيره. ومسلم من حديث أيوب عن محمد وهو ابن سيرين عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به وقد قال ابن جرير: حدثنا معمر حدثنا روح حدثنا أشعث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ثلاثة متواليات - ذو القعدة وذو الحجة والمحرم - ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " ورواه البزار عن محمد بن معمر به. ثم قال لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه وقد رواه ابن عون وقرة عن ابن سيرين عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وقال ابن جرير أيضا: حدثني موسى بن عبدالرحمن المسروقي حدثنا زيد بن حباب حدثنا موسى بن عبيدة الربذي حدثني صدقة بن يسار عن ابن عمر قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال " أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم " وروى ابن مردوية من حديث موسى بن عبيدة عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر مثله أو نحوه وقال حماد بن سلمة حدثني علي بن زيد عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه وكانت له صحبة قال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا إن الزمان قد استدار كهيئه يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم " وقال سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن باس في قوله " منها أربعة حرم " قال محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض "تقرير منه صلوات الله وسلامه عليه وتثبيت للأمر على ما جعله الله في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص ولا نسيء ولا تبديل كما قال في تحريم مكة " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمه الله تعالى إلى يوم القيامة وهكذا قال ههنا " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض "أي الأمر اليوم شرعا كما ابتدع الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرضش وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث إن المراد بقوله " قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض "أنه اتفق أن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنة في ذي الحجة وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين بل أكثرها في غير ذي الحجة وزعموا أن حجة التصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة وفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا عن النسيء وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد وهو يوم النحر عام حجة الوداع والله أعلم. " فصل "ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه " المشهور في أسماء الأيام والشهور "أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرا محرما وعندي أنه سمي بذلك تأكيدا لتحريمه لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عاما وتحرمه عاما قال ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار يقال صفر المكان إذا خلا ويجمع على أصفار كجمل وأجمال وشهر ربيع الأول سمي بذلك لارتباعهم فيه والارتباع الإقامة في عمارة الربع ويجمع على أربعاء كنصيب وأنصباء وعلى أربعة كرغيف وأرغفة وربيع الآخر كالأول وجمادي سمي بذلك لجمود الماء فيه قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور وفي هذا نظر إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة فلابد من دورانها فلعلهم سموه بذلك أول ما سمي عند جمود الماء في البرد كما قال الشاعر: وليلة من جمادي ذات أندية لا يبصر العبد في ظلمائها الطنبا لا ينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على خرطومه الذنبــــــا ويجمع على جماديات كحبارى وحباريات وقد يذكر ويؤنث فيقال جمادي الأولى والأول وجمادي الآخر والآخرة ورجب من الترجيب وهو التعظيم ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات وشعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعابات ورمضان من شدة الرمضاء وهو الحر يقال رمضت الفصال إذا عطشت ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة قال: وقول من قال أنه اسم من أسماء الله خطأ لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه قلت: قد ورد في حديث ولكنه ضعيف وبينته في أول كتاب الصيام وشوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق قال: ويجمع على شواول وشواويل وشوالات لقعدة بفتح القاف - قلت وكسرها - لقعودهم فيه عن القتال والترحال ويجمع على ذوات القعدة الحجة بكسر الحاء - قلت وفتحها - سمي بذلك لإيقاعهم الحج فيه ويجمع على ذوات الحجة أسماء الأيام أولها ألاحد ويجمع على آحاد وأوحاد ووحود ثم يوم الإثنين ويجمع على أثانين الثلاثاء يمد ويذكر ويؤنث ويجمع على ثلاثاوات وأثالث ثم الاربعاء بالمد ويجمع على أربعاوات وأرابيع والخميس يجمع على أخمسة وأخامس ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضا ويجمع على جمع وجماعات السبت مأخوذ من السبت وهو القطع لانتهاء العدد عنده وكانت العرب تسمى الأيام أول ثم أهون ثم جبار ثم دبار ثم مؤنس ثم العروبة ثم شيار قال الشاعر: من العرب العرباء العاربة المتقدمين: أرجى أن أعيش وإن يومي بأول أو بأهون أو جبار أو التالي دبار فإن أفته فمؤنس أو عروبة أو شيار وقوله تعالى " منها أربعة حرم " فهذا مما كانت العرب أيضا في الجاهلية تحرمه وهو الذي كان عليه جمهورهم إلا طائفة منهم يقال لهم البسل كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر تعمقا وتشديدا وأما قوله " ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم فبين صلى الله عليه وسلم أنه رجب مضر لا رجب ربيعة وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل أشهر الحج شهرا وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك وحرم بعده شهرا آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا وقوله " ذلك الدين القيم " أي هذا هو الشرع المستقيم من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم والحذو بها على ما سبق من كتاب الله الأول قال تعالى " فلا تظلموا فيهن أنفسكم " أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف لقوله تعالى" ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم " وكذا الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس في قوله " فلا تظلموا فيهن أنفسكم " قال في الشهور كلها وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله " إن عدة الشهور عند الله " الآية فلا تظلموا فيهن أنفسكم في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراما وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم وقال قتادة في قوله " فلا تظلمـوا فيهن أنفسكم " إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواها. وإن كان الظلم على كل حال عظيما ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكره واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله. فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن عن محمد بن الحنفية بأن لا تحرموهن كحرمتهن وقال محمد بن إسحاق " فلا تظلموا فيهن أنفسكم " أي لا تجعلوا حراما حلالا ولا حلالها حراما كما فعل أهل الشرك فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر " يضل به الذين كفروا " الآية وهذا القول اختيار ابن جرير. وقوله " وقاتلوا المشركين كافة " أي جميعكم " كما يقاتلونكم كافة " أي جميعهم " واعلموا أن الله مع المتقين " وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين " أحدهما "وهو الأشهر أنه منسوخ لأنه تعالى قال ههنا " فلا تظلموا فيهن أنفسكم " وأمر بقتال المشركين وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرا عاما ولو كان محرما في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن في شوال فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فلهم لجئوا إلى الطائف فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما وانصرف ولم يفتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام والقول الآخر أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام " وقال " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " الآية وقال " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين " الآية وقد تقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة لا أشهر التسيير على أحد القولين. وأما قوله تعالى " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة " فيحتمل أنه منقطع عما قبله وأنه حكم مستأنف ويكون من باب التهييج والتحضيض أي كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم فاجتمعوا أنتم أيضا لهم إذا حاربتموهم وقاتلوهم بنظير ما يفعلون ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم كما قال تعالى " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص " وقال تعالى " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم " الآية. وهكذا الجواب عن حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال وجمعوا الرجال ودعوا إلى الحرب والنزال فعندما قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبا من أربعين يوما وكان ابتداؤه في شهر حلال ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أياما ثم قفل عنهم لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة والله أعلم ولنذكر الأحاديث الواردة في ذلك. وقد حررنا ذلك في السيرة والله أعلم.
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ
Le report d'un mois sacré à un autre est un surcroît de mécréance. Par là, les mécréants sont égarés: une année, ils le font profane, et une année, ils le font sacré, afin d'ajuster le nombre de mois qu'Allah a fait sacrés. Ainsi rendent-ils profane ce qu'Allah a fait sacré. Leurs méfaits leurs sont enjolivés. Et Allah ne guide pas les gens mécréants
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامية ما استطاعوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة كما قال شاعرهم وهو عمير بن قيس المعروف بجذل الطعان: لقد علمت معد بأن قومي كرام الناس أن لهم كراما ألسنا الناسئين على معد شهور الحل نجعلها حراما فأي الناس لم ندرك بوتر وأي الناس لم نعلك لجاما وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله " إنما النسيء زيادة في الكفر " قال النسيء: أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام وكان يكنى أبا ثمامة فينادي ألا إن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب ألا وإن صفر العام الأول العام حلال فيحله للناس فيحرم صفرا عاما ويحرم المحرم عاما فذلك قول الله " إنما النسيء زيادة في الكفر " يقول يتركون المحرم عاما وعاما يحرمونه وروى العوفي عن ابن عباس نحوه وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له فيقول أيها الناس: إني لا أعاب ولا أجاب ولا مرد لما أقول إنا قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته ويقول إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم فهو قوله " ليواطئوا عدة ما حرم الله " قال: يعني الأربعة فيحلوا ما حرم الله بتأخير هذا الشهر الحرام وروى عن أبي وائل والضحاك وقتادة نحو هذا وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم في قوله " إنما النسيء زيادة في الكفر " الآية. قال هذا رجل من بني كنانة يقال له القلمس وكان في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده فلما كان هو قالوا اخرجوا بنا قالوا له هذ المحرم قال ننسئه العام هما العام صفران فإذا كان العام القابل قضينا جعلناهما محرمين قال ففعل ذلك فلما كان عام قابل قال لا تغزوا في صفر حرموه مع المحرم هما محرمان فهذه صفة غريبة في النسيء وفيها نظر لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهـر فقط وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر فأين هذا من قوله تعالى " يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله " وقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضا فقال عبدالرزاق: أنا معمر عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى " إنما النسيء زيادة في الكفر " الآية قال فرض الله عز وجل الحج في ذي الحجة قال: وكان المشركون يسمون ذا الحجة المحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة يحجون فيه مرة أخرى ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه ثم يعودون فيسمون صفرا ثم يسمون رجب جمادى الآخر ثم يسمون شعبان رمضان ثم يسمون شوالا رمضان ثم يسمون ذا القعدة شوالا ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة ثم يسمون المحرم ذا الحجة فيحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة ثم عادوا بمثل هذه الصفة فكانوا يحجون في كل شهر عامين حتى إذا وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج فوافق ذا الحجة فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضا وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة وأنى هذا؟ وقد قال الله تعالى " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله " الآية وإنما نودي به في حجة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى " يوم الحج الأكبر " ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره من دوران السنة عليهم وحجهم في كل شهر عامين فإن النسيء حاصل بدون هذا فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عاما يحرمون عوضه صفرا وبعده ربيع وربيع إلى آخر السنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها ثم في السنة الثانية يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه وبعده صفر وربيع وربيع إلى آخرها " فيحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله " أي في تحريم أربعة أشهر من السنة إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم وتارة ينسئونه إلى صفر أي يؤخرونه وقد قدمنا الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم " إن الزمان قد استدار " الحديث أي إن الأمر في عدة الشهور وتحريم ما هو محرم منها على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي لا كما تعتمده جهلة العرب من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض والله أعلم وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا موسى بن عبيدة عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة اجتمع إليه من شاء الله من المسـلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال " وإنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما " فكانوا يحرمون المحرم عاما ويستحلون صفر ويستحلون المحرم وهو النسيء" وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب السيرة كلاما جيدا مفيدا حسنا فقال: كان أول من نسأ الشهور على العرب فأحل منها ما حرم الله وحرم منها ما أحل الله عز وجل القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد ثم ابنه أمية بن قلع ثم ابنه عوف بن أمية ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فقام فيهم خطيبا فحرم رجبا وذا القعدة وذا الحجة ويحل المحرم عاما ويجعل مكانه صفر ويحرمه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحل ما حرم الله يعني ويحرم ما أحل الله. والله أعلم.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
O vous qui croyez! Qu'avez-vous? Lorsque l'on vous a dit: «Elancez-vous dans le sentier d'Allah» vous vous êtes appesantis sur la terre. La vie présente vous agrée-t-elle plus que l'au-delà? - Or, la jouissance de la vie présente ne sera que peu de chose, comparée à l'au-delà
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارة القيظ فقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله " أي إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله " اثاقلتم في الأرض " أي تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار " أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة " أي ما لكم فعلتم هكذا رضا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة ثم زهد تبارك وتعالى في الدنيا. ورغب في الآخرة فقال " فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليا " كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع؟ وأشار بالسبابة انفرد بإخراجه مسلم. وروى ابن أبي حاتم حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص حدثنا الربيع ابن روح حدثنا محمد بن خالد الوهبى حدثنا زياد يعني الجصاص عن أبي عثمان قال: قات يا أبا هريرة سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنه " قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله يجزي بالجسنة ألفي ألف حسنة "ثم تلا هذه الآية " فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل " فالدنيا ما مضى منها وما بقى منها عند الله قليل. وقال الثوري عن الأعمش في الآية " فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل " قال كزاد الراكب وقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول أف لك من دار إن كان كثير لقليل وإن كان قليلك لقصير وإن كنا منك لفي غرور.
إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ
Si vous ne vous lancez pas au combat, Il vous châtiera d'un châtiment douloureux et vous remplacera par un autre peuple. Vous ne Lui nuirez en rien. Et Allah est Omnipotent
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال " إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما " قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم " ويستبدل قوما غيركم " أي لنصرة نبيه وإقامة دينه كما قال تعالى " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " " ولا تضروه شيئا " أي ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه " والله على كل شيء قدير " أي قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم وقد قيل إن هذه الآية وقوله " انفروا خفافا وثقالا " وقوله " وما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله " أنهن منسوخات بقوله تعالى " وما كانوا المؤمنين لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة " روى هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم ورده ابن جرير وقال إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد فتعين عليهم ذلك فلو تركوه لعوقبوا عليه وهذا له اتجاه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
Si vous ne lui portez pas secours... Allah l'a déjà secouru, lorsque ceux qui avaient mécru l'avaient banni, deuxième de deux. Quand ils étaient dans la grotte et qu'il disait à son compagnon: «Ne t'afflige pas, car Allah est avec nous.» Allah fit alors descendre sur Lui Sa sérénité «Sa sakîna» et le soutint de soldats (Anges) que vous ne voyiez pas, et Il abaissa ainsi la parole des mécréants, tandis que la parole d'Allah eut le dessus. Et Allah est Puissant et Sage
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى " إلا تنصروه " أي تنصروا رسوله فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى نصره " إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين " أي عام الهجرة لما هم المشركين بقتله أو حبسه أو نفيه فخرج منهم هاربا صحبه صديقه وصاحبه أبو بكر بن أبي قحافة فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم يسيروا نحو المدينة فجعل أبو بكر رضي الله عنه يجزع أن يطلع عليهم فيخلص إلى الرسول عليه الصلاة والسلام منهم أذي فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسكنه ويثبته ويقول " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما "كما قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا همام أنبأنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال: فقال " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " أخرجاه في الصحيحين ولهذا قال تعالى " فأنزل الله سكينته عليه " أي تأييده ونصره عليه أي على الرسول صلى الله عليه وسلم في أشهر القولين وقيل على أبي بكر وروي عن ابن عباس وغيره قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تزل معه سكينة وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال ولهذا قال " وأيده بجنود لم تروها " أي الملائكة " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا " قال ابن عباس: يعني بكلمة الذين كفروا الشرك وكلمة الله هي لا إله إلا الله. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " وقوله " والله عزيز " أي في انتقامه وانتصاره منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه واحتمى بالتمسك بخطابه " حكيم " في أقواله وأفعاله.