Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
الأنعام
Al-An'am
165 versets
۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ
Dis: «Venez, je vais réciter ce que votre Seigneur vous a interdit: ne Lui associez rien; et soyez bienfaisants envers vos père et mère. Ne tuez pas vos enfants pour cause de pauvreté. Nous vous nourrissons tout comme eux. N'approchez pas des turpitudes ouvertement, ou en cachette. Ne tuez qu'en toute justice la vie qu'Allah a fait sacrée. Voilà ce qu'[Allah] vous a recommandé de faire; peut-être comprendrez-vous
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال داود الأودي عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا- إلى قوله - لعلكم تتقون" وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا بكر بن محمد الصيرفي عن عروة حدثنا عبد الصمد بن الفضل حدثنا مالك بن إسماعيل المهدي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: سمعت ابن عباس يقول في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" الآيات ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه قلت ورواه زهير وقيس بن الربيع كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس به والله أعلم. وروى الحاكم أيضا في مسنده من حديث يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي إدريس عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم يبايعني على ثلاث ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" حتى فرغ من الآيات فمن وفى فأجره على الله ومن انتقض منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وإنما اتفقا على حديث الزهري عن أبي إدريس عن أبي عبادة بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا الحديث وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما والله أعلم. وأما تفسيرها فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله وقتلوا أولادهم وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم "قل" لهم "تعالوا" أي هلموا واقبلوا "أتل ما حرم ربكم عليكم" أي أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقا لا تخرصا ولا ظنا بل وحيا منه وأمرا من عنده "ألا تشركوا به شيئا" وكأن في الكلام محذوفا دل عليه السياق وتقديره وأوصاكم"ألا تشركوا شيئا" ولهذا قال في آخر الآية "ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" وكما قال الشاعر: حج وأوصى بسليمى الأعبدا أن لا ترى ولا تكلم أحدا ولا يزل شرابها مبردا وتقول العرب أمرتك أن لا تقوم وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا من أمتك دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر وفي بعض الروايات أن قائل ذلك إنا هو أبو ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عليه الصلاة والسلام قال في الثالثة وإن رغم أنف أبي ذر فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث وإن رغم أنف أبي ذر وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى " يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئا وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك "ولهذا شاهد في القرآن قال الله تعالى "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا وروى ابن مردوية من حديث عبادة وأبي الدرداء لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد حدثني سيار بن عبد الرحمن عن يزيد بن قوذر عن سلمة بن شريح عن عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع خصال ألا تشركوا بالله شيئا وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم رواه ابن أبي حاتم وقوله تعالى "وبالوالدين إحسانا" أي وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا أي أن تحسنوا إليهم كما قال تعالى "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" وقرأ بعضهم ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا أي أحسنوا إليهم والله تعالى كثيرا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين كما قال "أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون" فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما وقال تعالى "وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا" الآية والآيات في هذا كثيرة وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي؟ قل بر الوالدين قلت ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني وروى الحافظ أبو بكر بن مردوية بسنده عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت كل منهما يقول أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل ولكن في إسناديهما ضعف والله أعلم. وقوله تعالى "ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم" لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد فقال تعالى "ولا تقتلوا أولادكم من إملاق" وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك فكانوا يئدون البنات خشية العار وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الذنب أعظم؟ قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون" الآية وقوله تعالى "من إملاق" قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره: هو الفقر أي ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل. وقال في سورة الإسراء "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق" أي لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل ولهذا قال هناك "نحن نرزقهم وإياكم" فبدأ برزقهم للاهتمام بهم أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله وأما هنا فلما كان الفقر حاصلا قال "نحن نرزقكم وإياهم" لأنه الأهم ههنا والله أعلم وقوله تعالى "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" كقوله تعالى "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى "وذروا ظاهر الإثم وباطنه" وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وقال عبد الملك بن عمير عن وراد عن مولاه المغيرة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من سعد والله أغير مني من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن أخرجاه وقال كامل أبو العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله إنا نغار قال والله إني لأغار والله أغير مني ومن غيرته نهى عن الفواحش رواه ابن مردوية ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ومر على شرط الترمدي فقد روي بهذا السند أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقوله تعالى "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" وهذا مما نص تبارك وتعالى عن النهي عنه تأكيدا وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة وفي لفظ لمسلم والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم وذكره قال الأعمش فحدثت به إبراهيم فحدثني عن الأسود عن عائشة بمثله وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلات خصال زان محصن يرجم ورجل قتل متعمدا فيقتل ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض وهذا لفظ النسائي. وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله ولا قتلت نفسا فبم تقتلوني؟. رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب فروى البخاري عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا رواه ابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح وقوله "ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" أي هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن الله أمره ونهيه.
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ
Et ne vous approchez des biens de l'orphelin que de la plus belle manière, jusqu'à ce qu'il ait atteint sa majorité. Et donnez la juste mesure et le bon poids, en toute justice. Nous n'imposons à une âme que selon sa capacité. Et quand vous parlez, soyez équitables même s'il s'agit d'un proche parent. Et remplissez votre engagement envers Allah. Voilà ce qu'Il vous enjoint. Peut-être vous rappellerez-vous
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أنزل الله "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن"و "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما" الآية فانطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله ويفسد فاشتد ذلك علهم فذكروا ذلك لرسول الله فأنزل الله "ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم" قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم رواه أبو داود وقوله تعالى "حتى يبلغ أشده" قال الشعبي ومالك وغير واحد من السلف يعني حتى يحتلم. وقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة وقيل أربعون سنة وقيل ستون سنة قال وهذا كله بعيد ههنا والله أعلم. وقوله تعالى "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط" يأمر تعالى بإقامة العدل فى الأخذ والإعطاء كما توعد على تركه في قوله تعالى "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين" وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي من حديث الحسين بن قيس أبي علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم ثم قال لا نعرفه مرفوع إلا من حديث الحسين وهو ضعيف في الحديث. وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفا قلت وقد رواه ابن مردوية في تفسيره من حديث شريك عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة المكيال والميزان وقوله تبارك وتعالى "لا نكلف نفسا إلا وسعها" أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه. وقد روى ابن مردوية من حديث بقية عن ميسرة بن عبيد عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية "وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها" فقال من أوفي على يده في الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ وذلك تأويل وسعها هذا مرسل غريب وقوله "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" كقوله "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط" الآية وكذا التي تشبهها في سورة النساء يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد في كل وقت وفي كل حال وقوله "وبعهد الله أوفوا" قال ابن جرير: يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا وإيفاء ذلك أن تطيعوه فيما أمركم ونهاكم وتعملوا بكتابه وسنة رسوله وذلك هو الوفاء بعهد الله "ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" يقول تعالى: هذا أوصاكم به وأمركم به وأكد عليكم فيه "لعلكم تذكرون" أي تتعظون وتنتهون مما كنتم فيه قبل هذا وقرأ بعضهم بتشديد الذال وآخرون بتخفيفها.
وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ
«Et voilà Mon chemin dans toute sa rectitude, suivez-le donc; et ne suivez pas les sentiers qui vous écartent de Sa voie.» Voilà ce qu'Il vous enjoint. Ainsi atteindrez-vous la piété
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" وفي قوله "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" ونحو هذا في القرآن قال أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا قاله مجاهد وغير واحد وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا الأسود بن عامر شاذان حدثنا أبو بكر هو ابن عياش عن عاصم هو ابن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال هذا سبيل الله مستقيما وخط عن يمينه وشماله ثم قال هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" وكذا رواه الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن أبي بكر بن عياش به وقال صحيح ولم يخرجاه وهكذا رواه أبو جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس عن عاصم عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود مرفوعا به نحوه وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد والنسائي عن يحيى بن حبيب بن عربي وابن حبان من حديث ابن وهب أربعتهم عن حماد بن زيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود به وكذا رواه ابن جرير عن المثنى عن الحماني عن حماد بن زيد به ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق عن إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد به كذلك وقال صحيح ولم يخرجاه وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود به مرفوعا وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردوية من حديث يحيى الحماني عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر به فقد صححه الحاكم كما رأيت في الطريقين ولعل هذا الحديث عن عاصم بن أبي النجود عن زر وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما عن ابن مسعود به والله أعلم وقال الحاكم: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر من غير وجه معتمد. يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد وعبد بن حميد جميعا واللفظ لأحمد حدثنا عبد الله بن محمد وهو أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا أبو خالد الأحمر عن مجاهد عن الشعبي عن جابر قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا هكذا أمامه فقال هذا سبيل الله وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال هذه سبل الشيطان ثم وضع يده في الخط الأوسط ثم تلا هذه الآية "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" ورواه أحمد وابن ماجه في كتاب السنة من سننه والبزار عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد عن أبي خالد الأحمر به قلت ورواه الحافظ ابن مردوية من طريقين عن أبي سعيد الكندي حدثنا أبو خالد عن مجاهد عن الشعبي عن جابر قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط عن يمينه خطا وخط عن يساره خطا ووضع يده على الخط الأوسط وتلا هذه الآية "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" ولكن العمدة على حديث ابن مسعود مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرا وقد روي موقوفا عليه قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان بن عثمان أن رجلا قال لابن مسعود ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد ثم رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة. ثم قرأ ابن مسعود "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" الآية وقال ابن مردوية: حدثنا محمد بن عبد الوهاب حدثنا آدم حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا أبان بن عياش عن مسلم بن أبي عمران عن عبد الله بن عمر سأل عبد الله عن الصراط المستقيم فقال ابن مسعود تركنا محمد فى أدناه وطرفه في الجنة وذكر تمام الحديث كما تقدم والله أعلم. وقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه قال الإمام أحمد حدثني الحسن بن سوار أبو العلاء حدثنا ليث يعني ابن سعد عن معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعن جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم ورواه الترمذي والنسائي عن علي بن حجر زاد النسائي وعمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد عن يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به وقال الترمذي حسن غريب وقوله تعالى "فاتبعوه ولا تتبعوا السبل" إنما وحد سبيله لأن الحق واحد ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها كما قال تعالى "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان الواسطي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ثم تلا "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" حتى فرغ من ثلاث آيات ثم قال ومن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه.
ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ
Puis Nous avons donné à Moïse le Livre complet en récompense pour le bien qu'il avait fait, et comme un exposé détaillé de toute chose, un guide et une miséricorde. Peut-être croiraient-ils en leur rencontre avec leur Seigneur (au jour du Jugement dernier)
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال ابن جرير "ثم آتينا موسى الكتاب" تقديره ثم قل يا محمد مخبرا عنا أنا آتينا موسى الكتاب بدلالة قوله "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم" قلت وفي هذا نظر و "ثم" ههنا إنما هي لعطف الخبر بعد الخبر لا للترتيب ههنا كما قال الشاعر: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده وههنا لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" عطف بمدح التوراة ورسولها فقال "ثم آتينا موسى الكتاب" وكثيرا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة كقوله تعالى "ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسان عربيا" وقوله أول هذه السورة "قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا" الآية.
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ
Et voici un Livre (le Coran) béni que Nous avons fait descendre - suivez-le donc et soyez pieux, afin de recevoir la miséricorde
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وبعدها "وهذا كتاب أنزلناه مبارك" الآية. وقال تعالى مخبرا عن المشركين "فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى" قال تعالى "أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون" وقال تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا "يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق" الآية وقوله تعالى "تماما على الذي أحسن وتفصيلا" أي آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمام كاملا جامعا لما يحتاج إليه في شريعته كقوله "وكتبنا له في الألواح من كل شيء" الآية. وقوله تعالى "على الذي أحسن" أى جزاء على إحسانه في العمل وقيامه بأوامرنا وطاعتنا كقوله "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" وكقوله "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما" وكقوله "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون" وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس "ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن" يقول أحسن فيما أعطاه الله وقال قتادة من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة واختار ابن جرير أن تقديره "ثم آتينا موسى الكتاب تماما" على إحسانه فكأنه جعل الذي مصدرية كما قيل في قوله تعالى "وخضتم كالذي خاضوا" أي كخوضهم وقال ابن رواحة. وثبت الله ما آتاك من حسن في المرسلين ونصرا كالذي نصروا وقال آخرون الذي ههنا بمعنى الذين قال ابن جرير وذكر عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها تماما على الذين أحسنوا وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد تماما على الذي أحسن قال على المؤمنين والمحسنين وكذا قال أبو عبيدة وقال البغوي المحسنون الأنبياء والمؤمنون. يعني أظهرنا فضله عليهم قلت كقوله تعالى "قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي" ولا يلزم اصطفاؤه على محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والخليل عليهما السلام لأدلة أخرى. قال ابن جرير: وروى أبو عمرو بن العلاء عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها تماما على الذي أحسن رفعا بتأويل على الذي هو أحسن ثم قال وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية وجه صحيح وقيل معناه تماما على إحسان الله زيادة على ما أحسن إليه حكاه ابن جرير والبغوي ولا منافاة بينه وبين القول الأول وبه جمع ابن جرير كما بيناه ولله الحمد وقوله تعالى "وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة" فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه "لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" فيه الدعوة إلى اتباع القرآن يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين.