Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
الأنعام
Al-An'am
165 versets
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ
Créateur des cieux et de la terre. Comment aurait-Il un enfant, quand Il n'a pas de compagne? C'est Lui qui a tout créé, et Il est Omniscient
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
بديع السموات والأرض "أي مبدعهما وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق كما قال مجاهد والسدي ومنه سميت البدعة بدعة لأنه لا نظير لها فيما سلف "أنى يكون له ولد" أي كيف يكون له ولد "ولم تكن له صاحبة" أي والولد إنما يكون متولدا بين شيئين متناسبين والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا" إلى قوله "وكلهم آتيه يوم القيامة فردا" "وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم" فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء وأنه بكل شيء عليم فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له فأنى يكون له ولد "تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا".
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ
Voilà Allah, votre Seigneur! Il n'y a de divinité que Lui, Créateur de tout. Adorez-Le donc. C'est Lui qui a charge de tout
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى "ذلكم الله ربكم" أي الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة "لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه" أي فاعبدوه وحده لا شريك له وأقروا له بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو وأنه لا ولد له ولا والد ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل "وهو على كل شيء وكيل" أي حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلأهم بالليل والنهار.
لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ
Les regards ne peuvent l'atteindre, cependant qu'Il saisit tous les regards. Et Il est le Doux, le Parfaitement Connaisseur
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "لا تدركه الأبصار" فيه أقوال للأئمة من السلف. " أحدها "لا تدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة كما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن. كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب وفي رواية- على الله- فإن الله تعالى قال "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار".رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن أبي الضحى عن مسروق ورواه غير واحد عن مسروق وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة غير وجه وخالفها ابن عباس فعنه إطلاق الرؤية وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله وقال ابن أبي حاتم ذكر محمد بن مسلم حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله "لا تدركه الأبصار" قال هذا في الدنيا وذكر أبي عن هشام بن عبد الله أنه قال نحو ذلك. وقال آخرون "لا تدركه الأبصار" أي جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب فقوله تعالى "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" وقال تعالى عن الكافرين "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" قال الإمام الشافعي فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. وأما السنة فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن وجريج وصهيب وبلال وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات وفي روضات الجنات جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. وقيل المراد بقوله "لا تدركه الأبصار" أي العقول رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين عن الفلاس عن ابن مهدي عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك وهذا غريب جدا وخلاف ظاهر الآية وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية والله أعلم. وقال آخرون لا منافاة إثبات الرؤية ونفي الإدراك فإن الإدراك أخص من الرؤية ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو فقيل معرفة الحقيقة فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى. قال ابن عليه في الآية. هذا في الدنيا رواه ابن أبي حاتم. وقال آخرون الإدراك أخص من الرؤية وهو الإحاطة قالوا ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من إحاطة العلم عدم العلم قال تعالى "ولا يحيطون به علما" وفي صحيح مسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" قال لا يحيط بصر أحد بالملك وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد حدثنا أسباط عن سماك عن عكرمة أنه قيل له لا تدركه الأبصار قال ألست ترى السماء؟ قال بلى قال فكلها ترى؟ وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في الآية "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" وهو أعظم من أن تدركه الأبصار. وقال ابن جرير حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا خالد بن عبد الرحمن حدثنا أبو عرفجة عن عطية العوفي في قوله تعالى "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" قال هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره محيط بهم فذلك قوله "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" وورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم ههنا فقال حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب بن الحارث السهمي حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" قال "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا" غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم. وقال آخرون في الآية بما رواه الترمذي في جامعه وابن أبي عاصم في كتاب السنة له وابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردوية أيضا والحاكم في مستدركه من حديث الحكم بن أبان قال سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس يقول رأى محمد ربه تبارك وتعالى فقلت أليس الله يقول "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" الآية فقال لي لا أم لك ذلك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء وفي رواية لا يقوم له شيء قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعا إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل الليل وعمل الليل قبل النهار حجابه النور- أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وفي الكتب المتقدمة إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده. أي تدعثر وقال تعالى "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين" ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس وتنزه فلا تدركه الأبصار ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا وتحتج بهذه الآية "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه فإن ذلك غير ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشيء وقوله "وهو يدرك الأبصار" أي يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه لأنه خلقها كما قال تعالى "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين كما قال السدي في قوله "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" لا يراه شيء وهو يرى الخلائق وقال أبو العالية في قوله تعالى "وهو اللطيف الخبير" قال اللطيف لاستخراجها الخبير بمكانها والله أعلم وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان فيما وعظ به ابنه "يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير".
قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ
Certes, il vous est parvenu des preuves évidentes, de la part de votre Seigneur. Donc, quiconque voit clair, c'est en sa faveur; et quiconque reste aveugle, c'est à son détriment, car je ne suis nullement chargé de votre sauvegarde
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
البصائر هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم "فمن أبصر فلنفسه" كقوله "فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها" ولهذا قال "ومن عمي فعليها" لما ذكر البصائر قال "ومن عمي فعليها" أي إنما يعود وباله عليه كقوله "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" "وما أنا عليكم بحفيظ" أي بحافظ ولا رقيب بل إنما أنا مبلغ والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ
C'est ainsi que Nous expliquons les versets. Et afin qu'ils disent: «Tu as étudié». Et afin de l'exposer clairement à des gens qui savent
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "وكذلك نصرف الآيات" أي وكما فصلنا الآيات في هذه السورة من بيان التوحيد وأنه لا إله إلا هو هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة الجاهلين وليقول المشركون والكافرون المكذبون دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم وتعلمت منهم هكذا قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم. وقال الطبراني حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن كيسان قال سمعت ابن عباس يقول دارست تلوت خاصمت جادلت وهذا كقوله تعالى إخبارا عن كذبهم وعنادهم "وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها" الآية وقال تعالى إخبارا عن زعيمهم وكاذبهم "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر" وقوله "ولنبينه لقوم يعلمون" أي ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك وبيان الحق لهؤلاء كقوله تعالى "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا" الآية وكقوله "ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم" وقال تعالى "وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو" وقال "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" وقال تعالى "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين وأنه يضل به من يشاء ويهدي به من يشاء ولهذا قال ههنا "وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون" وقرأ بعضهم "وليقولوا درست" قال التميمي عن ابن عباس درست أي قرأت وتعلمت وكذا قال مجاهد والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد وقال عبد الرزاق عن معمر قال الحسن "وليقولوا درست" يقول تقادمت وانمحت وقال عبد الرزاق أيضا أنبأنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت ابن الزبير يقول إن صبيانا يقرءون ههنا دارست وإنما درست وقال شعبة حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال هي في قراءة ابن مسعود درست يعني بغير ألف بنصب السين ووقف على التاء قال ابن جرير ومعناه انمحت وتقادمت أي أن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديما وتطاولت مدته وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أنه قرأها درست أي قرئت وتعلمت وقال معمر عن قتادة درست قرئت وفي حرف ابن مسعود درس وقال أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا حجاج عن هارون قال هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود وليقولوا درس قال يعنون النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ وهذا غريب فقد روي عن أبي بن كعب خلاف هذا قال أبو بكر بن مردوية حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا الحسن بن ليث حدثنا أبو سلمة حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي حدثنا وهب بن زمعة عن أبيه عن حميد الأعرج عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم "وليقولوا درست".ورواه الحاكم في مستدركه من حديث وهب بن زمعة وقال يعني بجزم السين ونصب التاء ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.