Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
العنكبوت
Al-'Ankabut
69 versets
۞وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ
Et ne discutez que de la meilleure façon avec les gens du Livre, sauf ceux d'entre eux qui sont injustes. Et dites: «Nous croyons en ce qu'on a fait descendre vers nous et descendre vers vous, tandis que notre Dieu et votre Dieu est le même, et c'est à Lui que nous nous soumettons»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف ولم يبق معهم مجادلة وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف وقال آخرون بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أنجع فيه كما قال تعالى "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" الآية وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون "فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" وهذا القول اختاره ابن جرير وحكاه عن ابن زيد. وقوله تعالى "إلا الذين ظلموا منهم" أي حادوا عن وجه الحق وعموا عن واضح المحجة وعاندوا وكابروا فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم قال الله عز وجل "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد - إلى قوله - إن الله قوي عزيز" قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف قال مجاهد "إلا الذين ظلموا منهم" يعني أهل الحرب ومن امتنع منهم من أداء الجزية. وقوله تعالى "وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم" يعني إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقا ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلا ولكن نؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط وهو أن يكون منزلا لا مبدلا ولا مؤولا. قال البخاري رحمه الله حدثنا محمد بن بشار حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" وهذا الحديث تفرد به البخاري. وقال الإمام أحمد حدثنا عثمان بن عمرو أخبرنا يونس عن الزهري أخبرني ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود فقال يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الله أعلم" قال اليهودي أنا أشهد أنها تتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم" "قلت" وأبو نملة هذا هو عمارة وقيل عمار وقيل عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري رضي الله عنه ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان لأنه قد دخلت تحريف وتبديل وتغيير وتأويل وما أقل الصدق فيه ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحا. قال ابن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا أبو عاصم أخبرنا سفيان عن سليمان بن عامر عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير عن عبدالله - هو ابن مسعود- قال لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال وقال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا ابن شهاب عن عبدالله بن عبدالله عن ابن عباس قال: كيف تسألوا أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرءونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم وقال البخاري وقال أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبدالرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب "قلت" معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد لأنه يحدث عن صحف هو يحسن بها الظن وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة ومع ذلك وقرب العهد وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة لا يعلمها إلا الله عز وجل ومن منحه الله تعالى علما بذلك كل بحسبه ولله الحمد والمنة.
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَـٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ
C'est ainsi que Nous t'avons fait descendre le Livre (le Coran). Ceux à qui Nous avons donné le Livre y croient. Et parmi ceux-ci, il en est qui y croient. Seuls les mécréants renient Nos versets
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال ابن جرير يقول الله تعالى كما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد من الرسل كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب وهذا الذي قاله حسن ومناسبته وارتباطه جيد وقوله تعالى "الذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به" أي الذين أخذوه فتلوه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء كعبدالله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما وقوله تعالى "ومن هؤلاء من يؤمن به" يعني العرب من قريش وغيرهم "وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون" أي ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل. ويغطي ضوء الشمس بالوصائل وهيهـات.
وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ
Et avant cela, tu ne récitais aucun livre et tu n'en écrivais aucun de ta main droite. Sinon, ceux qui nient la vérité auraient eu des doutes
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم قال تعالى "وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك" أي قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب وهكذا صفته في الكتب المتقدمة كما قال تعالى "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر" الآية وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم الدين لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده بل كان له كتاب يكتبون بين يده الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه عليه السلام كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله. فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: ثم أخذ فكتب. وهذه محمولة على الرواية الأخرى: ثم أمر فكتب. ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال يقول الباجي وتبرؤا منه وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في محافلهم. وإنما أراد الرجل - أعني الباجي - فيما يظهر عنه أنه كتب ذلك على وجه المعجزة لا أنه كان يحسن الكتابة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إخبارا عن الدجال "مكتوب بين عينيه كافر" وفي رواية "ك ف ر يقرؤها كل مؤمن" وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى تعلم الكتابة فضعيف لا أصل له قال الله تعالى "وما كنت تتلو" أي تقرأ "من قبله من كتاب" لتأكيد النفي "ولا تخطه بيمينك" تأكيد أيضا وخرج مخرج الغالب كقوله تعالى "ولا طائر يطير بجناحيه" وقوله تعالى "إذا لارتات المبطلون" أي لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا".
بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ
Il consiste plutôt en des versets évidents, (préservés) dans les poitrines de ceux à qui le savoir a été donné. Et seuls les injustes renient Nos versets
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال الله تعالى "قال أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض" الآية وقال ههنا "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" أي هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمرا ونهيا وخبرا يحفظه العلماء يسره الله عليهم حفظا وتلاوة وتفسيرا كما قال تعالى "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا" وفي حديث عياض بن حماد في صحيح مسلم يقول الله تعالى "إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا" أي لو غسل الماء المحل المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل لأنه قد جاء في الحديث الآخر "لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار" ولأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة مهيمن على القلوب معجز لفظا ومعنى ولهذا جاء في الكتب المقدسة صفة هذه الأمة أناجيلهم في صدورهم واختار ابن جرير أن المعنى في قوله تعالى "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب ونقله عن قتادة وابن جريج وحكى الأول عن الحسن البصري فقط قلت وهو الذي رواه العوفي عن ابن عباس وقاله الضحاك وهو الأظهر والله أعلم وقوله تعالى "وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون" أي ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون أي المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه كما قال تعالى "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم".
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ
Et ils dirent: «Pourquoi n'a-t-on pas fait descendre sur lui des prodiges de la part de son Seigneur?» Dis: «Les prodiges sont auprès d'Allah. Moi, je ne suis qu'un avertisseur bien clair»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات يعنون ترشدهم إلى أن محمدا رسول الله كما أتى صالح بناقته قال الله تعالى قل يا محمد "إنما الآيات عند الله" أي إنما أمر ذلك إلى الله فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم لأن هذا سهل عليه يسر لديه ولكنه يعلم منكم أنكم إنما قصدتم التعنت والامتحان فلا يجيبكم إلى ذلك كما قال تعالى "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها" وقوله: "وإنما أنا نذير مبين" أي إنما بعثت نذيرا لكم بين النذارة فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى "ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا" وقال تعالى: "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء".