Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
القصص
Al-Qasas
88 versets
فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ
Nous fîmes donc que la terre l'engloutît, lui et sa maison. Aucun clan en dehors d'Allah ne fut là pour le secourir, et il ne pût se secourir lui-même
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" ثم رواه من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وقال الإمام أحمد حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله الأرض فأخذته فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة" تفرد به أحمد وإسناده حسن وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا أبو خيثمة حدثنا يعلى بن منصور أخبرني محمد بن مسلم سمعت زياد النميري يحدث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما فأمر الله الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال رأيت شابا في مسجد نجران فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله فقال مالك تنظر إلي؟ فقلت أعجب من جمالك وكمالك. فقال إن الله ليعجب مني قال فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب به. وقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي الله عليه السلام واختلف في سببه فعن ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تبهت موسى بحضرة الملإ من بني إسرائيل وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله تعالى فتقول يا موسى إنك فعلت بي كذا وكذا فلما قالت ذلك في الملإ لموسى عليه السلام أرعد من الفرق وأقبل عليها بعدما صلى ركعتين ثم قال أنشدك بالله الذي فرق البحر وأنجاكم من فرعون وفعل كذا وكذا لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت؟ فقالت أما إذا نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا على أن أقول ذلك لك وأنا أستغفر الله وأتوب إليه فعند ذلك خر موسى لله عز وجل ساجدا وسأل الله في قارون فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان ذلك. وقيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب وعليه وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة فمر في محفله ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام وهو يذكرهم بأيام الله فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه فدعاه موسى عليه السلام وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت عليك بالدنيا ولئن شئت لتخرجن فلتدعون علي وأدعو عليك فخرج موسى وخرج قارون في قومه فقال موسى عليه السلام تدعو وأدعو أنا؟ فقال بل أدعو أنا فدعا قارون فلم يجب له ثم قال موسى أدعو؟ قال نعم فقال موسى اللهم مر الأرض أن تطيعني اليوم فأوحى الله إليه أني قد فعلت فقال موسى يا أرضي خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم ثم إلى مناكبهم ثم قال أقبلي بكنوزهم وأموالهم قال فأقبلت بها حتى نظروا إليها ثم أشار موسى بيده ثم قال اذهبوا بني لاوى فاستوت بهم الأرض وعن ابن عباس قال: خسف بهم إلى الأرض السابعة وقال قتادة ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة وقد ذكر ههنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحا; وقوله تعالى: "فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين" أي ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله ولا كان- هو في نفسه منتصرا لنفسه فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره.
وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوۡاْ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَقُولُونَ وَيۡكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُۖ لَوۡلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَيۡكَأَنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ
Et ceux qui, la veille, souhaitaient d'être à sa place, se mirent à dire: «Ah! Il est vrai qu'Allah augmente la part de qui Il veut, parmi Ses serviteurs, ou la restreint. Si Allah ne nous avait pas favorisés, Il nous aurait certainement fait engloutir. Ah! Il est vrai que ceux qui ne croient pas ne réussissent pas»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون. وقوله تعالى: "وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس" أي الذين لما رأوه في زينته "قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم" فلما خسف به أصبحوا يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر أي ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه فإن الله يعطي ويمنع ويضيق ويوسع ويخفض ويرفع وله الحكمة التامة والحجة البالغة وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب" "لولا أن من الله علينا لخسف بنا" أي لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف به لأنا وددنا أن نكون مثله" ويكأنه لا يفلح الكافرون" يعنون أنه كان كافرا ولا يفلح الكافر عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة وقد اختلف النحاة في معنى قوله ههنا ويكأن فقال بعضهم معناه ويلك اعلم أن ولكن خفف فقيل ويك ودل فتح أن على حذف اعلم وهذا القول ضعفه ابن جرير والظاهر أنه قوي ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة ويكأن. والكتابة أمر وضعي اصطلاحي والمرجع إلى اللفظ العربي والله أعلم وقيل معناها ويكأن أي ألم تر أن قاله قتادة وقيل: معناها وي كأن ففصلها وجعل حرف وي للتعجب أو للتنبيه وكأن بمعنى أظن وأحتسب. قال ابن جرير وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة أنها بمعنى ألم تر أن واستشهد بقول الشاعر: سألتاني الطلاق إذ رأتاني قل مالي وقد جئتماني بنكر ويكأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضــــر
تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ
Cette Demeure dernière, Nous la réservons à ceux qui ne recherchent, ni à s'élever sur terre, ni à y semer la corruption. Cependant, l'heureuse fin appartient aux pieux
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوا في الأرض أي ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم ولافسادا فيهم كما قال عكرمة العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير العلو: البغي وقال سفيان بن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين العلو في الأرض:التكبر بغير حق والفساد أخذ المال بغير حق وقال ابن جريج "لا يريدون علوا في الأرض" تعظما وتجبرا "ولا فسادا" عملا بالمعاصي. وقال ابن جرير حدثنا وكيع حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبى سلام الأعرج عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في قوله تعالى "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين" وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره فإن ذلك مذموم كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" وأما إذا أحب ذلك لمجرد التأمل فهذا لا بأس به فقد ثبت أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحب أن يكون ردائي حسنا ونعلي حسنة أفمن الكبر ذلك ؟ فقال: "لا إن الله جميل يحب الجمال".
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
Quiconque viendra avec le bien, aura meilleur que cela encore; et quiconque viendra avec le mal, (qu'il sache que) ceux qui commettront des méfaits ne seront rétribués que selon ce qu'ils ont commis
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال تعالى: "من جاء بالحسنة" أي يوم القيامة "فله خير منها" أي ثواب الله خير من حسنة العبد فكيف والله يضاعفه أضعافا كثيرة وهذا مقام الفضل ثم قال "ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون" كما قال في الآية الأخرى "ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون " وهذا مقام الفضل والعدل.
إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ
Celui qui t'a prescrit le Coran te ramènera certainement là où tu (souhaites) retourner. Dis: «Mon Seigneur connaît mieux celui qui a apporté la guidée et celui qui est dans un égarement évident
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى آمرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس ومخبرا له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة ولهذا قال تعالى "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" أي افترض عليك أداءه إلى الناس "لرادك إلى معاد" أي إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك كما قال تعالى "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين" وقال تعالى "يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم" وقال "وجئ بالنبيين والشهداء" وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" يقول لرادك إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن. قاله السدي وقال أبو سعيد مثلها وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما "لرادك إلى معاد" قال إلى يوم القيامة ورواه مالك عن الزهري وقال الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "لرادك إلى معاد" إلى الموت ولهذا طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي بعضها لرادك إلى معدنك من الجنة وقال مجاهد يحييك يوم القيامة وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح وقال الحسن البصري أي والله إن له لمعادا فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة. وقد روى عن ابن عباس غير ذلك كما قال البخاري في التفسير من صحيحه حدثنا محمد بن مقاتل أنبأنا يعلى حدثنا سفيان العصفري عن عكرمة عن ابن عباس "لرادك إلى معاد" قال إلى مكة وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه وابن جرير من حديث يعلى وهو ابن عبيد الطنافسي به وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس "لرادك إلى معاد" أي لرادك إلى مكة كما أخرجك منها وقال محمد بن إسحاق عن مجاهد في قوله "لرادك إلى معاد" إلى مولدك بمكة. وقال ابن أبي حاتم وقد روي ابن عباس ويحيى بن الخراز وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك. وحدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل الله عليه "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" إلى مكة وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيا والله أعلم. وقد قال عبدالرزاق حدثنا معمر عن قتاده في قوله تعالى "لرادك إلى معاد" قال هذه مما كان ابن عباس يكتمها. وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القاري أنه قال في قوله "لرادك إلى معاد" قال إلى بيت المقدس وهذا والله أعلم يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر والله الموفق للصواب ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم كما فسر ابن عباس سورة "إذا جاء نصر الله والفتح" إلى آخر السورة أنه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب ووافقه عمر على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم. ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: "لرادك إلى معاد" بالموت وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين الإنس والجن ولأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق وقوله تعالى: "قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين" أي قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى مذكرا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم.