Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
الشعراء
Ash-Shu'ara
227 versets
وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ
et qu'ils disent ce qu'ils ne font pas
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى "وأنهم يقولون ما لا يفعلون" قال العوفي عن ابن عباس كان رجلان على عهد رسول الله أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين وأنهما تهاجيا فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فقال الله تعالى "والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أكثر قولهم يكذبون فيه وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنه هو الواقع في نفس الأمر فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم فيتكثرون بما ليس لهم ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حدا هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا لأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ على قولين وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد في الطبقات والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل النعمان بن عدي بن نضلة علي ميسان من أرض البصرة وكان يقول الشعر فقال: ألا هل أتى الحسـناء أن خليلهـا بميسان يسقي في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهـاقيــن قريـة ورقاصة تحنو علي كل مــبسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقنـي ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمـير المؤمـنــين يـسـوءه تنادمنــا بالجوسق المتهدم فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال أي والله إنه ليسوءني ذلك ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته وكتب إليه عمر "بسم الله الرحمن الرحيم "حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير" أما بعد فقد بلغني قولك: لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم وايم الله إنه ليسوءني وقد عزلتك فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر فقال والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قط وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني فقال عمر أظن ذلك ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا وقد قلت ما قلت فلم يذكر أنه حده على الشراب وقد ضمنه شعره لأنهم يقولون ما لا يفعلون ولكن ذمه عمر رضي الله عنه ولامه على ذلك وعزله به ولهذا جاء في الحديث "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا" والمراد من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه هذه القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة كما قال تعالى "وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين" وقال تعالى "إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون" ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين" وهكذا قال ههنا "وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين" - إلى أن قال - "وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون"- إلى أن قال - "هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون" وقوله "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسيط عن أبي الحسن سالم البراد بن عبدالله مولى تميم الداري قال: لما نزلت "والشعراء يتبعهم الغاوون" جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون قالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء فتلا النبي صلى الله عليه وسلم.
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ
à part ceux qui croient et font de bonnes œuvres, qui invoquent souvent le nom d'Allah et se défendent contre les torts qu'on leur fait. Les injustes verront bientôt le revirement qu'ils [éprouveront]
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
"إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" قال "أنتم" "وذكروا الله كثيرا" قال "أنتم" "وانتصروا من بعد ما ظلموا" قال "أنتم" رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من رواية ابن إسحاق وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة عن الوليد بن أبي كثير عن زيد بن عبدالله عن أبي الحسن مولى بني نوفل أن حسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت هذه الآية "والشعراء يتبعهم الغاوون" يبكيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها عليهما "والشعراء يتبعهم الغاوون -حتى بلغ - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" قال "أنتم" وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا أبو مسلم حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة قال: لما نزلت "والشعراء يتبعهم الغاوون" إلى قوله "وأنهم يقولون ما لا يفعلون" قال عبدالله بن رواحة يا رسول الله قد علم الله أني منهم فأنزل الله تعالى "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" الآية وهكذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وغير واحد أن هذا استثناء مما تقدم. ولا شك أنه استثناء ولكن هذه السورة مكية فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار؟ وفي ذلك نظر ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها والله أعلم ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم حتى يدخل فيه من كان متلبسا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله ثم تاب وأناب ورجع وأقلع وعمل صالحا وذكر الله كثيرا في مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ فإن الحسنات يذهبن السيئات وامتدح الإسلام وأهله مقابله ما كان يذمه كما قال عبدالله بن الزبعري حين أسلم: يا رسول المليك إن لســــــاني راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أباري الشيطان في سنن الغــ ـــي ومن مال ميله مثبور وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عمه وأكثرهم له هجوا فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كان يهجوه ويتولاه بعد ما كان قد عاداه وهكذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال يا رسول الله ثلاث أعطنيهن قال "نعم" قال: معاوية تجعله كاتبا بين يديك قال "نعم" قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال "نعم" وذكر الثالثة ولهذا قال تعالى: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا" قيل معناه ذكروا الله كثيرا في كلامهم وقيل في شعرهم وكلاهما صحيح مكفر لما سبق وقوله تعالى: "وانتصروا من بعد ما ظلموا" قال ابن عباس يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان "اهجهم - أو قال - هاجهم وجبريل معك" وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل" وقوله تعالى: "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" كقوله تعالى: "يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم" الآية وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" قال قتادة بن دعامة في قوله تعالى: "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" يعني من الشعراء وغيرهم وقال أبو داود الطيالسي حدثنا إياس بن أبي تميمة قال حضرت الحسن ومر عليه بجنازة نصراني فقال: "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" قال عبدالله بن أبي رباح عن صفوان بن محرز أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى حتى أقول قد اندق قضيب زوره "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" وقال ابن وهب أخبرنا شريح الإسكندراني عن بعض المشيخة أنهم كانوا بأرض الروم فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها أو يصطلون إذا بركبان قد أقبلوا فقاموا إليهم فإذا فضالة بن عبيد فيهم فأنزلوه فجلس معهم- قال- وصاحب لنا قائم يصلي حتى مر بهذه الآية "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" قال فضالة ابن عبيد هؤلاء الذين يخربون البيت. وقيل المراد بهم أهل مكة وقيل الذين ظلموا من المشركين. والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم كما قال ابن أبي حاتم: ذكر عن يحيى بن زكريا بن يحيى الواسطي حدثني الهيثم بن محفوط أبو سعد النهدي حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المحبر حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون". آخر تفسير سورة الشعراء والحمد لله رب العالمين.