Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
الفرقان
Al-Furqan
77 versets
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا
et quiconque se repent et accomplit une bonne œuvre c'est vers Allah qu'aboutira son retour
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
فقال تعالى "ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا" أي فإن الله يقبل توبته كما قال تعالى "ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه" الآية وقال تعالى "ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده" الآية وقال تعالى "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله" الآية أي لمن تاب إليه.
وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا
Ceux qui ne donnent pas de faux témoignages; et qui, lorsqu'ils passent auprès d'une frivolité, s'en écartent noblement
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وهذه أيضا من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور قيل هو الشرك وعبادة الأصنام وقيل الكذب والفسق والكفر واللغو والباطل وقال محمد بن الحنفية هو اللغو والغناء وقال أبو العالية وطاوس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم هو أعياد المشركين وقال عمرو بن قيس هي مجالس السوء والخنا وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر لا يحضرونه ولا يرغبون فيه كما جاء في الحديث "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" وقيل المراد بقوله تعالى "لا يشهدون الزور" أي شهادة الزور وهي الكذب متعمدا على غيره كما في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟" ثلاثا - قلنا بلى يا رسول الله قال "الشرك بالله وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس فقال "ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت والأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور أي لا يحضرونه ولهذا قال تعالى "وإذا مروا باللغو مروا كراما" أي لا يحضرون الزور وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء ولهذا قال "مروا كراما" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو الحسن العجلي عن محمد ابن مسلم أخبرني إبراهيم بن ميسرة أن ابن مسعود مر بلهو فلم يقف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما" وحدثنا الحسين بن محمد بن سلمة النحوي ثنا حبان أنا عبدالله أنا محمد بن مسلم أخبرني ميسرة قال بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما" ثم تلا إبراهيم بن ميسرة "وإذا مروا باللغو مروا كراما".
وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا
qui lorsque les versets de leur Seigneur leur sont rappelés, ne deviennent ni sourds ni aveugles
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى "والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا "وهذه أيضا من صفات المؤمنين "الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون" بخلاف الكافر فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يتغير عما كان عليه بل يبقى مستمرا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله كما قال تعالى "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم" فقوله "لم يخروا عليها صما وعميانا" أي بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات الله فلا تؤثر فيه فيستمر على حاله كأن لم يسمعها أصم أعمى قال مجاهد قوله "لم يخروا عليها صما وعميانا" قال لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئا وقال الحسن البصري رضي الله عنه: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى وقال قتادة قوله تعالى "والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا" يقول لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه فهم والله قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما سمعوا من كتابه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أسيد بن عاصم حدثنا عبدالله بن حمران ثنا ابن عون قال سألت الشعبي قلت الرجل يرى القوم سجودا ولم يسمع ما سجدوا أيسجد معهم؟ قال فتلا هذه الآية: يعني أنه لا يسجد معهم لأنه لم يتدبر أمر السجود ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة بل يكون على بصيرة في أمره ويقين واضح بين وقوله تعالى "والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين" يعني الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له قال ابن عباس يعنون من يعمل بطاعة الله فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمال ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال أن يرى الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله لا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا أو ولد ولد أو أخا وحميما مطيعا لله عز وجل قال ابن جريج في قوله "هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين" قال يعبدونك فيحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: يعني يسألون الله تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام وقال الإمام أحمد حدثنا معمر بن بشر حدثنا عبدالله بن المبارك أخبرنا صفوان بن عمرو حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما فمر به رجل فقال طوبى لهاتين العينين اللتين رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت فاستغضب المقداد فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيرا ثم أقبل إليه فقال ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه لا يدري لو شهده كيف يكون فيه والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواما أكبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه أَوَلَا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين بما جاء به نبيكم قد كفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشر حال بعث عليها نبيا من الأنبياء في فترة جاهلية ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل وفرق بين الوالد وولده إن كان الرجل ليرى والده وولده وأخاه كافرا وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار.
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا
et qui disent: «Seigneur, donne-nous, en nos épouses et nos descendants, la joie des yeux, et fais de nous un guide pour les pieux»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وأنها التي قال الله تعالى "والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين" وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه وقوله تعالى "واجعلنا للمتقين إماما" قال ابن عباس والحسن والسدي وقتادة والربيع بن أنس أئمة يقتدى بنا في الخير. وقال غيرهم هداة مهتدين دعاة إلى الخير فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع وذلك أكثر ثوابا وأحسن مآبا ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له أو علم ينتفع به من بعده أو صدقة جارية".
أُوْلَـٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا
Ceux-là auront pour récompense un lieu élevé [du Paradis] à cause de leur endurance, et ils y seront accueillis avec le salut et la paix
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة والأقوال والأفعال الجليلة قال بعد ذلك كله "أولئك" أي المتصفون بهذه "يجزون" يوم القيامة "الغرفة" وهي الجنة قال أبو جعفر الباقر وسعيد ابن جبير والضحاك والسدي سميت بذلك لارتفاعها "بما صبروا" أي على القيام بذلك "ويلقون فيها" أي في الجنة "تحية وسلاما" أي يبتدرون فيها بالتحية والإكرام ويلقون التوقير والاحترام فلهم السلام وعليهم السلام فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.