Tafsirs/Tafsir Ibn Kathir/An-Nur
Arabe

Tafsir Ibn Kathir

Hafiz Ibn Kathir

النور

An-Nur

64 versets

Versets 3640 sur 64Page 8 / 13
36S24V36

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ

Dans des maisons [des mosquées] qu'Allah a permis que l'on élève, et où Son Nom est invoqué; Le glorifient en elles matin et après-midi

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل مثلا ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد فقال تعالى "في بيوت أذن الله أن ترفع" أي أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فى هذه الآية الكريمة "في بيوت أذن الله أن ترفع "قال نهي الله سبحانه عن اللغو فيها وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وسفيان بن حسين وغيرهم من العلماء المفسرين. وقال قتادة هي هذه المساجد أمر الله سبحانه وتعالى ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها. وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول: مكتوب في التوراة إن بيوتي في الأرض المساجد وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته وحق على المزور كرامة الزائر. رواه عبدالرحمن ابن أبي حاتم في تفسيره. وقد وردت أحاديث كثيرة فى بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها وذلك له محل مفرد يذكر فيه وقد كتبت في ذلك جزءا علي حدة ولله الحمد والمنة. ونحن بعون الله تعالي نذكر هنا طرفا من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من بني مسجدا يبتغي به وجه الله بني الله له مثله" في الجنة"أخرجاه في الصحيحين وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بني الله له بيتا في الجنه" وللنسائي عن عمر بن عنبسة مثله والأحاديث في هذا كثيرة جدا وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه وقال البخاري قال عمر: ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس وروى ابن ماجه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم"وفي إسناده ضعف. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أمرت بتشييد المساجد"قال ابن عباس أزخرفها كما زخرفت اليهود والنصارى. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي. وعن بريدة أن رجلا أنشد في المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له" رواه مسلم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حسن. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك" رواه الترمذي وقال حسن غريب وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعا قال: "خصال لا تنبغي في المسجد: ولا يتخذ طريقا ولا يشهر فيه سلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل ولا يمر فيه بلحم نيء ولا يضرب فيه حد ولا يقتص فيه أحد ولا يتخذ سوقا" وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع" ورواه ابن ماجه أيضا وفي إسنادهما ضعف أما أنه لا يتخذ طريقا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه وفي الأثر إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه وأما أنه لا يشهر فيه السلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل فلما يخشي من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر رجل بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدا كما ثبت ذلك فى الصحيح. وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشي من تقاطر الدم منه كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث وأما أنه لا يضرب فيه حد ولا يقتص منه فلما يخشي من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع وأما أنه لا يتخذ سوقا فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد "إن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها" ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله وفي الحديث الثاني "جنبوا مساجدكم صبيانكم" وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم. وقد كان عمر بن الخطاب "إذا رأى صبيانا يلعبون فى المسجد ضربهم بالمخفقة" وهي الدرة وكان يفتش المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدا "ومجانينكم" يعني لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم فيؤدي إلى اللعب فيها ولما يخشي من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك "وبيعكم وشراءكم" كما تقدم "وخصوماتكم" يعني التحاكم والحكم فيه ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد بل يكون فى موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والألفاظ التي لا تناسبه ولهذا قال بعده "ورفع أصواتكم". وقال البخاري: حدثنا علي بن عبدالله حدثنا يحيي بن سعيد حدثنا الجعد بن عبدالرحمن قال: حدثني يزيد بن حفصة عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر عن عبدالله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال أتدري أين أنت؟ وهذا أيضا صحيح وقوله: "وإقامة حدودكم وسل سيوفكم" تقدما وقوله "واتخذوا على أبوابها المطاهر" يعنى المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة. وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أباريق يستقون منها فيشربون ويتطهرون ويتوضئون وغير ذلك. وقوله "وجمروها في الجمع" يعني بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ وقد قال الحافظ أبو يعلي الموصلي حدثنا عبيد الله حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جمعة إسناده حسن لا بأس به والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا" وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلي لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه اللهم ارحمه. ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة. وعند الدارقطني مرفوعا "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وفي السنن "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمني وأن يقول كما ثبت في أبي داود عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد يقول "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم. وروى مسلم بسنده عن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك" ورواه النسائي عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم علي النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم" ورواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا ليث بن أبي سليم عن عبدالله بن حسين عن أمه فاطمة بنت حسين عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلي على محمد وسلم ثم قال "اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك" وإذا خرج خرج صلي على محمد وسلم ثم قال "اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" ورواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن وإسناده ليس بمتصل لأن فاطمة بنت حسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك كله محاذرة الطول داخل في قوله تعالي "في بيوت أذن الله أن ترفع" وقوله "ويذكر فيها اسمه" أي اسم الله كقوله "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد" وقوله "وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين" وقوله "وأن المساجد لله" الآية. وقوله تعالى "ويذكر فيها اسمه" قال ابن عباس يعني يتلي كتابه وقوله تعالى "يسبح له فيها بالغدو والآصال" أي في البكرات والعشيات. والآصال جمع أصيل وهو آخر النهار. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بالغدو صلاة الغداة ويعني بالآصال صلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عبادة. وكذا قال الحسن والضحاك " يسبح له فيها بالغدو والآصال "يعني الصلاة ومن قرأ من القراء "يسبح له فيها بالغدو والآصال" فتح الباء من "يسبح" على أنه مبني لما لم يسم فاعله وقف على قوله "والآصال" وقفا تاما.

37S24V37

رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ

des hommes que ni le négoce, ni le troc ne distraient de l'invocation d'Allah, de l'accomplissement de la Salât et de l'acquittement de la Zakât, et qui redoutent un Jour où les cœurs seront bouleversés ainsi que les regards

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

وابتدأ بقوله "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" وكأنه مفسر للفاعل المحذوف كما قال الشاعر: يبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح كأنه قال: من يبكيه قال هذا يبكيه وكأنه قيل من يسبح له فيها؟ قال رجال. وأما على قراءة من قرأ "يسبح" بكسر الباء فجعله فعلا وفاعله "رجال" فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل لأنه تمام الكلام فقوله تعالى "رجال" فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمارا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه كما قال تعالى: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" الآية وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن لما رواه أبو داود عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها". وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيي بن غيلان حدثنا رشدين حدثني عمرو عن أبي السمح عن السائب مولى أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن" وقال أحمد أيضا: حدثنا هارون أخبرني عبدالله ابن وهب حدثنا داود بن قيس عن عبدالله بن سويد الأنصاري عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك فى بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي" قال فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى لم يخرجوه. هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب كما ثبت في الصحيح عن عبدالله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" رواه البخاري ومسلم ولأحمد وأبي داود "وبيوتهن خير لهن" وفي رواية "وليخرجن وهن تفلات" أى لا ريح لهن. وقد ثبت فى صحيح مسلم عن زينب امرأة عبدالله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا" وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل. وقوله تعالى "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" كقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله" الآية وقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع" الآية يقول تعالى لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم لأن ما عندهم ينفذ وما عند الله باق ولهذا قال تعالى "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم قال هشيم عن شيبان قال حدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تركوا بياعتهم ونهضوا إلى الصلاة فقال عبدالله بن مسعود هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" الآية وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن عبدالله بن بكير الصنعاني حدثنا أبو سعيد مولى بن هاشم حدثنا عبدالله بن بجير حدثنا أبو عبد ربه قال: قال أبو الدرداء رضي الله عنه إنى قمت على هذا الدرج أبايع عليه أربح كل يوم ثلثمائة دينار أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد أما إنى لا أقول إن ذلك ليس بحلال ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله". وقال عمرو بن دينار الأعور كنت مع سالم بن عبدالله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد فتلا سالم هذه الآية "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" ثم قال هم هؤلاء وكذا قال سعيد بن أبي الحسن والضحاك لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها. وقال مطر الوراق كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" يقول عن الصلاة المكتوبة وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس وقال السدي عن الصلاة فى جماعة. وقال مقاتل بن حيان لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها. وقوله تعالى "يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار" أي يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار أي من شدة الفزع وعظمة الأهوال كقوله "وأنذرهم يوم الآزفة" الآية وقوله "إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار" وقال تعالى "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوم عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا".

38S24V38

لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ

Afin qu'Allah les récompense de la meilleure façon pour ce qu'ils ont fait [de bien]. Et Il leur ajoutera de Sa grâce. Allah attribue à qui Il veut sans compter

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

أي هؤلاء من الذين يتقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم وقوله "ويزيدهم من فضله" أي يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم كما قال تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة" الآية وقال تعالى "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" الآية وقال "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا" الآية وقال "والله يضاعف لمن يشاء" وقال ههنا "والله يرزق من يشاء بغير حساب" وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدا واحدا فكلهم لم يشربه لأنه كان صائما فتناوله ابن مسعود فشربه لأنه كان مفطرا ثم تلا قوله "يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار" رواه النسائي وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عنه. وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن عبدالرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون وهم قليل ثم يحاسب سائر الخلائق" وروى الطبراني من حديث بقية عن اسماعيل بن عبدالله الكندي عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله "ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله" قال أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا.

39S24V39

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ

Quant à ceux qui ont mécru, leurs actions sont comme un mirage dans une plaine désertique que l'assoiffé prend pour de l'eau. Puis quand il y arrive, il s'aperçoit que ce n'était rien; mais y trouve Allah qui lui règle son compte en entier, car Allah est prompt à compter

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين ناريا ومائيا وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين مائيا وناريا وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته ولله الحمد والمنة. فأما الأول من هذين المثلين فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم علي شيء من الأعمال والاعتقادات وليسوا في نفس الأمر على شيء فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام والقيعة جمع قاع كجار وجيرة والقاع أيضا واحد القيعان كما يقال جار وجيران وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار وأما الآل فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بن السماء والأرض فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء قصده ليشرب منه فلما إنتهى إليه "لم يجده شيئا" فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حصل شيئا فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله لم يجد له شيئا بالكلية قد قبل إما لعدم الإخلاص أو لعدم سلوك الشرع كما قال تعالى: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا" وقال ههنا "ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب" وهكذا روي عن أبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد. وفي الصحيحين أنه يقال يوم القيامة لليهود ما كنتم تعبدون؟ فيقولون كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون؟ فيقولون يا رب عطشنا فاسقنا فيقال ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سرب يحطم بعضها بعضا فينطلقون فيتهافتون فيها وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذي لا يعقلون فمثلهم.

40S24V40

أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ

[Les actions des mécréants] sont encore semblables à des ténèbres sur une mer profonde: des vagues la recouvrent, [vagues] au dessus desquelles s'élèvent [d'autres] vagues, sur lesquelles il y a [d'épais] nuages. Ténèbres [entassées] les unes au-dessus des autres. Quand quelqu'un étend la main, il ne la distingue presque pas. Celui qu'Allah prive de lumière n'a aucune lumière

Tafsir Ibn KathirHafiz Ibn Kathir

قال قتادة: "لجي" هو العميق "يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها" أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده ولا يدري أين يذهب بل كما يقال في المثل للجاهل أين تذهب؟ قال معهم قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري؟ وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه "يغشاه موج" الآية يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر وهي كقوله "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم" الآية وكقوله "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة" الآية وقال أبي بن كعب في قوله تعالى "ظلمات بعضها فوق بعض" فهو يتقلب في خمسة من الظلم فكلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضا وقوله تعالى "ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور" أي من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر كقوله "من يضلل الله فلا هادي له" وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين "يهدي الله لنوره من يشاء" فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورأ وعن أيماننا نورا وعن شمائلنا نورا وأن يعظم لنا نورا.