Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
النحل
An-Nahl
128 versets
وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ
Soyez fidèles au pacte d'Allah après l'avoir contracté et ne violez pas vos serments après les avoir solennellement prêtés et avoir pris Allah comme garant [de votre bonne foi]. Vraiment Allah sait ce que vous faites
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
هذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان المؤكدة ولهذا قال "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" ولا تعارض بين هذا وبين قوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم" الآية. وبين قوله تعالى "ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم" أي لا تتركوها بلا كفارة وبين قوله عليه السلام فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني" لا تعارض بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة ههنا وهي قوله "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع ولهذا قال مجاهد في قوله "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" يعني الحلف أي حلف الجاهلية ويؤيده ما رواه الإمام أحمد حدثنا عبدالله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا - هو ابن أبي زائدة - عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة". وكذا رواه مسلم عن ابن أبي شيبة به. ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. وأما ما ورد في الصحيحين عن عاصم الأحول عن أنس رضي الله عنه أنه قال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دورنا. فمعناه أنه آخى بينهم فكانوا يتوارثون به حتى نسخ الله ذلك والله أعلم. وقال ابن جرير حدثني محمد بن عمارة الأسدي حدثنا عبدالله بن موسى أخبرنا أبو ليلى عن بريدة في قوله "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم" قال نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام فقال " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم "هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام" ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا صخر بن جويرية عن نافع قال لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال: أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلا على بيعة الله ورسوله ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يدا ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون فصل بيني وبينه" المرفوع منه في الصحيحين; وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا حجاج عن عبدالرحمن بن عابس عن أبيه عن حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به فهو كالمدلي جاره إلى غير منفعة" قوله "إن الله يعلم ما تفعلون" تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها.
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ
Et ne faites pas comme celle qui défaisait brin par brin sa quenouille après l'avoir solidement filée, en prenant vos serments comme un moyen pour vous tromper les uns les autres, du fait que (vous avez trouvé) une communauté plus forte et plus nombreuse que l'autre. Allah ne fait, par là, que vous éprouver. Et, certes, Il vous montrera clairement, au Jour de la Résurrection ce sur quoi vous vous opposiez
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا" قال عبدالله بن كثير السدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئا نقضته بعد انبرامه وقال مجاهد وقتادة وابن زيد هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده وهذا القول أرجح وأظهر وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا. وقوله "أنكاثا" يحتمل أن يكون اسم مصدر "نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا" أي أنقاضا ويحتمل أن يكون بدلا عن خبر كان أي لا تكونوا أنكاثا جمع نكث من ناكث ولهذا قال بعده "تتخذون أيمانكم دخلا بينكم" أي خديعة ومكرا "أن تكون أمة هي أربي من أمة" أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى. وقد قدمنا ولله الحمد في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد فسار معاوية إليهم في آخر الأجل حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم وهم غارون لا يشعرون فقال له عمرو بن عتبة الله أكبر يا معاوية وفاء لا غدر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها" فرجع معاوية رضي الله عنه بالجيش قال ابن عباس "أن تكون أمة هي أربى من أمة" أي أكثر وقال مجاهد كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز فنهوا عن ذلك وقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه وقوله "إنما يبلوكم الله به" قال سعيد بن جبير يعني بالكثرة رواه ابن أبي حاتم وقال ابن جرير أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد "وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون" فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر.
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ
Si Allah avait voulu, Il aurait certes fait de vous une seule communauté. Mais Il laisse s'égarer qui Il veut et guide qui Il veut. Et vous serez certes, interrogés sur ce que vous faisiez
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول الله تعالى "ولو شاء الله لجعلكم" أيها الناس "أمة واحدة" كقوله تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" أي لوفق بينكم ولما جعل اختلافا ولا تباغض ولا شحناء "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" وهكذا قال ههنا "ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء" ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير.
وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ
Et ne prenez pas vos serments comme un moyen pour vous tromper les uns les autres, sinon [vos] pas glisseront après avoir été fermes, et vous goûterez le malheur pour avoir barré le sentier d'Allah. Et vous subirez un châtiment terrible
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا أي خديعة ومكرا لئلا تزل قدم بعد ثبوتها مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام ولهذا قال "وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم".
وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ
Et ne vendez pas à vil prix le pacte d'Allah. Ce qui se trouve auprès d'Allah est meilleur pour vous, si vous saviez
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم قال "ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا" أي لا تعتاضوا عن الإيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها فإنها قليلة لو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له; أي جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه وحفظ عهده رجاء موعوده ولهذا قال "إن كنتم تعلمون".