Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
التوبة
At-Tawbah
129 versets
أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ
Ne voient-ils pas que chaque année on les éprouve une ou deux fois? Malgré cela, ils ne se repentent, ni ne se souviennent
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى أَوَ لا يرى هؤلاء المنافقون " أنهم يفتنون " أي يختبرون " في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون " أي لا يتوبون من ذنوبهم السالفة ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم قال مجاهد: يختبرون بالسنة والجوع. وقال قتادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين. وقال شريك عن جابر عن الجعفي عن أبي الضحى عن حذيقة في قوله " أو لا يرون أنكم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين " قال كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين فيضل بها فئام من الناس كثير رواه ابن جرير. وفي الحديث عن أنس: لا يزداد الأمر إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شحا وما من عام إلا والذي بعده شر منه. سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم.
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ
Et quand une Sourate est révélée, ils se regardent les uns les autres [et se disent]: «Quelqu'un vous voit-il?» Puis ils se détournent. Qu'Allah détourne leurs cœurs, puisque ce sont des gens qui ne comprennent rien
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله " وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون " هذا أيضا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم " نظر بعضهم إلى بعض " أي تلفتوا " هل يراكم من أحد ثم انصرفوا " أي تولوا عن الحق وانصرفوا عنه وهذا حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه كقوله تعالى " فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة " وقوله تعالى " فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين " أي ما لهؤلاء القوم يتفللون عنك يمينا وشمالا هروبا من الحق وذهابا إلى الباطل وقوله " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " كقوله " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم بأنهم فوم لا يفقهون " أي لا يفهمون عن الله خطابه ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه بل هم في شغل عنه ونفور منه فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه.
لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ
Certes, un Messager pris parmi vous, est venu à vous, auquel pèsent lourd les difficultés que vous subissez, qui est plein de sollicitude pour vous, qui est compatissant et miséricordieux envers les croyants
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم عليه السلام " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " وقال تعالى " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم " وقال تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " أي منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته وذكر الحديث. وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " قال لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية وقال صلى الله عليه وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبدالرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي. حدثنا ابن أحمد يوسف بن هارون بن زياد حدثنا ابن أبي عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي لحدثني عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء " وقوله تعالى " عزيز عليه ما عنتم " أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال " بعثت بالحنيفية السمحة " وفي الصحيح " إن الدين يسر " وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه " حريص عليكم " أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن قطن عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم " وقال الإمام أحمد: حدثنا قطن حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعيد عن عبدة الهذلي عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب " وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان فيما يرى النائم فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواة تتبعوني؟ فقالوا نعم قال فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا بلى فقال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني فقالت طائفة بلى صدق والله لنتبعنه وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه. وقال البزار حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا: حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء قال عكرمة: أراه قال في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم قال " أحسنت إليك؟ " قال الأعرابي لا ولا أجملت فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال " إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت " فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال " أحسنت إليك؟ " فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. قال النبي صلى الله عليه وسلم " إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم " فقال نعم. فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صاحبكم كان جاءك فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي؟ " فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا. فقال لهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها فتوجه إليها وأخذ لها من قشام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار " رواه البزار ثم قال لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه " قلت "وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان والله أعلم وقوله " بالمؤمنين رءوف رحيم " كقوله " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز " الرحيم ".
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ
Alors, s'ils se détournent dis: «Allah me suffit. Il n'y a de divinité que Lui. En Lui je place ma confiance; et Il est le Seigneur du Trône immense»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى " فإن تولوا " أي تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة " فقل حسبي الله لا إله إلا هو " أي الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت كما قال تعالى " رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا " " وهو رب العرش العظيم " أي هو مالك كل شيء وخالقه لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى وعلمه محيط بكل شيء وقدره نافذ في كل شيء وهو على كل شيء وكيل قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي حدثنا بشر بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة. وقال عبدالله بن الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا عبد المؤمن حدثنا عمر بن شقيق حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنهم أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " الآية فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تعالى " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " وهذا غريب أيضا وقال أحمد: حدثنا علي بن بحر حدثنا علي بن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن الزبير رضي الله عنه قال أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى عبدالله بن عمر بن الخطاب فقال من معك على هذا؟ قال لا أدري والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها فوضعوها في آخر براءة وقد تقدم الكلام أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن فأمر زيد بن ثابت فجمعه وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك. وفي الصحيح أن زيدا قال فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة وقد قدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها والله أعلم. وقد روى أبو داود عن يزيد بن محمد عن عبدالرزاق بن عمر - وقال كان من ثقات المسلمين من المتعبدين - عن مدرك بن سعد قال يزيد شيخ ثقة عن يونس بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: " من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمة "; وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبدالرزاق عن عمر هذا من رواية أبى زرعة الدمشقي عنه عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول " ما من عبد يقول حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات صادقا كان بها أو كاذبا إلا كفاه الله ما أهمه " وهذه زيادة غريبة ثم رواه في ترجمة عبدالرزاق أبي محمد عن أحمد بن عبدالله بن عبدالرزاق عن جده عبدالرزاق بن عمر بسنده فرفعه فذكر مثله بالزيادة وهذا منكر والله أعلم. آخر تفسير سورة براءة ولله الحمد والمنة.