Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
التوبة
At-Tawbah
129 versets
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ
A Allah appartient la royauté des cieux et de la terre. Il donne la vie et Il donne la mort. Et il n'y a pour vous, en dehors d'Allah, ni allié ni protecteur
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى " إن الله له ملك السموات والأرض يحي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير " قال ابن جرير هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر وأنهم يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض ولم يرهبوا من أعدائه فإنه لا ولي لهم من دون الله ولا نصير لهم سواه وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي حدثنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ قال لهم " هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا ما نسمع من شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنى لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط ما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم " وقال كعب الأحبار ما من موضع خرمة إبرة من الأرض إلا وملك موكل بها يرفع علم ذلك إلى الله وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام.
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ
Allah a accueilli le repentir du Prophète, celui des Emigrés et des Auxiliaires qui l'ont suivi à un moment difficile, après que les cœurs d'un groupe d'entre eux étaient sur le point de dévier. Puis Il accueillit leur repentir car Il est Compatissant et Miséricordieux à leur égard
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية في غزوة تبوك وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد وعسر من الزاد والماء; قال قتادة خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد ما أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم; وقال ابن جرير حدثني يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبدالله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة فقال عمر بن الخطاب خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا فقال " تحب ذلك؟ " قال نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر وقال ابن جرير في قوله " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة " أي من النفقة والطهر والزاد والماء " من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم " أي عن الحق ويشك في دين الرسول صلى الله عليه وسلم ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم " ثم تاب عليهم " يقول ثم رزقهم الإنابة " إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه " إنه بهم رءوف رحيم ".
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
Et [Il accueillit le repentir] des trois qui étaient restés à l'arrière si bien que, toute vaste qu'elle fût, la terre leur paraissait exiguë; ils se sentaient à l'étroit, dans leur propre personne et ils pensaient qu'il n'y avait d'autre refuge d'Allah qu'auprès de Lui. Puis Il agréa leur repentir pour qu'ils reviennent [à Lui], car Allah est l'accueillant au repentir, le Miséricordieux
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال الإمام أحمد حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبدالله عن عمه محمد بن مسلم الزهري أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك أن عبيد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال كعب بن مالك لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها قط إلا في غزاة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز وعدوا كثيرا فخلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم فأخبرهم وجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها أصغر فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعدما صلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن ارتحل فألحقهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذره الله عز وجل ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك " ما فعل كعب بن مالك؟ " فقال رجل من بني سلمة حبسه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم برده والنظر في عطفيه فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال كعب بن مالك فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضر بثي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون "وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي " تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي " ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرا؟ " فقلت يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك " فقمت وقام إلي رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت إلا أن تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي قال ثم قلت لهم هل لقي معي هذا أحد؟ قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت فمن هما؟ قالوا مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة قال فمضيت حين ذكروهما لي فقال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض عني; حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله قال فسكت قال فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فسكت فقال الله ورسوله أعلم. قال ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك قال فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وأن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة فالْحَقْ بنا نواسك. قال: فقلت حين قرأته وهذا أيضا من البلاء قال فتيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني يقول يأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتزل امرأتك قال: فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها قال وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك قال: فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن هلالا شيخ ضعيف ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال " لا ولكن لا يقربك " قالت وإنه والله ما به من حركة إلى شيء وإنه والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا قال: فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال: فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته وأنا رجل شاب قال فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك قال فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته له والله ما أملك يومئذ غيرهما واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنوني بتوبة الله يقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد والناس حوله فقام إلي طلحة بن عبدالله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره قال فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قال: قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال " لا بل من عند الله " قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله قال " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ". قال فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت قال فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي. " قال "وأنزل الله تعالى " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " إلى آخر الأيات. قال كعب فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال الله تعالى " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين " قال وكنا أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه فلذلك قال الله عز وجل " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " وليس تخليفه إيانا وإرجاءوه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخليفنا عن الغزو وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها كما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبدالله في قوله تعالى " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " قال هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد وكلهم قال مرارة بن ربيعة وكذا في مسلم بن ربيعة في بعض نسخه وفي بعضها مرارة بن الربيع وفي رواية عن الضحاك مرارة بن الربيع كما وقع في الصحيحين وهو الصواب وقوله فسموا رجلين شهدا بدرا قيل إنه خطأ من الزهري فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا والله أعلم. ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها وضاقت عليهم أنفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي مع سعتها فسددت عليهم المسالك والمذاهب فلا يهتدون ما يصنعون فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تخلفهم وأنه كان عن غير عذر فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب الله عليهم فكان عاقبة صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ
O vous qui croyez! Craignez Allah et soyez avec les véridiques
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ولهذا قال " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " أي اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم ومخرجا وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبدالله هو ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " أخرجاه في الصحيحين وقال شعبة عن عمرو بن مرة سمع أبا عبيدة يحدث عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل اقرأوا إن شئتم " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " هكذا قرأها ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رخصة؟ وعن عبدالله بن عمر في قوله " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " قال مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال الضحاك مع أبي بكر وعمر وأصحابهما وقال الحسن البصري إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة.
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ
Il n'appartient pas aux habitants de Médine, ni aux Bédouins qui sont autour d'eux, de traîner loin derrière le Messager d'Allah, ni de préférer leur propre vie à la sienne. Car ils n'éprouveront ni soif, ni fatigue, ni faim dans le sentier d'Allah, ils ne fouleront aucune terre en provoquant la colère des infidèles, et n'obtiendront aucun avantage sur un ennemi, sans qu'il ne leur soit écrit pour cela une bonne action. En vérité Allah ne laisse pas perdre la récompense des bienfaiteurs
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يعاتب تبارك وتعالى المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل له من المشقة فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر لأنهم " لا يصيبهم ظمأ " وهو العطش " ولا نصب " وهو التعب " ولا مخمصة " وهي المجاعة " ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار " أي ينزلون منزلا يرهب عدوهم " ولا ينالون " منه ظفرا وغلبة عليه " إلا كتب لهم " بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم وإنما هي ناشئة عن أفعالهم أعمالا صالحة وثوابا جزيلا " إن الله لا يضيع أجر المحسنين كقوله " إنا لانضيع أجر من أحسن عملا ".