Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
المائدة
Al-Ma'idah
120 versets
يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ
O mon peuple! Entrez dans la terre sainte qu'Allah vous a prescrite. Et ne revenez point sur vos pas [en refusant de combattre] car vous retourneriez perdants
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم قال تعال مخبرا عن تحريض موسى عليه السلام لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا زمان موسى فوجدوا فيهـا قوما من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها فأمرهم رسول الله - موسى عليه السلام- بالدخول إليها وبقتال أعدائهم وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون إلى مقصد مدة أربعين سنة عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى فقال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة " أي المطهرة وقال سفيان الثوري: عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: " ادخلوا الأرض المقدسة " قال هى الطور وما حوله وكذا قال مجاهد وغير واحد وروى سفيان الثوري عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال: هي أريحاء وكذا ذكر عن غير واحد من المفسرين وفي هذا نظر لأن أريحاء ليست هى المقصودة بالفتح ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوهم فرعون اللهم إلا أن يكون المراد بأريحاء أرض بيت المقدس كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير عنه: لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الطور شرقي بيت المقدس وقوله تعالى " التي كتب الله لكم " أي التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل أنه وراثة من آمن منكم " ولا ترتدوا على أدباركم " أي ولا تنكلوا عن الجهاد " فتنقلبوا خاسرين".
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ
Ils dirent: «O Moïse, il y a là un peuple de géants. Jamais nous n'y entrerons jusqu'à ce qu'ils en sortent. S'ils en sortent, alors nous y entrerons»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
"قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن تدخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون" أي اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها قوما جبارين أي ذوي خلق هائلة وقوى شديدة وإننا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم وقد قال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان قال: قال أبو سعيد قال عكرمة عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثنا عشر عينا من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم قال فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجسمهم وعظمهم فدخلوا حائطا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم فتبعهم فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط الاثنا عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب بهم إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال: لهم الملك قد رأيتم شأننا وأمرنا فاذهبوا فأخبروا صاحبكم قال فوجدوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. وفي هذا الإسناد نظر وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس لما نزل موسى وقومه بعث منهم اثنا عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكرهم الله فبعثهم ليأتوه بخبرهم فساروا فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كسائه فحمله حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه فاجتمعوا إليه فقالوا من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى بعثنا نأتيه بخبركم فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل فقالوا: لهم اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم هذا قدر فاكهتهم فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما رأوا فلما أمرهم موسى - عليه السلام- بالدخول عليهم وقتالهم قالوا: يا موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون رواه ابن أبي حاتم ثم قال: حدثنا أبي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهادي حدثني يحيى بن عبد الرحمن قال: رأيت أنس بن مالك أخذ عصا فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين ثم قال: هكذا طول العماليق. وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين وأن منهم عوج بن عنق بنت آدم - عليه السلام- وأنه من طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع تحرير الحساب وهذا شيء يستحي من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن " ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا وأنه كان ولد زنية وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " وقال تعالى " فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين " وقال تعالى " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم " وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبدل عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر والله أعلم.
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
Deux hommes d'entre ceux qui craignaient Allah et qui étaient comblés par Lui de bienfaits dirent: «Entrez chez eux par la porte; puis quand vous y serez entrés, vous serez sans doute les dominants. Et c'est en Allah qu'il faut avoir confiance, si vous êtes croyants»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى "قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" أي فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى - صلى الله عليه وسلم- حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه وقرأ بعضهم " قال رجلان من الذين يخافون " أي ممن لهما مهابة وموضع من الناس ويقال إنهما: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله فقالا " ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " أي إن توكلتم على الله واتبعتم أمره ووافقتم رسوله نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم ودخلتم البلد التي كتبها لكم فلم ينفع ذاك فيهم شيئا.
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ
Ils dirent: «Moïse! Nous n'y entrerons jamais, aussi longtemps qu'ils y seront. Va donc, toi et ton Seigneur, et combattez tous deux. Nous restons là où nous sommes»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
" قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " وهذا نكول منهم عن الجهاد ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء ويقال إنهم لما نكلوا عن الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر سجد موسى وهارون - عليهما السلام- قدام ملأ من بني إسرائيل إعظاما لما هموا به وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما ولاما قومهما على ذلك ويقال إنهم رجموهما وجرى أمر عظيم وخطر جليل وما أحسن ما أجاب به من الصحابة رضي الله عنهما يوم بدر رسول الله حين استشارهم في قتال النفير الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان فلما فات اقتناص العير واقترب منهم النفير وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة والبيض واليلب فتكلم أبو بكر رضي الله عنه فأحسن ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:" أشيروا علي أيها المسلمون " وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرضي بنا يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخصناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لقول سعد ونشطه ذلك. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قالوا: إذا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى " اذهب أنت وربك فقاتلا إنها ههنا قاعدون " والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها برك إلى الغماد لاتبعناك ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد الطويل عن أنس به ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد به ورواه ابن حبان عن أبي يعلى عن عبد الأعلى بن حماد عن معمر بن سليمان عن حميد به وقال: ابن مردويه أنا عبد الله بن جعفر أنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا محمد بن شعيب عن الحكم بن أيوب عن عبد الله بن ناسخ عن عتبة بن عبيد السلمي قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم- لأصحابه ألا تقاتلون ؟ قالوا نعم ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون وكان ممن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي - رضي الله عنه- كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثني سفيان عن مخارق بن عبد الله الأحمسي عن طارق - هو ابن شهاب- أن المقداد قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون هكذا رواه أحمد من هذا الوجه وقد رواه من طريق أخرى فقال: حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلى مما عدل به أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يشرق لذلك وسر بذلك. وهكذا رواه البخاري في المغازي وفي التفسير من طرق عن مخارق به ولفظه في كتاب التفسير عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكن امض ونحن معك فكأنه سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ثم قال البخاري: رواه وكيع عن سفيان عن مخارق عن طارق أن المقداد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم- وقال ابن جرير: حدثنا بشر حدثنا مجيد عن قتادة قال: ذكرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم " إنى ذاهب بالهدي فناحره عند البيت " فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذا قالوا لنبيهم " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فلما سمعها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تتابعوا على ذلك وهذا إن كان محفوظا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بدر.
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ
Il dit: «Seigneur! Je n'ai de pouvoir, vraiment, que sur moi-même et sur mon frère: sépare-nous donc de ce peuple pervers»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قوله "قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين" يعني لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام وقال داعيا عليهم " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي " أي ليس أحد يطيعني منهم فيما أمر الله ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين " قال العوفي: عن ابن عباس يعني اقض بيني وبينهم وكذا قال علي بن طلحة: عن ابن عباس وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم وافتح بيننا وبينهم وقال غيره: افرق افصل بيننا وبينهم كما قال الشاعر: يارب فافرق بينه وبيني أشد ما فرقت بين اثنين.