Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
النساء
An-Nisa
176 versets
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ
Allah veut vous éclairer, vous montrer les voies des hommes d'avant vous, et aussi accueillir votre repentir. Et Allah est Omniscient et Sage
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم بما تقدم وذكره في هذه السورة وغيرها "ويهديكم سنن الذين من قبلكم" يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها "ويتوب عليكم" أي من الإثم والمحارم "والله عليم حكيم" أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله.
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا
Et Allah veut accueillir votre repentir. Mais ceux qui suivent les passions veulent que vous vous incliniez grandement (vers l'erreur comme ils le font)
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما" أي يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلا عظيما.
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا
Allah veut vous alléger (les obligations,) car l'homme a été créé faible
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
"يريد الله أن يخفف عنكم" أي في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم ولهذا أباح الإماء بشروط كما قال مجاهد وغيره "وخلق الإنسان ضعيفا" فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه "وخلق الإنسان ضعيفا" أي في أمر النساء وقال وكيع يذهب عقله عندهن وقال موسى الكليم عليه السلام لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء حين مر عليه راجعا من عند سدرة المنتهى فقال له: ماذا فرض عليكم فقال: أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة فقال له ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا فرجع فوضع عشرا ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسا الحديث.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا
O les croyants! Que les uns d'entre vous ne mangent pas les biens des autres illégalement. Mais qu'il y ait du négoce (légal), entre vous, par consentement mutuel. Et ne vous tuez pas vous-mêmes. Allah, en vérité, est Miséricordieux envers vous
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ينهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى حدثنا عبدالوهاب حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول إن رضيته أخذته وإلا رددت معه درهما قال هو الذي قال عز وجل فيه "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن حرب المصلي حدثنا ابن الفضيل عن داود الأبدي عن عامر عن علقمة عن عبدالله في الآية قال إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لما أنزل الله "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" قال المسلمون إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل أموالنا فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فكيف للناس فأنزل الله بعد ذلك "ليس على الأعمى حرج" الآية وكذا قال قتادة وقوله تعالى "إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" قرئ تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع كأنه يقول لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال كما قال تعالى "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" وكقوله "لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى". ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول لأنه يدل على التراضي نصا بخلاف المعاطاة فانها قد لا تدل على الرضا ولا بد وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا فصححوا بيع المعاطاة مطلقا ومنهم من قال يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعا وهو احتياط نظر من محققي المذهب والله أعلم وقال مجاهد "إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" بيعا أو عطاء يعطيه أحد أحدا ورواه ابن جرير ثم قال وحدثنا وكيع حدثنا أبي عن القاسم عن سليمان الجعفي عن أبيه عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما" هذا حديث مرسل ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفي لفظ البخاري " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه مال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها كما هو المشهور عن مالك رحمه الله وصححوا بيع المعاطاة مطلقا وهو قول في مذهب الشافعي ومنهم من قال يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا وهو اختيار طائفة من الأصحاب كما هو متفق عليه وقوله "ولا تقتلوا أنفسكم" أي بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل "إن الله كان بكم رحيما" أي فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبدالرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص رضي الله عنه انه قال: لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب " قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فذكرت قول الله عز وجل "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما" فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب به ورواه أيضا عن محمد بن أبي سلمة عن ابن وهب عن ابن لهيعة وعمر بن الحرث كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبدالرحمن بن جبير المصري عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عنه فذكر نحوه وهذا والله أعلم أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه حدثنا عبدالرحمن بن محمد بن حامد البلخي حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي حدثنا عبدالله بن عمر القواريري حدثنا يوسف بن خالد حدثنا زياد بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فدعاه فسأله عن ذلك فقال: يا رسول الله خفت أن يقتلني البرد وقد قال الله تعالى "ولا تقتلوا أنفسكم" فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بسم [تردى به] فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وكذلك رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وعن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من قتل نفسه يشيء عذب به يوم القيامة ". وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة. وفي الصحيحين من حديث الحسن عن جندب بن عبدالله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينا نحر بها يده فما رقأ الدم حتى مات قال الله عز وجل عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة ".
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا
Et quiconque commet cela, par excès et par iniquité, Nous le jetterons au Feu, voilà qui est facile pour Allah
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ولهذا قال تعالى "ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما" أي ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه ظالما في تعاطيه أي عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه "فسوف نصليه نارا" الآية. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.