Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
النساء
An-Nisa
176 versets
وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فَـَٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا
Les deux d'entre vous qui l'ont commise [la fornication], sévissez contre eux. S'ils se repentent ensuite et se réforment, alors laissez-les en paix. Allah demeure Accueillant au repentir et Miséricordieux
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى "واللذان يأتيانها منكم فآذوهما" أي واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وغيرهما: أي بالشتم والتعيير والضرب بالنعال وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبدالله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا- لا يكنى وكأنه يريد اللواط والله أعلم: وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن أبي محمد عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وقوله "فإن تابا وأصلحا" أي أقلعا ونزعا عما كان عليه وصلحت أعمالهما وحسنت "فأعرضوا عنهما" أي لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له "إن الله كان توابا رحيما" وقد ثبت في الصحيحين "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها" أي لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.
إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا
Allah accueille seulement le repentir de ceux qui font le mal par ignorance et qui aussitôt se repentent. Voilà ceux de qui Allah accueille le repentir. Et Allah est Omniscient et Sage
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول سبحانه وتعالى إنما يقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو بعد معاينة الملك يقبض روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب وقال قتادة عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة رواه ابن جرير. وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو غيره. وقال ابن جريج أخبرني عبدالله بن كثير عن مجاهد قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها. قال ابن جريج وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه. وقال أبو صالح عن ابن عباس من جهالته عمل السوء. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "ثم يتوبون من قريب" قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته وهو مروي عن ابن عباس وقال الحسن البصري: "ثم يتوبون من قريب" ما لم يغرغر وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب" ذكر الأحاديث في ذلك " قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عياش وعصام بن خالد قال حدثنا ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان به وقال الترمذي حسن غريب ووقع في سنن ابن ماجه: عن عبدالله بن عمرو وهو وهم إنما هو عبدالله بن عمر بن الخطاب " حديث آخر " قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن معمر حدثنا عبدالله بن الحسن الحراني حدثنا يحيى بن عبدالله البابلي حدثنا أيوب بن نهيك الحلبي سمعت عطاء بن أبي رباح قال: سمعت عبدالله بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه أدنى من ذلك وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه إلا قبل منه" حديث آخر قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميمونه وأخبرني رجل من ملحان يقال له أيوب قال سمعت عبدالله بن عمر يقول: من تاب قبل موته بعام تيب عليه ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه. فقلت إنما قال الله "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب" فقال إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وأبو عمر الحوضي وأبو عامر العقدي عن شعبة" حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عبدالرحمن بن السلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم " فقال الآخر أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم ؟ قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم " فقال الثالث أنت سمعت هذا من رسول صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم قال وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة" قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يقيل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه" وقد رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عبدالرحمن بن السلماني فذكر قريبا منه" حديث آخر" قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد حدثنا عمران بن عبدالرحيم حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر" [أحاديث في ذلك مرسلة] قال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" هذا مرسل حسن عن الحسن البصري رحمه الله. وقد قال ابن جرير أيضا رحمه الله: حدثنا ابن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن العلاء بن زياد عن أبي أيوب بشير بن كعب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" وحدثنا ابن بشار حدثنا عبدالأعلى عن سعيد عن قتادة عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكر مثله. " حديث آخر" قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا أبو داود حدثنا عمران عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبى قلابة فحدث أبو قلابة فقال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال الله عز وجل: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح وقد ورد هذا في حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري كلاهما عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال إبليس يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله عز وجل وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله عز وجل وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة ولهذا قال تعالى "فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما" وأما متى وقع الإياس من الحياة وعاين الملك وخرجت الروح في الحلق وضاق بها الصدر وبلغت الحلقوم وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم فلا توبة مقبولة حينئذ ولات حين مناص.
وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَـٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا
Mais l'absolution n'est point destinée à ceux qui font de mauvaises actions jusqu'au moment où la mort se présente à l'un d'eux, et qui s'écrie: «Certes, je me repens maintenant» - non plus pour ceux qui meurent mécréants. Et c'est pour eux que Nous avons préparé un châtiment douloureux
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ولهذا قال "وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن" وهذا كما قال تعالى "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده" الآيتين ; وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى "يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا" الآية. وقوله "ولا الذين يموتون وهم كفار" يعني أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض. قال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس "ولا الذين يموتون وهم كفار" قالوا نزلت في أهل الشرك وقال الإمام أحمد حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان حدثني أبي عن مكحول أن عمر بن نعيم حدثه أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الله يقبل توبة عبده -أو يغفر لعبده- ما لم يقع الحجاب " قيل وما وقوع الحجاب ؟ قال " تخرج النفس وهي مشركة " ولهذا قال الله تعالى "أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما" أي موجعا شديدا مقيما.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا
O les croyants! Il ne vous est pas licite d'hériter des femmes contre leur gré. Ne les empêchez pas de se remarier dans le but de leur ravir une partie de ce que vous aviez donné, à moins qu'elles ne viennent à commettre un péché prouvé. Et comportez-vous convenablement envers elles. Si vous avez de l'aversion envers elles durant la vie commune, il se peut que vous ayez de l'aversion pour une chose où Allah a déposé un grand bien
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال البخاري حدثنا محمد بن مقاتل حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس قال الشيباني وذكره أبو الحسن السوائي ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها" قال كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها; فنزلت هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها" هكذا ذكره البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث أبى إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان عن عكرمة وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء كوفي أعمى كلاهما عن ابن عباس بما تقدم وقال أبو داود حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت المروزي حدثني علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها فأحكم الله تعالى عن ذلك أي نهى عن ذلك تفرد به أبو داود وقد رواه عن غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك. وروى وكيع عن سفيان عن علي بن نديمة عن مقسم عن ابن عباس كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبا كان أحق بها فنزلت "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها". وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها " قال كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها وروى العوفي عنه عن الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها ولم ينكحها أحد غيره وحبسها عنده حتى تفتدى منه بفدية. فأنزل الله "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها". وقال زيد بن أسلم في الآية عن أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يرثها أو يزوجها من أراد وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى الله المؤمنين عن ذلك رواه ابن أبي حاتم وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا موسى بن إسحاق حدثنا علي بن المنذر. حدثنا محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان لهم ذلك في الجاهلية فأنزل الله "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها". ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل به ثم روى من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم فنزلت "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها" الآية. وقال ابن جريج قال مجاهد كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه. وقال ابن جريج قال عكرمة نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس توفي عنها أبو قيس بن الأسلت فجنح عليها ابنه فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقالت يا رسول الله: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح ! فأنزل الله هذه الآية وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبا فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها حتى يشب أو تموت فيرثها فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبا نجت فأنزل الله "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها". وقال مجاهد في الآية: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها أو يزوجها ابنه رواه ابن أبى حاتم ثم قال وروى عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان نحو ذلك. قلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وما ذكره مجاهد ومن وافقه وكل ما كان فيه نوع من ذلك والله أعلم وقوله "ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن" أي لا تضاروهن في العشرة لتترك ما أصدقتها أو بعضه أو حقا من حقوقها عليك أو شيئا من ذلك على وجه القهر لها والإضرار. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "ولا تعضلوهن" يقول ولا تقهروهن "لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن" يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير وقال ابن المبارك وعبدالرزاق أخبرنا معمر أخبرني سماك بن الفضل عن ابن السلماني قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية والأخرى في أمر الإسلام. قال عبدالله بن المبارك يعني قوله "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها" في الجاهلية "ولا تعضلوهن" في الإسلام وقوله "إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ; والشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والضحاك وأبو قلابة وأبو صالح السدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال يعني بذلك الزنا يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها كما قال تعالى في سورة البقرة "ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله" الآية وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان والنشوز وبذاء اللسان وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها وهذا جيد والله أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفردا به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" قال وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها فأحكم الله عن ذلك أي نهى عن ذلك. قال عكرمة والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية ولكن نهى المسلمون عن فعله في الإسلام. وقال عبدالرحمن بن زيد كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد فإذا جاء الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها. قال فهذا قوله "ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن" الآية وقال مجاهد في قوله "ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن" هو كالعضل في سورة البقرة. وقوله تعالى "وعاشروهن بالمعروف" أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله كما قال تعالى "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيركم خيركم لأهله ; وأنا خيركم لأهلي " وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة دائم البشر ; يداعب أهله ; ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائسة أم المؤمنين رضي الله عنها يتودد إليها بذلك قالت سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم ; ثم سابقته بعدما حملت اللحم فسبقني فقال " هذه بتلك " ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام ولله الحمد. وقوله تعالى "فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" أي فعسى أن يكون صبركم في إمساكهن مع الكراهة فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس في هذه الآية هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدا ويكون في ذلك الولد خير كثير وفي الحديث الصحيح " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها آخر".
وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا
Si vous voulez substituer une épouse à une autre, et que vous ayez donné à l'une un qintâr, n'en reprenez rien. Quoi! Le reprendriez-vous par injustice et péché manifeste
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى "وإن أردتم استبدال زوح مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا" أي إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئا ولو كان قنطارا من مال وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته ههنا. وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول كلفت إليك علق القربة ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيربن عن أبي العجفاء واسمه هرم بن سيب البصري وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. " طريق أخرى عن عمر "قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني محمد بن عبدالرحمن عن خالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم ؟ قال: نعم فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال: وأي ذلك ؟ فقالت: أما سمعت الله يقول "وآتيتم إحداهن قنطارا " الآية قال: فقال اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إنى كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل إسناده جيد قوي " طريقة أخرى "قال ابن المنذر حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبدالرزاق عن قيس بن ربيع عن أبي حصين عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول "وآتيتم إحداهن قنطارا " من ذهب - قال وكذلك هي في قراءة عبدالله بن مسعود - فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته " طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع" قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبدالله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة من صفة النساء طويلة- في أنفها فطس- ما ذاك لك قال: ولم ؟ قالت: إن الله قال "وآتيتم إحداهن قنطارا " الآية فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ ولهذا قال منكرا "وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض " أي وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضيت إليك قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع- وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما " الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب " قالها ثلاثا فقال الرجل: يا رسول الله مالي -يعني ما أصدقها- قال " لا مال لك إن كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها " وفي سنن أبي داود وغيره عن نضرة بن أبي نضرة أنه تزوج امرأة بكرا في خدرها فإذا هي حامل من الزنا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقضى لها بالصداق وفرق بينهما وأمر بجلدها وقال " الولد عبد لك والصداق في مقابلة البضع ".