Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
النساء
An-Nisa
176 versets
وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا
Et éprouvez (la capacité) des orphelins jusqu'à ce qu'ils atteignent (l'aptitude) au mariage; et si vous ressentez en eux une bonne conduite, remettez-leur leurs biens. Ne les utilisez pas (dans votre intérêt) avec gaspillage et dissipation, avant qu'ils ne grandissent. Quiconque est aisé, qu'il s'abstienne d'en prendre lui-même. S'il est pauvre, alors qu'il en utilise raisonnablement: et lorsque vous leur remettez leurs biens, prenez des témoins à leur encontre. Mais Allah suffit pour observer et compter
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى "وابتلوا اليتامى" قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل أي اختبروهم "حتى إذا بلغوا النكاح" قال مجاهد يعني الحلم. قال الجمهور من العلماء البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد. وفي سنن أبي داود عن علي قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل". وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "رفع القلم عن ثلاثه الصبي حتى يحتلم أو يستكمل خمس عشرة سنة. وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. فقال عمر بن عبدالعزيز لما بلغه هذا الحديث إن هذا الفرق بين الصغير والكبير واختلفوا في نبات الشعر الخشن حول الفرج وهى الشعرة هل يدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم لأنه لا يتعجل بها إلى ضرب الجزية عليه فلا يعالجها والصحيح أنها بلوغ في الجميع لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة بعيد ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد على عطية القرظي قال عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فأمر من ينظر من أنبت فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلي سبيله فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه وقال الترمذي حسن صحيح وإنما كان كذلك لأن سعد بن معاذ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية. وقال أبو عبيد في الغريب حدثنا ابن علية عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمر أن غلاما ابتهر جارية في شعره فقال عمر انظروا إليه فلم يوجد أنبت فدرأ عنه الحد قال أبو عبيد ابتهرها أي قذفها والابتهار أن يقول فعلت بها وهو كاذب. فإن كان صادقا فهو الابتيار قال الكميت في شعره. قبيح بمثلي نعت الفتاة إما ابتهارا وإما ابتيارا وقوله عز وجل "فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم" قال سعيد بن جبير يعني صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم وكذا روى عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة وهكذا قال الفقهاء إذا بلغ الغلام مصلحا لدينه وماله انفك الحجر عنه فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه وقوله "ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا" ينهي تعالى "عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية "إسرافا وبدارا" أي مبادرة قبل بلوغهم. ثم قال تعالى "ومن كان غنيا فليستعفف" عنه ولا يأكل منه شيئا. وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم "ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف" قال ابن أبي حاتم حدثنا الأشج حدثنا عبدالله بن سليمان حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة "ومن كان غنيا فليستعفف" نزلت في مال اليتيم. حدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام عن أبيه عن عائشة "ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف" نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا أن يأكل منه. وحدثنا أبي حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني حدثنا علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم "ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف" بقدر قيامه عليه. ورواه البخاري عن إسحاق بن عبدالله بن نمير عن هشام به. قال الفقهاء: له أن يأكل من أقل الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته. واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين "أحدهما" لا لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا ; وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. قال أحمد: حدثنا عبدالوهاب حدثنا حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لي مال ولي يتيم ؟ فقال " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك - أو قال - تفدي مالك بماله" شك حسين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر حدثنا حسين المكتب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي يتيما عنده مال وليس لي مال آكل من ماله ؟ قال " كل بالمعروف غير مسرف ". ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حسين المعلم وروى ابن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي عن جعفر بن سليمان عن أبي عامر الخزاز عن عمرو بن دينار عن جابر أن رجلا قال: يا رسول الله مما أضرب يتيمي؟ قال "مما كنت ضاربا منه ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل منه مالا" وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى أخبرنا عبدالرزاق أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما وإن لهم إبلا ولي إبل وأنا أمنح من إبلي فقراء فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها وتسعى عليها فاشرب غير مضل بنسل ولا ناهك في الحب ورواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد به. وبهذا القول وهو عدم أداء البدل يقول عطاء أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. "والثاني" نعم لأن مال اليتيم على الحظر وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر لا عند الحاجة. وقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن خيثمة حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثه بن مضرب قال: قال عمر رضي الله عنه: إنى أنزلت نفسي من هذا المال منزلة والي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت استقرضت فإذا أيسرت قضيت. طريق أخرى قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر رضي الله عنه: إنما أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته وإن استغنيت استعففت إسناد صحيح. وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف" يعني القرض. قال وروى عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك. وروى من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله"فليأكل بالمعروف" قال يأكل بثلاث أصابع ثم قال حدثنا أحمد بن سنان حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس "ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف" قال يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم. قال وروى عن مجاهد وميمون بن مهـران في إحدى الروايات والحاكم نحو ذلك. وقال عامر الشعبي لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة فإن أكل منه قضاه رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن وهب حدثنا نافع بن أبى نعيم القاري قال سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى "ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف" الآية. فقال ذلك في اليتيم إن كان فقيرا أنفق عليه بقدر فقره ولم يكن للولى منه شيء وهذا بعيد من السياق لأنه قال "ومن كان غنيا فليستعفف" يعني من الأولياء ومن كان فقيرا أي منهم فليأكل بالمعروف أى بالتي هي أحسن كما قال في الآية الأخرى "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده" أي لا تقربوه إلا مصلحين له فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف. وقوله فإذا دفعتم إليهم أموالهم يعني بعد بلوغهم الحلم وإيناسكم الرشد منهم فحينئذ سلموا إليهم فإذا دفعتم إليهم أموالهم "فأشهدوا عليهم" وهذا أمر من الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه ثم قال "وكفى بالله حسيبا" أي وكفى بالله محاسبا وشاهدا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم لأموالهم هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم".
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا
Aux hommes revient une part de ce qu'ont laissé les père et mère ainsi que les proches; et aux femmes une part de ce qu'ont laissé les père et mère ainsi que les proches, que ce soit peu ou beaucoup: une part fixée
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال سعيد بن جبير وقتادة كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا فأنزل الله "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون" الآية. أي الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجية أو ولاء فإنه لحمة كلحمة النسب. وروى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال أتت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء فأنزل الله تعالى "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون" الآية. وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر والله أعلم وقوله"وإذا حضر القسمة" الآية. قيل المراد حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث "واليتامى والمساكين" فليرضخ لهم من التركة نصيب وإن ذلك كان واجبا في ابتداء الإسلام وقيل يستحب واختلفوا هل هو منسوخ أم لا على قولين فقال البخاري حدثنا أحمد بن حميد أخبرنا عبدالله الأشجعي عن سفيان عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس في الآية. قال هى محكمة وليست بمنسوخة. تابعه سعيد عن ابن عباس. وقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا عباد بن العوام عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال هي قائمة يعمل بها وقال الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية. قال هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم وهكذا روى عن ابن مسعود وأبي موسى وعبدالرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي والحسن. وقال ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر إنها واجبة وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن إسماعيل ابن علية عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين قال ولي عبيدة وصية فأمر بشاة فذبحت فأطعم أصحاب هذه الآية. فقال لولا هذه الآية لكان هذا من مالي وقال مالك فيما يروى عنه في التفسير من جزء مجموع عن الزهري أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله وقال الزهري هي محكمة. وقال مالك عن عبدالكريم عن مجاهد قال هي حق واجب ما طابت به الأنفس. " ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم " قال عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة أن أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه أن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبدالرحمن وعائشة حية فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه قالا وتلا "وإذا حضر القسمة أولو القربى" قال القاسم فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب ليس ذلك له إنما ذلك إلى الوصية وإنما هذه الآية في الوصية يزيد الميت يوصي لهم. رواه ابن أبي حاتم.
وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا
Et lorsque les proches parents, les orphelins, les nécessiteux assistent au partage, offrez-leur quelque chose de l'héritage, et parlez-leur convenablement
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
" ذكر من قال إن هذه الآية منسوخة بالكلية" قال سفيان الثوري عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "وإذا حضر القسمة" قال منسوخة. قال إسماعيل بن مسلم المكي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال في هذه الآية "وإذا حضر القسمة أولوا القربى" نسختها الآية التي يعدها "يوصيكم الله في أولادكم" وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية "وإذا حضر القسمة أولو القربى" كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفي رواهن ابن مردوية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في فوله "وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين" نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر. وحدثنا أسيد بن عاصم حدثنا سعيد بن عامر عن همام حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال إنها منسوخة قبل الفرائض كان ما ترك الرجل من مال أعطي منه اليتيم والفقير والمسكين وذوو القربى إذا حضروا القسمة ثم نسختها المواريث فألحق الله بكل ذي حق حقه وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء. وقال مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب هي منسوخة نسختها المواريث والوصية. وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبدالرحمن أنهم قالوا إنها منسوخة وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم وقد اختار ابن جرير ههنا قولا غريبا جدا وحاصله أن معنى الآية عنده "وإذا حضر القسمة" أي وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت "فارزقوهم منه وقولوا" لليتامى والمساكين إذا حضروا "قولا معروفا " هذا معنى ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار وفيه نظر والله أعلم. وقال العوفي عن ابن عباس وإذا حضر القسمة هي قسمة الميراث وهكذا قال غير واحد والمعنى على هذا لا على مـا سلكه ابن جرير رحمه الله بـل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهم يائسون لا شيء يعطونه فأمر الله تعالى وهو الرءوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برا بهم وصدقة عليهم وإحسانا إليهم وجبرا لكسرهم. كما قال الله تعالى "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده" وذم الذين ينقلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة كما أخبر به عن أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين أي بليل. وقال "فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين" فـ"دمر عليهم وللكافرين أمثالها" فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه ولهذا جاء في الحديث "ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته" أي منعها يكون سبب محق ذلك المال بالكلية.
وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا
Que la crainte saisisse ceux qui laisseraient après eux une descendance faible, et qui seraient inquiets à leur sujet; qu'ils redoutent donc Allah et qu'ils prononcent des paroles justes
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم الآية. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة وهكذا قال مجاهد وغير واحد وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله إنى ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي قال " لا " قال: فالشطر قال "لا" قال فالثلث قال "الثلث ; والثلث كثير" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال "الثلث والثلث كثير" قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث وقيل: المراد بالآية فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى "ولا يأكلوها إسرافا وبدارا" حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما أي كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك فعامل الناس في ذرياتهم إذا وليتهم ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلما فإنما يأكل في بطنه نارا.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا
Ceux qui mangent [disposent] injustement des biens des orphelins ne font que manger du feu dans leurs ventres. Ils brûleront bientôt dans les flammes de l'Enfer
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ولهذا قال إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا أي إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب فإنما يأكلون نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة - وفي الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اجتنبوا السبع الموبقات - قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال- الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبى حدثنا عبيدة أخبرنا عبدالعزيز بن عبدالصمد العمي حدثنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال "انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير: رجال كل رجل منهم له مشفر كمشفر البعير وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في أحدهم حتى يخرج من أسفله ولهم جؤار وصراخ قلت: يا جبريل من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا" وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم. وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا يونس بن بكير حدثنا زياد بن المنذر عن نافع بن الحارث عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا" قيل يا رسول الله من هم؟ قال "ألم تر أن الله قال: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما" الآية" رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة عن عقبة بن مكرم وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أحمد بن علي بن المثنى عن عقبة بن مكرم. قال ابن مردويه: حدثنا عبدالله بن جعفر حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو عامر العبدي حدثنا عبدالله بن جعفر الزهري عن عثمان بن محمد عن المقري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحرج مال الضعيفين المرأة واليتيم " أي أوصيكم باجتناب مالهما وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما" الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله "ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير" الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.