Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
البقرة
Al-Baqarah
286 versets
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
Nulle contrainte en religion! Car le bon chemin s'est distingué de l'égarement. Donc, quiconque mécroit au Rebelle tandis qu'il croit en Allah saisit l'anse la plus solide, qui ne peut se briser. Et Allah est Audient et Omniscient
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى "لا إكراه في الدين" أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينه ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار وإن كان حكمها عاما وقال ابن جرير: حدثنا ابن يسار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله عز وجل "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم أنها نزلت في ذلك وقال محمد بن إسحق عن محمد بن أبي محمد الجرشي عن زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد عن ابن عباس قوله "لا إكراه في الدين" قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله فيه ذلك رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد وكانا قد تنصرا على أيدي تجار قدموا من الشام يحملون زبيبا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما وطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث في آثارهما فنزلت هذه الآية وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسبق قال: كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى فيقول "لا إكراه في الدين" ويقول يا أسبق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبى أحد منهم الدخول ولم ينقد له أو يبذل الجزية قوتل حتى يقتل وهذا معنى لا إكراه قال الله تعالى "ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون" وقال تعالى "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" وقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين" وفي الصحيح عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل يعني الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونوا من أهل الجنة فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا يحيى عن حميد عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل أسلم قال إنى أجدني كارها قال وإن كنت كارها فإنه ثلاثي صحيح ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام بل دعاه إليه فأخبره أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له أسلم وإن كنت كارها فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص. وقوله "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو "فقد استمسك بالعروة الوثقى" أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم عن أبي إسحق عن حسان هو ابن قائد العبسي قال: قال عمر - رضي الله عنه - إن الجبت السحر والطاغوت الشيطان وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من أمه وإن كرم الرجل دينه وحسبه خلقه وإن كان فارسيا أو نبطيا وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحق عن حسان بن قائد العبسي عن عمر فذكره ومعنى قوله في الطاغوت إنه الشيطان قوي جدا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها. وقوله "فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها" أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم هي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال "فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها" الآية قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان وقال السدي: هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله وعن أنس بن مالك العروة الوثقى القرآن وعن سالم بن أبي الجعد قال هو الحب في الله والبغض في الله وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها وقال معاذ بن جبل في قوله "لا انفصام لها" دون دخول الجنة وقال مجاهد وسعيد بن جبير "فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها" ثم قرأ "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وقال الإمام أحمد: أنبأنا إسحق بن يوسف حدثنا ابن عوف عن محمد بن قيس بن عبادة قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم هذا رجل من أهل الجنة فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا قال سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم: إنى رأيت رؤيا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصتها عليه رأيت كأني في روضة خضراء - قال ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها - وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة فقيل لي اصعد عليه فقلت لا أستطيع فجاءني منصف - قال ابن عون هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي فقال اصعد فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال استمسك بالعروة فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصتها عليه فقال أما الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى أنت على الإسلام حتى تموت قال وهو عبدالله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبدالله بن عون فقمت إليه وأخرجه البخاري من وجه آخر عن محمد بن سيرين به. "طريق أخرى وسياق آخر" قال الإمام أحمد: أنبأنا حسن بن موسى وعثمان قالا: أنبأنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن خرشة بن الحر قال: قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقلت له: قال بعض القوم كذا وكذا فقال: الجنة لله يدخلها من يشاء وإني رأيت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا كأن رجلا أتاني فقال انطلق فذهبت معه فسلك بي منهجا عظيما فعرضت لي طريق عن يساري فأردت أن أسلكها فقال: إنك لست من أهلها ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فدحا بي فإذا أنا على ذروته فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فدحا بي حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك فقلت نعم فضرب العمود برجله فاستمسك بالعروة فقصصتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رأيت خيرا أما المنهج العظيم فالمحشر وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار ولست من أهلها وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام فاستمسك بها حتى تموت قال فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبدالله بن سلام وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر الفزاري به.
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ
Allah est le défenseur de ceux qui ont la foi: Il les fait sortir des ténèbres à la lumière. Quant à ceux qui ne croient pas, ils ont pour défenseurs les Tâghût, qui les font sortir de la lumière aux ténèbres. Voilà les gens du Feu, où ils demeurent éternellement
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك "أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون". ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" وقال تعالى "وجعل الظلمات والنور" وقال تعالى "عن اليمين وعن الشمال" إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن ميسرة حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان عن موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد قال: يبعث أهل الأهواء أو قال تبعث أهل الفتن فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة ثم قرأ هذه الآية "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
N'as-tu pas su (l'histoire de) celui qui, parce qu'Allah l'avait fait roi, argumenta contre Abraham au sujet de son Seigneur? Abraham ayant dit: «J'ai pour Seigneur Celui qui donne la vie et la mort», «Moi aussi, dit l'autre, je donne la vie et la mort.» Alors dit Abraham: «Puisqu'Allah fait venir le soleil du Levant, fais-le donc venir du Couchant.» Le mécréant resta alors confondu. Allah ne guide pas les gens injustes
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
هذا الذي حاج إبراهيم في ربه وهو ملك بابل نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ويقال: نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح والأول قول مجاهد وغيره: قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن داود وذو القرنين والكافران نمرود وبختنصر والله أعلم ومعنى قوله "ألم تر" أي بقلبك يا محمد "إلى الذي حاج إبراهيم في ربه" أي وجود ربه وذلك أنه أنكر أن يكون إله غيره كما قال بعده فرعون لملئه "ما علمت لكم من إله غيري" وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره وطول مدته في الملك وذلك أنه يقال أنه مكث أربعمائة سنة في ملكه ولهذا قال "أن أتاه الله الملك" وكان طلب من إبراهيم دليلا على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم "ربي الذي يحيي ويميت" أي إنما الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها وعدمها بعد وجودها وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج وهو النمرود "أنا أحيي وأميت" قال قتادة ومحمد بن إسحق والسدي وغير واحد وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل فذلك معنى الإحياء والإماتة والظاهر والله أعلم أنه ما أراد هذا لأنه ليس جوابا لما قال إبراهيم ولا في معناه لأنه مانع لوجود الصانع وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت كما اقتدى به فرعون في قوله "ما علمت لكـم من إله غيري" ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب" أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي أخرس فلا يتكلم وقامت عليه الحجة قال الله تعالى "والله لا يهدي القوم الظالمين" أي لا يلهمهم حجة ولا برهانا بل حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه ومنهم من قد يطلق عبارة ترديه وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويبين بطلان ما ادعاه نمرود في الأول والثاني ولله الحمد والمنة وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة وروى عبدالرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يغدون إليه للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس بل خرج وليس معه شيء من الطعام فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت طعاما فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال: أنى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئت به فعلم أنه رزق رزقهم الله عز وجل قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاما بادية ودخلت واحدة منها في منخري الملك فمكثت في منخري الملك أربعمائة سنة عذبه الله بها فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة حتى أهلكه الله بها.
أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ
Ou comme celui qui passait par un village désert et dévasté: «Comment Allah va-t-Il redonner la vie à celui-ci après sa mort?» dit-il. Allah donc le fit mourir et le garda ainsi pendant cent ans. Puis Il le ressuscita en disant: «Combien de temps as-tu demeuré ainsi?» «Je suis resté un jour, dit l'autre, ou une partie d'une journée.» «Non! dit Allah, tu es resté cent ans. Regarde donc ta nourriture et ta boisson: rien ne s'est gâté; mais regarde ton âne... Et pour faire de toi un signe pour les gens, et regarde ces ossements, comment Nous les assemblons et les revêtons de chair». Et devant l'évidence, il dit: «Je sais qu'Allah est Omnipotent»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
تقدم قوله تعالى "ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه" وهو في قوة قوله هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه ولهذا عطف عليه بقوله "أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها" اختلفوا في هذا المار من هو فروى ابن أبي حاتم عن عصام بن داود عن آدم بن أبي إياس عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو عزير ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة وهذا القول هو المشهور وقال وهب بن منبه وعبدالله بن عبيد هو أرميا بن حلقيا قال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه أنه قال: وهو اسم الخضر عليه السلام وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال سمعت سليمان بن محمد اليساري الجاري من أهل الجاري ابن عم مطرف قال سمعت سلمان يقول إن رجلا من أهل الشام يقول إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بوار وقال مجاهد بن جبر هو رجل من بني إسرائيل وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها "وهي خاوية" أي ليس فيها أحد من قولهم خوت الدار تخوي خويا. وقوله "على عروشها" أي ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة وقال "أنى يحيي هذه الله بعد موتها" وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العودة إلى ما كانت عليه قال الله تعالى "فأماته الله مائة عام ثم بعثه" قال وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها وتراجع بنو إسرائيل إليها فلما بعثه الله عز وجل بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه فلما استقل سويا قال الله له أي بواسطة الملك "كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم" قال وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال "أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه" وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير فوجده كما تقدم لم يتغير منه شيء لا العصير استحال ولا التين حمض ولا أنتن ولا العنب نقص "وانظر إلى حمارك" أي كيف يحييه الله عز وجل وأنت تنظر "ولنجعلك آية للناس" أي دليلا على المعاد "وانظر إلى العظام كيف ننشزها" أي نرفعها فيركب بعضها على بعض وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نعيم عن إسماعيل بن حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ "كيف ننشزها" بالزاي ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقرئ "ننشرها" أي نحييها قاله مجاهد "ثم نكسوها لحما" وقال السدي وغيره تفرقت عظام حماره حوله يمينا ويسارا فنظر إليها وهي تلوح من بياضها فبعث الله ريحا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارا قائما من عظام لا لحم عليها ثم كساها الله لحما وعصبا وعروقا وجلدا وبعث الله ملكا فنفخ في منخري الحمار فنهق كله بأذن الله عز وجل وذلك كله بمرأى من العزير فعند ذلك لما تبين له هذا كله "قال أعلم أن الله على كل شيء قدير" أي أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانا فأنا أعلم أهل زماني بذلك وقرأ آخرون قال اعلم على أنه أمر له بالعلم.
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ
Et quand Abraham dit: «Seigneur! Montre-moi comment Tu ressuscites les morts», Allah dit: «Ne crois-tu pas encore?» «Si! dit Abraham; mais que mon cœur soit rassuré». «Prends donc, dit Allah, quatre oiseaux, apprivoise-les (et coupe-les) puis, sur des monts séparés, mets-en un fragment ensuite appelle-les: ils viendront à toi en toute hâte. Et sache qu'Allah est Puissant et sage.»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام أسبابا منها أنه لما قال لنمرود "ربي الذي يحيي ويميت" أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك إلى عين اليقين وأن يرى ذلك مشاهدة فقال "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن وهب به فليس المراد ههنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة أحدها. وقوله "قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك" اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي وإن كان لا طائل تحت تعيينها إذ لو كان في ذلك مهم لنص عليه القرآن فروي عن ابن عباس أنه قال هي الغرنوق والطاوس والديك والحمامة وعنه أيضا أنه أخذ وزا ورألا وهو فرخ النعام وديكا وطاوسا وقال: مجاهد وعكرمة كانت حمامة وديكا وطاوسا وغرابا وقوله "فصرهن إليك" أي وقطعهن قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو الأسود الدؤلي ووهب ابن منبه والحسن والسدي وغيرهم وقال العوفي عن ابن عباس "فصرهن إليك" أوثقهن فلما أوثقهن ذبحهن ثم جعل على كل جبل منهن جزءا فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض ثم جزأهن أجزاء وجعل على كل جبل منهن جزءا قيل أربعة أجبل وقيل سبعة قال ابن عباس: وأخذ رءوسهن بيده ثم أمره الله عز وجل أن يدعوهن فدعاهن كما أمره الله عز وجل فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش والدم إلى الدم واللحم إلى اللحم والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض حتى قام كل طائر على جدته وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم عليه السلام فإذا قدم له غير رأسه يأباه فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته ولهذا قال "واعلم أن الله عزيز حكيم" أي عزيز لا يغلبه شيء ولا يمتنع منه شيء وما شاء كان بلا ممانع لأنه القاهر لكل شيء حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب في قوله "ولكن ليطمئن قلبي" قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل عن سعيد بن المسيب قال: اتفق عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا قال: ونحن شببة فقال أحدهما لصاحبه أي آية في كتاب الله أرجى عندك لهذه الأمة فقال عبدالله بن عمرو قول الله تعالى "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا" الآية فقال ابن عباس أما إن كنت تقول هذا فأنا أقول أرجى منها لهذه الأمة قول إبراهيم "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي حدثنا عبدالله بن صالح كاتب الليث حدثني محمد بن أبي سلمة عن عمرو حدثني ابن المنكدر أنه قال: التقى عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمرو بن العاص فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال عبدالله بن عمرو: قول الله عز وجل "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا" الآية فقال ابن عباس: لكن أنا أقول قول الله عز وجل "وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى" فرضي من إبراهيم قوله "بلى" قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان وهكذا رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عبدالله محمد بن يعقوب بن الأحزم بن إبراهيم بن عبدالله السعدي عن بشر بن عمر الزهراني عن عبد العزيز بن أبي سلمة بإسناده مثله ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.