Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
البقرة
Al-Baqarah
286 versets
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ
Vous ne faites point de péché en divorçant d'avec des épouses que vous n'avez pas touchées, et à qui vous n'avez pas fixé leur mahr. Donnez-leur toutefois - l'homme aisé selon sa capacité, l'indigent selon sa capacité - quelque bien convenable dont elles puissent jouir. C'est un devoir pour les bienfaisants
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها. وقال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري: المس النكاح بل يجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها إن كانت مفوضة وإن كان في هذا انكسار لقلبها ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره. وقال سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم ودون ذلك الورق ودون ذلك الكسوة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إن كان موسرا متعها بخادم أو نحو ذلك وإن كان معسرا أمتعها بثلاثة أثواب: وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب قال: وكان شريح يمتع بخمسائة. وقال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن أيوب بن سيرين قال: كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة. قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف. ويروى أن المرأة قالت: متاع قليل من حبيب مفارق. وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها. وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة وأحب ذلك إلى أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة وقال في القديم: لا أعرف في المتعة قدرا إلا أني أستحسن ثلاثين درهما كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما وقد اختلف العلماء أيضا هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها على أقوال: أحدها أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى "وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين" ولقوله تعالى "يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا" وقد كن مفروضا لهن ومدخولا بهن وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري وهو أحد قولي الشافعي. ومنهم من جعله الجديد الصحيح والله سبحانه وتعالى أعلم. "والقول الثاني" إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس وإن كانت مفروضا لها لقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهم من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا" قال شعبة وغيره عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآية التي في البقرة وقد روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد وأبي أسيد أنهما قالا تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أميمة بنت شرحبيل فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين أزرقين. "والقول الثالث" أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول وجب لها عليه شطره فإن دخل بها استقر الجميع وكان ذلك عوضا لها عن المتعة وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها وهذا قول ابن عمر ومجاهد ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول وهذا ليس بمنكور وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب ولهذا قال تعالى "على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين" ومن العلماء من يقول إنها مستحبة مطلقا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني حدثنا محمد بن سعيد بن سابق حدثنا عمروـ يعني ابن أبي قيس ـ عن أبي إسحاق عن الشعبي قال: ذكروا له المتعة أيحبس فيها فقرأ "على الموسع قدره وعلى المقتر قدره" قال الشعبي: والله ما رأيت أحدا حبس فيها والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.
وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ
Et si vous divorcez d'avec elles sans les avoir touchées, mais après fixation de leur mahr versez-leur alors la moitié de ce que vous avez fixé, à moins qu'elles ne s'en désistent, ou que ne se désiste celui entre les mains de qui est la conclusion du mariage. Le désistement est plus proche de la piété. Et n'oubliez pas votre faveur mutuelle. Car Allah voit parfaitement ce que vous faites
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الآية والله أعلم وتشطير الصداق والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء لا خلاف بينهم في ذلك فإنه متى كان قد سمى لها صداقا ثم فارقها قبل دخوله بها فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها وهو مذهب الشافعي في القديم وبه حكم الخلفاء الراشدون لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد أخبرنا ابن جريج عن ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق لأن الله يقول "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم" قال الشافعي بهذا أقول وهو ظاهر الكتاب قال البيهقي وليث بن أبي سليم وإن كان غير محتج به فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس فهو مقوله. وقوله "إلا أن يعفون" أي النساء عما وجب لها على زوجها فلا يجب لها عليه شيء. قال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله "إلا أن يعفون" قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها. قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله. وروي عن شريح وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والشعبي والحسن ونافع وقتادة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني والضحاك والزهري ومقاتل بن حيان وابن سيرين والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال "إلا أن يعفون" يعنى الرجال وهو قول شاذ لم يتابع عليه انتهى كلامه. وقوله "أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح" قال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "ولي عقدة النكاح الزوج" وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبدالله بن لهيعة به وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ فذكره ولم يقل عن أبيه عن جده فالله أعلم ثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا جابر يعني ابن أبي حازم عن عيسى يعني ابن عاصم قال: سمعت شريحا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح فقلت له: هو ولي المرأة فقال علي: لا بل هو الزوج. ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح في أحد قوليه وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع ومحمد بن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبي مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان أنه الزوج "قلت" وهذا هو الجديد من قولي الشافعي ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي واختاره ابن جرير ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئا من مال المولية للغير فكذلك في الصداق قال والوجه الثاني. حدثنا أبي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما ـ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح قال ذلك أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه وروي عن علقمة والحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه ومحمد بن سيرين في أحد قوليه أنه الولي وهذا مذهب مالك وقول الشافعي في القديم ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه فله التصرف فيه بخلاف سائر ما لها وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن الربيع الرازي حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: أذن الله في العفو وأمر به فأي امرأة عفت جاز عفوها فإن شحت وضنت وعفا وليها جاز عفوه وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت شديدة وهو مروي عن شريح لكن أنكر عليه الشعبي فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه. وقوله "وأن تعفوا أقرب للتقوى" قال ابن جرير قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء حدثني يونس أنبأنا ابن وهب سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس "وأن تعفوا أقرب للتقوى" قال أقربهما للتقوى الذي يعفو وكذا روي عن الشعبي وغيره وقال مجاهد والنخعي والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري: الفضل ههنا أن تعفو المرأة عن شطرها أو إتمام الرجل الصداق لها ولهذا قال "ولا تنسوا الفضل بينكم" أي الإحسان قاله سعيد. وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل: المعروف يعني لا تهملوه بينكم وقد قال أبو بكر بن مردويه حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا موسى بن إسحق حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا يونس بن بكير حدثنا عبدالله بن الوليد الرصافي عن عبدالله بن عبيد عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال "ليأتين على الناس زمان عضوض يعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل وقد قال الله تعالى "ولا تنسوا الفضل بينكم" شرار يبايعون كل مضطر" وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر وعن بيع الغرر فإن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه. وقال سفيان عن أبي هارون قال: رأيت هارون بن عبدالله في مجلس القرظي فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء ويقول صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هما حين رأيتهم أحسن ثيابا وأطيب ريحا وأحسن مركبا وجالست الفقراء فاسترحت بهم وقال "ولا تنسوا الفضل بينكم" إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فليدع له رواه ابن أبي حاتم "إن الله بما تعملون بصير" أي لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم وسيجزي كل عامل بعمله.
حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ
Soyez assidus aux Salâts et surtout la Salât médiane; et tenez-vous debout devant Allah, avec humilité
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة في وقتها" قلت ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قلت ثم أي؟ قال "بر الوالدين" قال: حدثني بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو استزدته لزادني. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس حدثنا ليث عن عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم عن القاسم بن غنام عن جدته أم أبيه الدنيا عن جدته أم فروة كانت ممن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الأعمال فقال "إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها" وهكذا رواه أبو داود والترمذي وقال لا نعرفه إلا من طريق العمري وليس بالقوي عند أهل الحديث. وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى وقد اختلف السلف والخلف فيها أي صلاة هي فقيل إنها الصبح حكاه مالك في الموطأ بلاغا عن علي وابن عباس وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبدالوهاب وشريك وغيرهم عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر فقنت فيها ورفع يديه ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين رواه ابن جرير ورواه أيضا من حديث عوف عن خلاس بن عمرو عن ابن عباس مثله سواء وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا عبدالوهاب حدثنا عوف عن أبي المنهال عن أبي العالية عن ابن عباس أنه صلى الغداة في مسجد البصرة فقنت قبل الركوع وقال هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه فقال "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين" وقال أيضا حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني أخبرنا ابن المبارك أخبرنا الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: صليت خلف عبدالله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة فقلت لرجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جانبي ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة. وروي من طريق أخرى عن الربيع عن أبي العالية أنه صلى مع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغداة فلما فرغوا قال: قلت لهم أيتهن الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي قد صليتها قبل. وقال أيضا حدثنا ابن بشار حدثنا ابن عثمة عن سعيد بن بشير عن قتادة عن جابر بن عبدالله قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وحكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وأبي أمامة وأنس وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وعكرمة والربيع بن أنس ورواه ابن جرير عن عبدالله بن شداد بن الهاد أيضا وهو الذي نص عليه الشافعي رحمه الله محتجا بقوله تعالى "وقوموا لله قانتين" والقنوت عنده في صلاة الصبح ومنهم من قال هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر وهي بين صلاتين رباعيتين مقصورتين وترد المغرب وقيل لأنها بين صلاتي ليل جهريتين وصلاتي نهار سريتين وقيل إنها صلاة الظهر قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب عن الزبرقان يعني ابن عمرو عن زهرة يعني ابن معبد قال: كنا جلوسا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى فقال هي الظهر كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصليها بالهجير. وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثني عمرو بن أبي حكيم سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها فنزلت "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين" وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به وقال أحمد أيضا: حدثنا يزيد بن أبي وهب عن الزبرقان أن رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى فقال هي العصر فقام إليه رجلان منهم فسألاه فقال هي الظهر ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه فقال هي الظهر إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس في قائلتهم وفي تجارتهم فأنزل الله "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين" قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم " والزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري لم يدرك أحدا من الصحابة والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير وقال شعبة وهمام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. وقال أبو داود الطيالسي وغيره عن شعبة أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب قال: سمعت عبدالرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى هي الظهر ورواه ابن جرير عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة عن عبدالصمد عن شعبة عن عمر بن سليمان عن زيد بن ثابت في حديث رفعه قال "الصلاة الوسطى صلاة الظهر" وممن روي عنه أنها الظهر ابن عمر وأبو سعيد وعائشة على اختلاف عنهم وهو قول عروة بن الزبير وعبدالله بن شداد بن الهاد ورواية عن أبي حنيفة رحمهم الله وقيل إنها صلاة العصر قال الترمذي والبغوي رحمهما الله: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم. وقال القاضي الماوردي هو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبدالبر هو قول أكثر أهل الأثر وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره وهو قول جمهور الناس وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بكشف الغطا في تبيين الصلاة الوسطى وقد نص فيه أنها العصر وحكاه عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبدالله بن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة وعن ابن عمر وابن عباس وعائشة على الصحيح عنهم وبه قال عبيدة وإبراهيم النخعي وأبو رزين وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن مريم وغيرهم وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي: والشافعي قال ابن المنذر وهو الصحيح عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد واختاره ابن حبيب المالكي رحمهم الله. ذكر الدليل على ذلك ـ قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن شتير بن شكل عن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا" ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء " وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى عن شتير بن شكل بن حميد عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله وقد رواه مسلم أيضا من طريق شعبة عن الحكم بن عيينة عن يحيى بن الجزار عن علي بن أبي طالب وأخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق يطول ذكرها عن عبيدة السلماني عن علي به ورواه الترمذي والنسائي من طريق الحسن البصري عن علي به قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان عن عاصم عن زر قال: قلت لعبيدة سل عليا عن الصلاة الوسطى فسأله فقال: كنا نراها الفجر- أو الصبح - حتى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارا ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي به. وحديث يوم الأحزاب وشغل المشركين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذ فروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر وقد رواه مسلم أيضا من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب رضي الله عنهما "حديث آخر" قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال صلاة الوسطى صلاة العصر وحدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا أبان حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" وسماها لنا أنها هي صلاة العصر وحدثنا محمد بن جعفر وروح قالا: حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال هي العصر قال ابن جعفر: سئل عن صلاة الوسطى ورواه الترمذي من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة وقال: حسن صحيح وقد سمع منه حديث آخر وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا عبدالوهاب بن عطاء عن التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الصلاة الوسطى صلاة العصر" "طريق أخرى بل حديث آخر" قال ابن جرير وحدثني المثنى حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي حدثنا الوليد بن مسلم قال: أخبرني صدقة بن خالد حدثني خالد بن دهقان عن خالد بن سيلان عن كهيل بن حرملة قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها ونحن بفناء بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فقال: أنا أعلم لكم ذلك فقام فاستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل عليه ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر غريب من هذا الوجه جدا "حديث آخر" قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحق حدثنا أبو أحمد حدثنا عبدالسلام عن مسلم مولى أبي جبير حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال: كنت جالسا عند عبد العزيز بن مروان فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى فأخذ أصبعي الصغير فقال هذه صلاة الفجر وقبض التي تليها فقال هذه الظهر ثم قبض الإبهام فقال هذه المغرب ثم قبض التي تليها فقال هذه العشاء ثم قال: أي أصابعك بقيت فقلت الوسطى فقال أي الصلاة بقيت؟ فقلت العصر فقال هي العصر غريب أيضا جدا "حديث آخر" قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي حدثني أبو ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة الوسطى صلاة العصر إسناده لا بأس به "حديث آخر" قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير حدثنا الجراح بن مخلد حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام بن مورق العجلي عن أبي الأحوص عن عبدالله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الوسطى صلاة العصر وقد روى الترمذي من حديث محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد اليامي عن مرة الهمداني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الوسطى صلاة العصر ثم قال: حسن صحيح وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن طلحة به ولفظة شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر الحديث فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئا ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح من رواية الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله وفي الصحيح أيضا من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي كثير عن أبي المجاهر عن بريدة بن الحصيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحق أخبرنا ابن لهيعة عن عبدالله بن هبيرة عن أبي تميم عن أبي نضرة الغفاري قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في واد من أوديتهم يقال له الحميص صلاة العصر فقال إن هذه الصلاة عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد "ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحق عن الليث عن جبير بن نعيم عن عبدالله بن هبيرة به وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث ورواه مسلم أيضا من حديث محمد بن إسحق حدثني يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن جبير بن نعيم الحضرمي عن عبدالله بن هبيرة السبائي به فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضا حدثنا إسحق أخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا قالت: إذا بلغت هذه الآية "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فآذني فلما بلغتها آذنتها فأملت عليّ "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" قالت: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى حدثنا الحجاج حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر" وهكذا رواه من طريق الحسن البصري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأها كذلك وقد روى الإمام مالك أيضا عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فلما بلغتها آذنتها فأملت عليّ "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" وهكذا رواه محمد بن إسحق بن يسار فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى ابن عمر أن عمر بن نافع قال: فذكر مثله وزاد كما حفظتها من النبي - صلى الله عليه وسلم - "طريق أخرى عن حفصة" قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن عبدالله بن يزيد الأزدي عن سالم بن عبدالله أن حفصة أمرت إنسانا أن يكتب لها مصحفا فقالت إذا بلغت هذه الآية "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فآذني فلما بلغ آذنها فقالت اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" "طريق أخرى" قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى حدثنا عبدالوهاب حدثنا عبيد الله عن نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت إذا بلغت هذه الآية "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأها فلما بلغتها أمرته فكتبها "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" قال نافع: فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو. وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرآ كذلك وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا عبيدة حدثنا محمد بن عمرو حدثني أبو سلمة عن عمرو بن رافع مولى عمر قال: كان في مصحف حفصة "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" وتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة فدل ذلك على أنها غيرها وأجيب عن ذلك بوجوه "أحدها" أن هذا إن روي على أنه خبر فحديث علي أصح وأصرح منه وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة كما في قوله "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين" أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات كقوله "ولكن رسول الله وخاتم النبيين" وكقوله "سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى" وأشباه ذلك كثيرة وقال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وقال أبو داود الإيادي: سلط الموت والمنون عليهم فلهم في صدى المقابر هام والموت هو المنون قال عدي بن زيد العبادي: فقددت الأديم لراهشيه فألفى قولها كذبا ومينا والكذب هو المين وقد نص سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك ويكون الصاحب هو الأخ نفسه والله أعلم وأما إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في المصحف ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم لا من السبعة ولا من غيرهم ثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث قال مسلم: حدثنا إسحق بن راهويه أخبرنا يحيى بن آدم عن فضيل بن مرزوق عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال: نزلت "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر" فقرأناها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله ثم نسخها الله عز وجل فأنزل "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فقال له زاهر رجل كان مع شقيق: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت وكيف نسخها الله عز وجل قال مسلم: ورواه الأشجعي عن الثوري عن الأسود عن شقيق قلت: وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد والله أعلم فعلى هذا تكون هذه التلاوة وهي تلاوة الجادة ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ولمعناها إن كانت الواو دالة على المغايرة وإلا فلفظها فقط والله أعلم وقيل إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وفي إسناده نظر فإنه رواه عن أبيه عن أبي الجماهر عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي الخليل عن عمه عن ابن عباس قال: صلاة الوسطى المغرب وحكى هذا القول ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب وحكي أيضا عن قتادة على اختلاف عنه ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية وبأنها وتر المفروضات وبما جاء فيها من الفضيلة والله أعلم . وقيل إنها العشاء الأخيرة اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور وقيل هي واحدة من الخمس بعينها وأبهمت فيهن كما أبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر والربيع بن خثيم ونقل أيضا عن زيد بن ثابت واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته وقيل بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وفي صحته أيضا نظر والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر وإنها لإحدى الكبر إذ اختاره مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر وقيل إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر وقيل بل هي صلاة الجماعة وقيل صلاة الجمعة وقيل صلاة الخوف وقيل بل صلاة عيد الفطر وقيل بل صلاة الأضحى وقيل الوتر وقيل الضحى وتوقف فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة ولم يظهر لهم وجه الترجيح ولم يقع الإجماع على قول واحد بل لم يزل النزاع فيها موجودا من زمان الصحابة وإلى الآن قال ابن جرير: حدثني محمد بن بشار وابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر وقد ثبتت السنة بأنها العصر فتعين المصير إليها وقد روى الإمام أبو محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما الله في كتاب الشافعي رحمه الله حدثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى اللخمي يقول: قال الشافعي كل ما قلت فكان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف قولي مما يصح فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى ولا تقلدوني وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل عن الشافعي وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود عن الشافعي إذا صح الحديث وقلت قولا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك فهذا من سيادته وأمانته وهذا نفس إخوانه من الأئمة رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين آمين ومن ههنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي رحمه الله أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر وإن كان قد نص في الجديد وغيره أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب ولله الحمد والمنة ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر مذهب الشافعي وصمموا على أنها الصبح قولا واحدا قال الماوردي: ومنهم من حكى في المسألة قولين ولتقرير المعاوضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى "وقوموا لله قانتين" أي خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها ولهذا لما امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه وهو في الصلاة اعتذر إليه بذلك وقال "إن في الصلاة لشغلا" وفي صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة" إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله " وقال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل حدثني الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية "وقوموا لله قانتين" فأمرنا بالسكوت رواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن إسماعيل به وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العماء حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة كما دل على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح قال: كنا نسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيرد علينا قال فلما قدمنا سلمت عليه فلم يرد علي فأخذني ما قرب وما بعد فلما سلم قال "إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة وإن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم فهاجر إلى المدينة وهذه الآية "وقوموا لله قانتين" مدنية بلا خلاف فقال قائلون إنما أراد زيد بن أرقم بقوله كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة الإخبار عن جنس الكلام واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها والله أعلم وقال آخرون إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها ويكون ذلك فقد أبيح مرتين وحرم مرتين كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم والأول أظهر والله أعلم وقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا بشر بن الوليد أخبرنا إسحق بن يحيى عن المسيب عن ابن مسعود قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة فمررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه فلم يرد علي فوقع في نفسي أنه نزل في شيء فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال" وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله إن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا".
فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ
Mais si vous craignez (un grand danger), alors priez en marchant ou sur vos montures. Puis quand vous êtes en sécurité, invoquez Allah comme Il vous a enseigné ce que vous ne saviez pas
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون" لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيما عن أدائها على الوجه الأكمل وهي حال القتال والتحام الحرب فقال "فإن خفتم فرجالا أو ركبانا" أي فصلوا على أي حال كان رجالا أو ركبانا: يعني مستقبلي القبلة وغير مسقبليها كما قال مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه البخاري وهذا لفظ مسلم ورواه البخاري أيضا من وجه آخر عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه أو قريبا منه ولمسلم أيضا عن ابن عمر قال: فإن كان خوف أشد من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء وفي حديث عبدالله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله وكان نحو عرفة أو عرفات فلما وجهه حانت صلاة العصر قال: فخشيت أن تفوتني فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماء - الحديث بطوله رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد وهذا من رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الآصار والأغلال عنهم وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال: في هذه الآية يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه قال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح نحو ذلك - وزاد ويومئ برأسه أينما توجه ثم قال: حدثنا أبي حدثنا غسان حدثنا داود يعني ابن علية عن مطرف عن عطية عن جابر بن عبدالله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه فذلك قوله "فرجالا أو ركبانا" وروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك وقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبدالله اليشكري - زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ كلاهما عن بكير بن الأخنس الكوفي عن مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وبه قال الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا ابن مهدي عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادا وقتادة عن صلاة المسايفة فقالوا: ركعة وهكذا روى الثوري عنهم سواء وقال ابن جرير أيضا: حدثني سعيد بن عمرو السكوني حدثنا بقية بن الوليد حدثنا المسعودي حدثنا يزيد الفقير عن جابر بن عبدالله قال: صلاة الخوف ركعة واختار هذا القول ابن جرير وقال البخاري "باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو" وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلوا ركعتين فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا وبه قال مكحول وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. هذا لفظ البخاري ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره - صلى الله عليه وسلم - العصر يوم الخندق لعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس وبقوله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا لم يرد منا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تعجيل السير ومنهم من أدركته فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة فلم يعنف واحدا من الفريقين وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول والجمهور على خلافه ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء ووردت بها الأحاديث لم تكن مشروعة في غزوة الخندق وإنما شرعت بعد ذلك وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك لأن هذا حال نادر خاص فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تستر وقد اشتهر ولم ينكر والله أعلم وقوله "فإذا آمنتم فاذكروا الله" أي أقيموا صلاتكم كما أمرتم فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها "كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون" أي مثل ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة فقابلوه بالشكر والذكر والذي كقوله بعد ذكر صلاة الخوف "فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى "وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة" الآية.
وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ
Ceux d'entre vous que la mort frappe et qui laissent des épouses, doivent laisser un testament en faveur de leurs épouses pourvoyant à un an d'entretien sans les expulser de chez elles. Si ce sont elles qui partent, alors on ne vous reprochera pas ce qu'elles font de convenable pour elles-mêmes. Allah est Puissant et Sage
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال الأكثرون هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهي قوله "يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا" قال البخاري: حدثنا أمية حدثنا يزيد بن زريع عن حبيب عن ابن أبي مليكة قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا" قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها قال: يا أبن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث وجدتها قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في قوله "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج" فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة فنسختها آية المواريث فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني والربيع بن أنس أنها منسوخة وروي عن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأة اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله ثم أنزل الله بعد "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا" فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها وقال "ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم" فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة قال: وروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان قالوا نسختها "أربعة أشهر وعشرا" قال وروي عن سعيد بن المسيب قال نسختها التي في الأحزاب "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات" الآية "قلت" وروي عن مقاتل وقتادة أنها منسوخة بآية الميراث وقال البخاري حدثنا إسحق بن منصور حدثنا روح حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا" قال كانت هذه للمعتدة تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف" قال: جعل الله تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله "غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم" فالعدة كما هي واجب عليها زعم ذلك عن مجاهد رحمه الله وقال عطاء قال ابن عباس نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله تعالى "غير إخراج" قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله "فلا جناح عليكم فيما فعلن" قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخا بالأربعة الأشهر وعشر وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا إن اخترن ذلك ولهذا قال "وصية لأزواجهم" أي يوصيكم الله بهن وصية كقوله "يوصيكم الله في أولادكم" الآية وقوله "وصية من الله" وقيل إنما انتصب على معنى فلتوصوا لهن وصية وقرأ آخرون بالرفع وصية على معنى كتب عليكم وصية واختارها ابن جرير ولا يمنعن من ذلك لقوله "غير إخراج" فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة الأشهر والعشر أو بوضع الحمل واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله "فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف" وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون منهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر وقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث إن أرادوا ما زاد على الأربعة الأشهر والعشر فمسلم وإن أرادوا أن سكنى الأربعة الأشهر وعشر لا تجب في تركة الميت فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي رحمه الله وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه عن سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم قالت فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أمر بي فنوديت له فقال كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به. ورواه النسائي أيضا وابن ماجه من طرق عن سعد بن إسحاق وبه قال الترمذي حسن صحيح.