Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
البقرة
Al-Baqarah
286 versets
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ
Et quand Abraham supplia: «O mon Seigneur, fais de cette cité un lieu de sécurité, et fais attribution des fruits à ceux qui parmi ses habitants auront cru en Allah et au Jour dernier», le Seigneur dit: «Et quiconque n'y aura pas cru, alors Je lui concèderai une courte jouissance [ici-bas], puis Je le contraindrai au châtiment du Feu [dans l'au-delà]. Et quelle mauvaise destination!»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى" وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم باللّه واليوم الآخر قال الإمام أبو جعفر بن جرير أخبرنا ابن بشار أخبرنا عبدالرحمن بن مهدي أخبرنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها" وهكذا رواه النسائي عن محمد بن بشار عن بندار به وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد كلاهما عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري وقال ابن جرير أيضا: أخبرنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس وأخبرنا أبو كريب أخبرنا عبدالرحيم الرازي قالا جميعا سمعنا أشعث عن نافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم كان عبداللّه وخليله وإني عبداللّه ورسوله وإن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها عضاهها وصيدها لا يحمل فيها سلاح لقتال ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير" وهذه الطريق غريبة ليست في شيء من الكتب الستة وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال "اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" ثم يدعو أصغر وليد فيعطيه ذلك الثمر وفي لفظ "بركة مع بركة" ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان - لفظ مسلم ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا قتيبة بن سعيد أخبرنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن أبي بكر بن محمد عن عبداللّه بن عمرو بن عثمان عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها" انفرد بإخراجه مسلم فرواه عن قتيبة عن بكر بن مضر به ولفظه كلفظه سواء وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة "التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نزل وقال في الحديث ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال "هذا جبل يحبنا ونحبه" فلما أشرف على المدينة قال "اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم" وفي لفظ لهما "بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم وبارك لهم في مدهم" زاد البخاري يعني أهل المدينة ولهما أيضا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلته بمكة من البركة" وعن عبدالله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة" رواه البخاري وهذا لفظه ولمسلم ولفظه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها. وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف اللهم بارك لنا في مدينتنا اللهم بارك لنا في صاعنا اللهم بارك لنا في مدنا اللهم اجعل مع البركة بركتين" الحديث رواه مسلم والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم عليه السلام لمكة لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل وقيل إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى والله أعلم. وقد وردت أحاديث أخر تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض كما جاء في الصحيحين عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال سول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها" فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال "إلا الإذخر" وهذا لفظ مسلم ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك ثم قال البخاري بعد ذلك: وقال أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم مثله وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبدالله بن ماجه عن محمد بن عبدالله بن نمير عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحق عن أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم بن يناق عن صفية بنت شيبة: قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب عام الفتح فقال "يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا يأخذ لقطتها إلا منشد" فقال العباس: إلا الإذخر فإنه للبيوت والقبور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا الإذخر" وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به - إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال "إن مكة حرمها اللّه ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة فإن أحدا ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب" فقيل لأبي شريح ما قال لك عمرو؟ قال أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارّا بدم ولا فارا بخربة رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه. فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم عليه السلام حرمها لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها وأنها لم تزل بلدا حراما عند الله قبل بناء إبراهيم عليه السلام لها كما أنه قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوبا عند الله خاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته ومع هذا قال إبراهيم عليه السلام "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم" الآية وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول اللّه أخبرنا عن بدء أمرك. فقال "دعوة أبي إبراهيم عليه السلام وبشرى عيسى ابن مريم ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام" أي أخبرنا عن بدء ظهور أمرك كما سيأتي قريبا إن شاء الله. وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله وبه الثقة. وقوله تعالى إخبارا عن الخليل أنه قال "رب اجعل هذا بلدا آمنا" أي من الخوف لا يرعب أهله وقد فعل الله ذلك شرعا وقدرا. كقوله تعالى "ومن دخله كان آمنا" وقوله "أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم" إلى غير ذلك من الآيات وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيه: وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح" وقال في هذه السورة "رب اجعل هذا البلد آمنا" أي اجعل هذه البقعة بلدا آمنا وناسب هذا لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا" وناسب هذا هناك لأنه والله أعلم كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به وبعد مولد إسحق الذي هو أصغر سنا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة ولهذا قال في آخر الدعاء "الحمد للّه الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربي لسميع الدعاء". وقوله تعالى "وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم باللّه واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير" قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال "ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير" قال هو قول الله تعالى وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير رحمه اللّه. قال وقرأ آخرون "قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير" فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم كما رواه أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول ذلك قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا وقال أبو جعفر عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد "ومن كفر فأمتعه قليلا" يقول ومن كفر فأرزقه رزقا قليلا أيضا "ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير" قال محمد بن إسحق لما عن لإبراهيم الدعوة على من أبى اللّه أن يجعل له الولاية انقطاعا إلى الله ومحبته وفراقا لمن خالف أمره وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا يناله عهده بخبر الله له بذلك. قال الله تعالى ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا وقال حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط عن عمار الذهبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى "رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر" قال ابن عباس كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس فأنزل اللّه ومن كفر أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير ثم قرأ ابن عباس "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا" رواه ابن مردويه وروى عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضا وهذا كقوله تعالى قل إن الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون" وقوله تعالى "ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن اللّه عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ" وقوله "ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين" وقوله "ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير" أي ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير ومعناه أن اللّه تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر كقوله تعالى "وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير" وفي الصحيحين "لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم" وفي الصحيح أيضا "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ قوله تعالى "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" وقرأ بعضهم "قال ومن كفر فأمتعه قليلا" الآية جعله من تمام دعاء إبراهيم وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة وتركيب السياق يأبى معناها واللّه أعلم فإن الضمير في قال راجع إلى اللّه تعالى في قراءة الجمهور والسياق يقتضيه وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في قال عائدا على إبراهيم وهذا خلاف نظم الكلام واللّه سبحانه هو العلام.
وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ
Et quand Abraham et Ismaël élevaient les assises de la Maison: «O notre Seigneur, accepte ceci de notre part! Car c'est Toi l'Audient, l'Omniscient
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وأما قوله تعالى" وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم" فالقواعد جمع قاعدة هي السارية والأساس يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البيت ورفعهما القواعد منه وهما يقولان "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وحكى القرطبي وغيره عن أبي وابن مسعود أنهما كانا يقرآن" وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل" ويقولان "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" "قلت" ويدل على هذا قولهما بعده "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" الآية فهما في عمل صالح وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي عن وهيب بن الورد أنه قرأ "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا" ثم يبكي ويقول يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى اللّه عن حال المؤمنين الخلص في قوله "والذين يؤتون ما آتوا" أي يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقرابات "وقلوبهم وجلة" أي خائفة أن لا يتقبل منهم كما جاء في الحديث الصحيح عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه. وقال بعض المفسرين الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم والداعي إسماعيل والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان كما سيأتي بيانه. وقد روى البخاري ههنا حديثا سنورده ثم نتبعه بآثار متعلقة بذلك. قال البخاري رحمه اللّه: حدثنا عبدالله بن محمد أخبرنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب ابن أبي وداعة - يزيد أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سيارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفا إبراهيم فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس؟ ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت آلله أمرك بهذا؟ قال نعم قالت: إذا لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم" حتى بلغ "يشكرون" وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم "فلذلك سعى الناس بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت "صه" - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا" قال فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائدا فقالوا إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا قال وأم إسماعيل عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت نعم. ولكن لا حق لكم في الماء عندنا قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس" فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا في جهد وشدة قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك وطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل قال ما طعامكم؟ قالت: اللحم قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي صلى الله عليه وسلم "ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم لدعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء اللّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه وصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن اللّه أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك قال: وتعينني. قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" ورواه عبد بن حميد عن عبدالرزاق به مطولا ورواه ابن أبي حاتم عن أبي عبداللّه محمد بن حماد الطبراني وابن جرير عن أحمد بن ثابت الرازي كلاهما عن عبدالرزاق به مختصرا. وقال أبو بكر بن مردويه أخبرنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل أخبرنا بشر بن موسى أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن عبدالملك بن جريج عن كثير بن كثير قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان وعبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير في أعلى المسجد ليلا فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل أن لا تروني فسألوه عن المقام فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس فذكر الحديث بطوله. ثم قال البخاري: حدثنا عبد اللّه بن محمد أخبرنا أبو عامر عبدالملك بن عمرو أخبرنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعهما تحت دوحة ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته أم إسماعيل حتى بلغوا كداء نادته من وراءه يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللّه قالت رضيت بالله. قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا فذهبت فصعدت الصفا فنظرت هل تحس أحدا فلم تحس أحدا فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة وفعلت ذلك أشواطا حتى أتمت سبعا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقرها نفسها فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا حتى أتمت سبعا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير فإذا جبريل عليه السلام قال: فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض قال فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم "لو تركته لكان الماء ظاهرا" فال فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها قال فمر ناس من جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك وقالوا ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فنظر فإذا هو بالماء فأتاهم فأخبرهم فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك ونسكن معك؟ فبلغ ابنها ونكح منهم امرأة قال ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال لأهله: إني مطلع تركتي قال فجاء فسلم فقال أين إسماعيل؟ قالت امرأته ذهب يصيد قال: قولي له إذا جاء غير عتبة بابك فلما أخبرته قال: أنت ذاك فاذهبي إلى أهلك قال ثم إنه بدا لإبراهيم فقال إن مطلع تركتي قال فجاء فقال أين إسماعيل؟ فقالت امرأته ذهب يصيد فقالت ألا تنزل فتطعم وتشرب فقال ما طعامكم وما شرابكم قالت طعامنا اللحم وشرابنا الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم "بركة بدعوة إبراهيم" قال ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال لأهله إني مطلع تركتي فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له فقال يا إسماعيل إن ربك عز وجل أمرني أن أبني له بيتا فقال أطع ربك عز وجل قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه فقال إذن أفعل - أو كما قال - قال فقام فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" قال حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة فقام على حجر المقام فجعل يناوله الحجارة ويقولان "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" هكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء. والعجب أن الحافظ أبا عبدالله الحاكم رواه في كتابه المستدرك عن أبي العباس الأصم عن محمد بن سنان القزاز عن أبي علي عبيد الله بن عبدالحنفي عن إبراهيم بن نافع به وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه كذا قال وقد رواه البخاري كما ترى من حديث إبراهيم بن نافع وكأن فيه اختصارا فإنه لم يذكر فيه شأن الذبح وقد جاء في الصحيح أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة وقد جاء أن إبراهيم عليه السلام كان يزور أهله بمكة على البراق سريعا ثم يعود إلى أهله بالبلاد المقدسة والله أعلم والحديث - والله أعلم - إنما فيه مرفوع أماكن صرح بها ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: أخبرنا مؤمل أخبرنا سفيان عن أبي إسحق عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلمه قال: يا إبراهيم ابنِ علَى ظلي أو قال على قدْري ولا تزد ولا تنقص فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقال هاجر يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ قال إلى الله قالت: انطلق فإنه لا يضيعنا قال: فعطش إسماعيل عطشا شديدا قال: فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا حتى أتت المروة فلم تر شيئا ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا ففعلت ذلك سبع مرات فقالت: يا إسماعيل مت حيث لا أراك فأتته وهو يفحص برجله من العطش فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم قال: فإلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى اللّه قال: وكلكما إلى كاف قال: ففحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم فجعلت تحبس الماء فقال: دعيه فإنه روي ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما وقد يحتمل أنه كان محفوظا أن يكون أولا وضع له حوطا وتحجيرا لا أنه بناه إلى أعلاه حتى كبر إسماعيل فبنياه معا كما قال اللّه تعالى. ثم قال ابن جرير أخبرنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن خالد بن عرعرة أن رجلا قام إلى علي رضي الله عنه فقال ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال لا؟ ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم من دخله كان آمنا وإن شئت أنبأتك كيف بني إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق إبراهيم بذلك ذرعا فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج ولها رأسان فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوت على موضع البيت كطي الجحفة وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم وبقي الحجر فذهب الغلام يبغي شيئا فقال إبراهيم لا أبغني حجرا كما آمرك قال فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه به فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه فقال: يا أبت من أتاك بهذا الحجر؟ فقال: أتاني به من لم يتكل على بنائك جاء به جبريل عليه السلام من السماء فأتماه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المقري أخبرنا سفيان عن بشر بن عاصم عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار قال: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق اللّه الأرض بأربعين عاما ومنه دحيت الأرض. قال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب أن إبراهيم أقبل من أرض أرمينية ومعه السكينة تدله على تبوء البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتا وقال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجر إلا ثلاثون رجلا فقلت يا أبا محمد فإن اللّه يقول "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل" قال كان ذلك بعد وقال السدي: إن اللّه عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود. فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت فبعث الله ريحا يقال لها الريح الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك حين يقول تعالى "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت" "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت" فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه ههنا. قال يا أبت إني كسلان لغب. قال علي ذلك فانطلق يطلب له حجرا وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن فقال يا أبت من جاءك بهذا؟ قال جاء به من هو أنشط منك فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيم ربه فقال "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" وفي هذا السـياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنيه قبل إبراهيم. وإنما هدي إبراهيم إليها وبوئ لها وقد ذهب إلى هذا ذاهبون كما قال الإمام عبدالرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت" قال القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك وقال عبدالرزاق أيضا أخبرنا هشام بن حسان عن سوار ختن عطاء عن عطاء ابن أبي رباح قال: لما أهبط آدم من الجنة كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاؤهم يأنس إليهم فهابت الملائكة حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها فخفضه الله تعالى إلى الأرض فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته فوجه إلى مكة فكان موضع قدميه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلى مكة وأنزل الله ياقوته من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن فلم يزل يطوف به حتى أنزل اللّه الطوفان فرفعت تلك الياقوتة حتى بعث اللّه إبراهيم عليه السلام فبناه. وذلك قول الله تعالى "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت" وقال عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال: قال آدم إني لا أسمع أصوات الملائكة قال بخطيئتك ولكن اهبط إلى الأرض فابن لي بيتا ثم أحفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل من حراء وطور زيتا وطور سيناء والجودي وكان ربضه من حراء فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم عليه السلام بعد وهذا صحيح إلى عطاء ولكن في بعضه نكارة واللّه أعلم. وقال عبدالرزاق أيضا أخبرنا معمر عن قتادة قال: وضع الله البيت مع آدم أهبط اللّه آدم إلى الأرض وكان مهبطه بأرض الهند وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض فكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعا فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله عز وجل فقال اللّه يا آدم إني قد أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي وتصلي عنده كما يصلي عند عرشي فانطلق إليه آدم فخرج ومد له في خطوه فكان بين كل خطوتين مفازة فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك فأتى آدم البيت فطاف به ومن بعده من الأنبياء. وقال ابن جرير: أخبرنا ابن حميد أخبرنا يعقوب العمي عن حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس قال: وضع اللّه البيت على أركان الماء على أربعة أركان فبل أن تخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحت البيت وقال محمد بن إسحاق حدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم إن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام أو خرج معه بإسماعيل وبأمه هاجر وإسماعيل طفل صغير يرضع وحملوا فيما حدثني على البراق ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم وخرج معه جبريل فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذا أمرت يا جبريل ؟ فيقول جبريل أمضه حتى قدم به مكة وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما ؟ قال نعم فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا فقال "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم" إلى قوله "لعلهم يشكرون" وقال عبد الرزاق أخبرنا هشام بن حسان أخبرني حميد عن مجاهد قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة وكذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد القواعد في الأرض السابعة وقال: ابن أبي حاتم حدثنا أبي أخبرنا عمر بن رافع أخبرنا عبد الوهاب بن معاوية عن عبد المؤمن بن خالد عن علياء بن أحمر أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل فقال مالكما ولأرضنا؟ فقال نحن عبدان مأموران أمرنا ببناء هذه الكعبة قالا فهاتا بالبينة على ما تدعينان فقامت خمسة أكبش فقلن نحن فشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة فقال قد رضيت وسلمت ثم مضى وذكر الأزرقي في تاريخ مكة إن ذا القرنين طاف مع إبراهيم عليه السلام بالبيت وهذا يدل على تقدم زمانه والله أعلم. وقال البخاري رحمه الله قوله تعالى "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل" الآية القواعد أساسه واحدها قاعدة والقواعد من النساء واحدتها قاعدة حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله أن عبدالله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبدالله بن عمر عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ألم تري أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم" فقلت يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال "لولا حدثان قومك بالكفر" فقال عبدالله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم عليه السلام وقد رواه في الحج عن القعنبي وفي أحاديث الأنبياء عن عبدالله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى ومن حديث ابن وهب والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم كلهم عن مالك به ورواه مسلم أيضا من حديث نافع قال سمعت عبدالله بن أبي بكر بن أبي قحافة يحدث عبدالله بن عمر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية - أو قال بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها الحجر" وقال البخاري أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحق عن الأسود قال: قال لي ابن الزبير كانت عائشة تسر إليك حديثا كثيرا فما حدثتك فى الكعبة قال: قلت قالت لي قال النبي صلى الله عليه وسلم "يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم - فقال ابن الزبير بكفر - لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين بابا يدخل منه الناس وبابا يخرجون منه" ففعله ابن الزبير انفرد بإخراجه البخاري فرواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه وقال مسلم في صحيحه حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشا حين بنت البيت استقصرت ولجعلت لها خلفا" قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا أخبرنا ابن نمير عن هشام بهذا الإسناد انفرد به مسلم: قال وحدثني محمد بن حاتم حدثني محمد بن مهدي أخبرنا سليم بن حبان عن سعيد يعني بن ميناء قال: سمعت عبدالله بن الزبير يقول حدثتني خالتي يعني عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم "يا عائشة لولا قومك حديث عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض ولجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" انفرد به أيضا. "ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل عليه السلام بمدد طويلة وقبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين" وقد نفل معهم في الحجارة وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين قال: قال محمد بن إسحق بن يسار في السيرة: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وإنما كانت رضما فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة وكان الذي وجد عنده الكنز دويك مولى بني مليح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها وكان بمكة رجل قبطي نجار فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة إلي كانت تطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة وكانت مما يهابون وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله إليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها قام بن وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس قال ابن إسحق والناس ينتحلون هذا الكلام للوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم قال ثم إن فريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم وكان شق الحجر لبني عبدالدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحطيم ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول اللهم لم ترع اللهم إنا لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم وهدم الناس معه حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم عليه السلام أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضا: قال فحدثني بعض من يروي الحديث بأن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضا أحدهما فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس. قال بن إسحق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن يعني الحجر الأسود فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا "لقعة الدم" فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم وكان عامئذ أسن قريش كلهم قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم: هلم إلي ثوبا فأتي به فأخذ الركن يعني الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ثم بنى عليه وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي "الأمين" فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها: عجبت لما تصوبت العقاب إلى الثعبان وهي لهـا اضـطراب وقد كانت يكون لها كشيش وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا إلى التأسيس شدت تهيبنا البناء وقد تهاب فلما أن خشينا الرجز جاءت عقاب تتلئب لها أنصباب فضمتها إليها ثـم خلت لنا البنيان ليس له حجاب فقمنا حاشدين إلى بناء لنا منه القواعد والتراب غداة نرفع التأسيس منه وليس على مساوينا ثياب أعز به المليك بني لؤي فليس لأصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدي ومرة قد تقدمهـا كلاب فبوأنا المليك بذاك عزا وعند الله يلتمس الثواب قال ابن إسحاق وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشر ذراعا وكانت تكسى القباطي ثم كسيت بعد البرود وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. "قلت" ولم تزل على بناء قريش حتى أحترقت في أول إمارة عبدالله بن الزبير بعد سنة ستين وفي آخر ولاية يزيد بن معاوية لما حاصروا ابن الزبير فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم عليه السلام وأدخل فيها الحجر وجعل لها بابا شرقيا وبابا غربيا ملصقين بالأرض كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله الحجاج فردها إلى ما كانت عليه بأمر عبدالملك بن مروان له بذلك كما قال مسلم بن الحجاج فى صحيحه أخبرنا هناد بن السري أخبرنا ابن أبي زائدة أخبرنا ابن أبي سليمان عن عطاء قال لما أحترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه بن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحزبهم أو يجيروهم على أهل الشام فلما صدر الناس: قال يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهى منها؟ قال بن عباس إنه قد خرق لي رأى فيها أرى أن تصلح ما وهى منها وتدع بيتا أسلم الناس عليه وأحجار أسلم الناس عليها وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن الزبير لو كان أحدهم أحترق بيته ما رضي حتى يجدده فكيف بيت ربكم عز وجل إنى مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء حتى صعده رجل فألقى منه حجارة فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور حتى أرتفع بناؤه وقال بن الزبير إنى سمعت عائشة رضي الله عنها تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم: قال "لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقويني على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ولجعلت له بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه" قال فأنا أجد ما أنفق ولست أخاف الناس قال: فزاد فيه خمسه أذرع من الحجر حتى أبدى له أسا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا فلما زاد فيه أستقصره فزاد في طوله عشرة أذرع وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه فلما قتل بن الزبير كتب الحجاج إلى عبدالملك يستجيزه بذلك ويخبره أن بن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبدالملك إنا لسنا من تلطيخ بن الزبير فى شيء أما ما زاده في طوله فأقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه فنقضه وأعاده إلى بنائه وقد رواه النسائي في سننه عن هناد عن يحيى بن أبي زائدة عن عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن بن الزبير عن عائشة بالمرفوع منه ولم يذكر القصة وقد كانت السنة أقرارا ما فعله عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما لأنه هو الذي وده رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن خشي أن تنكره قلوب بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام وقرب عهدهم من الكفر ولكن خفيت هذه السنة على عبدالملك بن مروان ولهذا لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وددنا أنا تركناه وما تولى كما قال مسلم: حدثني محمد بن حاتم حدثنا محمد بن بكر أخبرنا بن جريج سمعت عبدالله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة قال: عبدالله بن عبيد: وفد الحارث بن عبيد الله على عبدالملك بن مروان في خلافته فقل عبدالملك: ما أظن أبا حبيب يعني بن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها قال الحارث بلى أنا سمعته منها قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه" فأراها قريبا من سبعة أذرع هذا حديث عبدالله بن عبيد بن عمير وزاد عليه الوليد بن عطاء قال النبي صلى الله عليه وسلم "ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيا وغربيا وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها". قالت: قلت لا قال "تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه حتى يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط" قال عبدالملك فقلت للحارث أنت سمعتها تقول هذا؟ قال نعم قال فنكت ساعة بعصاه ثم قال وددت أنى تركت وما تحمل قال مسلم وحدثناه محمد بن عمرو بن جبلة حدثنا أبو عاصم ح وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق كلاهما عن بن جريج بهذا الإسناد مثل حديث أبي بكر قال: وحدثنا محمد بن حاتم حدثنا عبدالله بن بكر السهمي حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن أبي قزعة أن عبدالملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين يقول سمعتها تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة حتى أزيد فيها من الحجر فإن قومك قصروا في البناء" فقال الحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإنى سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة لأنه قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة عن الأسود بن يزيد والحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير فدل هذا على صواب ما فعله بن الزبير فلو ترك لكان جيدا ولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبيه المهدي أنه سأل الإمام مالكا عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله بن الزبير فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها فترك ذلك الرشيد نقله عياض والنووي ولا تزال - والله أعلم - هكذا إلى آخر الزمان إلى أن يخربها ذو السويقتين من الحبشة كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" أخرجاه وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كأني به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا" رواه البخاري وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده أخبرنا أحمد بن عبدالملك الحراني أخبرنا محمد بن سلمة عن بن إسحق عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله" - الفدع زيغ بين القدم وعظم الساق - وهذا والله أعلم إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج لما جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج".
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
Notre Seigneur! Fais de nous Tes Soumis, et de notre descendance une communauté soumise à Toi. Et montre nous nos rites et accepte de nous le repentir. Car c'est Toi certes l'Accueillant au repentir, le Miséricordieux
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم قال ابن جرير يعنيان بذلك وأجعلنا مستسلمين لأمرك خاضعين لطاعتك لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك ولا في العبادة غيرك وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا إسماعيل عن رجاء بن حبان الحصيني القرشي أخبرنا معقل بن عبيد الله عن عبد الكريم "واجعلنا مسلمين لك" قال مخلصين لك "ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" قال مخلصة وقال أيضا أخبرنا علي بن الحسين أخبرنا المقدمي أخبرنا سعيد بن عامر عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية "واجعلنا مسلمين" قال كانا مسلمين ولكنهما سألاه الثبات. وقال عكرمة "ربنا واجعلنا مسلمين لك" قال الله: قد فعلت "ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" قال الله قد فعلت. وقال السدي "ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" يعنيان العرب قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل وقد قال الله تعالى "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون". "قلت" وهذا الذي قاله بن جرير لا ينفيه السدي فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم والسياق إنما هو في العرب ولهذا قال بعده "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم" الآية. والمراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم وقد بعث فيهم كما قال تعالى "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم" ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود لقوله تعالى "قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا" وغير ذلك من الأدلة القاطعة وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله "والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما" وهذا القدر مرغوب فيه شرعا فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبدالله وحده لا شريك له ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام "إنى جاعلك للناس إماما" قال "ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين" وهو قوله "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا مات ابن آدم أنقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"" وأرنا مناسكنا" قال ابن جريج عن عطاء "وأرنا مناسكنا" أخرجها لنا وعلمناها وقال مجاهد "أرنا مناسكنا" مذابحنا وروى عن عطاء أيضا وقتادة نحو ذلك وقال سعيد بن منصور: أخبرنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد قال: قال إبراهيم "أرنا مناسكنا" فأتاه جبرائيل فأتى به البيت فقال أرفع القواعد فرفع القواعد وأتم البنيان ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا قال هذا من شعائر الله ثم انطلق به إلى المروة فقال: وهذا من شعائر الله ثم انطلق به نحو منى فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة فقال: كبر وارمه فكبر ورماه ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه فكبر ورماه فذهب الخبيث إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئا فلم يستطع فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام فقال هذا المشعر الحرام فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرات قال نعم وروى عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك وقال أبو داود الطيالسي أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي العاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس قال: إن إبراهيم لما أري أوامر المناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه إبراهيم ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى فقال: هذا مناخ الناس فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم أتى به إلى الجمرة الوسطى تعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم أتى به إلى الجمرة القصوى فعرض الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب فأتى به جمعا فقال: هذا المشعر ثم أتى به عرفة فقال هذه عرفة فقال له جبريل أعرفت؟.
رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ
Notre Seigneur! Envoie l'un des leurs comme messager parmi eux, pour leur réciter Tes versets, leur enseigner le Livre et la Sagesse, et les purifier. Car c'est Toi certes le Puissant, le Sage
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى إخبارا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولا منهم أي من ذرية إبراهيم وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق فى تعيين محمد صلوات الله وسلامه عليه رسولا في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجميين من الإنس والجن كما قال الإمام أحمد أخبرنا عبدالرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنى عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك; دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين" وكذلك رواه ابن وهب والليث وكاتبه عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح وتابعه أبو بكر بن أبي مريم عن سعيد بن سويد وقال الإمام أحمد أيضا أخبرنا أبو النضر أخبرنا الفرج أخبرنا لقمان بن عامر قال: سمعت أبا أمامة قال: قلت يا رسول الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى بي ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام" والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم عليه السلام ولم يزل ذكره في الناس مذكورا مشهورا سائرا حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبا وهو عيسى ابن مريم عليه السلام حيث قام في بني إسرائيل خطيبا وقال "إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" ولهذا قال في هذا الحديث "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ابن مريم". وقوله "ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام" قيل كان مناما رأته حين حملت به وقصته على قومها فشاع فيهم وأشتهر بينهم وكان ذلك توطئة وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله وبها ينزل عيسى ابن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها ولهذا جاء في الصحيحين "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" وفي صحيح البخاري "وهم بالشام" قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم" يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقيل له قد أستجيب لك وهو كائن في آخر الزمان وكذا قال السدي وقتادة وقوله تعالى "ويعلمهم" الكتاب" يعني القرآن" والحكمة" يعني السنة قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك وغيرهم وقيل الفهم في الدين ولا منافاة "ويزكيهم" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني طاعة الله والإخلاص وقال: محمد بن إسحق "ويعلمهم الكتاب والحكمة" قال يعلمهم الخير فيفعلوه والشر فيتقوه ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوه ليستكثروا من طاعته ويجتنبوا ما يسخطه من معصيته وقوله "إنك أنت العزيز الحكيم" أي العزيز الذي لا يعجزه شيء وهو قادر على كل شيء الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها وحكمته وعدله.
وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ
Qui donc aura en aversion la religion d'Abraham, sinon celui qui sème son âme dans la sottise? Car très certainement Nous l'avons choisi en ce monde; et, dans l'au-delà, il est certes du nombre des gens de bien
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تبارك وتعالى ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء فإنه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى فلم يدع معه غيره ولا أشرك به طرفة عين وتبرأ من كل معبود سواه وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه فقال يا قوم "إنى بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين" وقال تعالى "وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه أنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين" وقال تعالى "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم" وقال تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين" ولهذا وأمثاله قال تعالى: "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه" أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا كله قال تعالى: "إن الشرك لظلم عظيم" قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود أحدثوا طريقا ليست من عند الله وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين".