Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
القصص
Al-Qasas
88 versets
إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ
Tu [Muhammad] ne diriges pas celui que tu aimes: mais c'est Allah qui guide qui Il veut. Il connaît mieux cependant les bien-guidés
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إنك يا محمد "لاتهدي من أحببت" أي ليس إليك ذلك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة كما قال تعالى: "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء". وقال تعالى: "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وهذه الآية أخص من هذا كله فإنه قال: "إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حبا شديدا طبعيا لا شرعيا فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام فسبق القدر فيه واختطف من يده فاستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة التامة. قال الزهري حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب بن حزن المخزومي قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال هو على ملة عبدالمطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لاستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله تعالى: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى" وأنزل في أبي طالب "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" أخرجاه من حديث الزهري وهكذا رواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" فقال لولا أن تعيرني بها قريش يقولون ما حمله عليه إلا جزع الموت لأقررت بها عينك لا أقولها إلا لأقر بها عينك نزل الله تعالى "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان عن يزيد بن كيسان حدثني أبو حازم عن أبي هريرة فذكره بنحوه وهكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لا إله إلا الله فأبى عليه ذلك وقال أي ابن أخي ملة الأشياخ وكان آخر ما قاله هو على ملة عبدالمطلب وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة حدثنا عبدالله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن أبي راشد قال كان رسول قيصر جاء إلي قال كتب معي قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فأتيته فدفعت الكتاب فوضعه في حجره ثم قال: "ممن الرجل؟ " قلت من تنوخ قال: "هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟" قلت إني رسول قوم وعلى دينهم حتى أرجع إليهم فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إلى أصحابه وقال: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".
وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ
Et ils dirent: «Si nous suivons avec toi la bonne voie, on nous arrachera de notre terre». - Ne les avons-Nous pas établis dans une enceinte sacrée, sûre, vers laquelle des produits de toute sorte sont apportés comme attribution de Notre part? Mais la plupart d'entre eux ne savent pas
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله تعالى: "وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" يقول تعالى مخبرا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" أي نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى والمحاربة ويتخطفونا أينما كنا قال الله تعالى مجيبا لهم "أو لم نمكن لهم حرما آمنا" يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين وحرم معظم آمن منذ وضع فكيف يكون هذا الحرم آمنا لهم في حال كفرهم وشركهم ولا يكون آمنا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟ وقوله تعالى: "يجبى إليه ثمرات كل شيء" أي من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره وكذلك المتاجر والأمتعة "رزقا من لدنا" أي من عندنا "ولكن أكثرهم لا يعلمون" ولهذا قالوا ما قالوا وقد قال النسائي أنبأنا الحسن بن محمد حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بن شعيب عن ابن عباس ولم يسمعه منه أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا".
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ
Et combien avons-Nous fait périr de cités qui étaient ingrates (alors que leurs habitants vivaient dans l'abondance), et voilà qu'après eux leurs demeures ne sont que très peu habitées, et c'est Nous qui en fûmes l'héritier
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى معرضا بأهل مكة في قوله تعالى: "وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها" أي طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق كما قال في الآية الأخرى "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان -إلى قوله - فأخذهم العذاب وهم ظالمون" ولهذا قال تعالى: "فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا" أي دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم وقوله تعالى: "وكنا نحن الوارثين" أي رجعت خرابا ليس فيها أحد وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا عن ابن مسعود أنه سمع كعبا يقول لعمر: إن سليمان عليه السلام قال للهامة - يعني البومة - مالك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم من الجنة بسببه قال فمالك لا تشربين الماء؟ قالت لأن الله تعالى أغرق قوم نوح به قال فمالك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت لأنه ميراث الله تعالى ثم تلا "وكنا نحن الوارثين" ثم قال تعالى مخبرا عن عدله وأنه لا يهلك أحدا ظالما له وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم.
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ
Ton Seigneur ne fait pas périr des cités avant d'avoir envoyé dans leur métropole un Messager pour leur réciter Nos versets. Et Nous ne faisons périr les cités que lorsque leurs habitants sont injustes
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قال: "وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها" وهي مكة "رسولا يتلوا عليهم آياتنا" فيه دلالة على أن النبي الأمي وهو محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث من أم القرى رسول إلى جميع القرى من عرب وأعجام كما قال تعالى: "لتنذر أم القرى ومن حولها" وقال تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" وقال: "لأنذركم به ومن بلغ" وقال: "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده" وتمام الدليل قوله تعالى: "وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا" فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة وقد قال تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى لأنه مبعوث إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها وثبت في الصحيحين عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" ولهذا ختم به النبوة والرسالة فلا نبي بعده ولا رسول بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة وقيل المراد بقوله: "حتى يبعث في أمها رسولا" أي أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما وليس ببعيد.
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ
Tout ce qui vous a été donné est la jouissance éphémère de la vie ici-bas et sa parure, alors que ce qui est auprès d'Allah est meilleur et plus durable... Ne comprenez-vous donc pas
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم كما قال تعالى: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق" وقال: "وما عند الله خير للأبرار" وقال: "وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع" وقال تعالى: "بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر ماذا يرجع إليه" وقوله تعالى: "أفلا تعقلون" أي أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة.