Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
مريم
Maryam
98 versets
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ
Certes, Allah est mon Seigneur tout comme votre Seigneur. Adorez-le donc. Voilà un droit chemin»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم" أي ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته فقال "فاعبدوه هذا صراط مستقيم" أي هذا الذي جئتكم به عن الله "صراط مستقيم" أي قويم من اتبعه رشد وهدي ومن خالفه ضل وغوى.
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ
[par la suite,] les sectes divergèrent entre elles. Alors, malheur aux mécréants lors de la vue d'un jour terrible
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله: "فاختلف الأحزاب من بينهم" أي اختلف قول أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فصممت طائفة منهم وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله على أنه ولد زنية وقالوا كلامه هذا سحر وقالت طائفة أخرى إنما تكلم الله وقال آخرون بل هو ابن الله وقال آخرون ثالث ثلاثة وقال آخرون بل هو عبدالله ورسوله وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. قال عبدالرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون" قال اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع فقال بعضهم هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية فقال الثلاثة كذبت ثم قال اثنان منهم للثالث قل أنت فيه قال هو ابن الله وهم النسطورية فقال الاثنان كذبت ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه فقال هو ثالث ثلاثة الله إله وهو إله وأمه إله وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله قال الرابع كذبت بل هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا فاقتتلوا وظهر على المسلمين وذلك قول الله تعالى "ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس" قال قتادة وهم الذين قال الله "فاختلف الأحزاب من بينهم" قال اختلفوا فيه فصاروا أحزابا وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعن عروة بن الزبير عن بعض أهل العلم قريبا من ذلك وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا فاختلفوا في عيسى ابن مريم عليه السلام اختلافا متباينا جدا فقالت كل شرذمة فيه قولا فمائة تقول فيه شيئا وسبعون تقول فيه قولا آخر وخمسون تقول شيئا آخر ومائة وستون تقول شيئا ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلثمائة وثمانية منهم اتفقوا على قول وصمموا عليه فمال إليهم الملك وكان فيلسوفا فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم فوضعوا له الأمانة الكبيرة بل هي الخيانة العظيمة ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء وابتدعوا بدعا كثيرة وحرفوا دين المسيح وغيروه فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها بلاد الشام والجزيرة والروم فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف كنيسة وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي يزعم اليهود أنه المسيح وقد كذبوا بل رفعه الله إلى السماء وقوله "فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم" تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى وزعم أن له ولدا ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة وأجلهم حلما وثقة بقدرته عليهم فإنه الذي لا يعجل على من عصاه كما جاء في الصحيحين " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم " وقد قال الله تعالى "وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير" وقال تعالى "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار" ولهذا قال ههنا "فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم" أي يوم القيامة. وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق- على صحته عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ".
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ
Comme ils entendront et verront bien le jour où ils viendront à Nous! Mais aujourd'hui, les injustes sont dans un égarement évident
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى مخبرا عن الكفار يوم القيامة أنهم يكونون أسمع شيء وأبصره كما قال تعالى "ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا" الآية أي يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئا ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لكان نافعا لهم ومنقذا من عذاب الله ولهذا قال "أسمع بهم وأبصر" أي ما أسمعهم وأبصرهم "يوم يأتوننا" يعني يوم القيامة "لكن الظالمون اليوم" أي في الدنيا "في ضلال مبين" أي لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك.
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ
Et avertis-les du jour du Regret, quand tout sera réglé; alors qu'ils sont [dans ce monde] inattentifs et qu'ils ne croient pas
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم قال تعالى "وأنذرهم يوم الحسرة" أي أنذر الخلائق يوم الحسرة "إذ قضي الأمر" أي فصل بين أهل الجنة وأهل النار وصار كل إلى ما صار إليه مخلدا فيه "وهم" أي اليوم "في غفلة" عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة "وهم لا يؤمنون" أي لا يصدقون به قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت - قال - فيقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت - قال - فيؤمر به فيذبح قال ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون" وأشار بيده ثم قال " أهل الدنيا في غفلة الدنيا " هكذا رواه الإمام أحمد وقد خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به ولفظهما قريب من ذلك وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة حدثنى أسباط بن محمد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا مثله وفي سنن ابن ماجه وغيره من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه وهو في الصحيحين عن ابن عمر ورواه ابن جريج قال: قال ابن عباس فذكر من قبله نحوه ورواه أيضا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه يؤتى بالموت كأنه دابة فيذبح والناس ينظرون وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل حدثنا أبو الزعراء عن عبدالله هو ابن مسعود في قصة ذكرها قال فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة ويقال لهم لو علمتهم فتأخذهم الحسرة قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار فيقال لهم لولا أن الله من عليكم وقال السدي عن زياد عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في قوله "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر" قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار ثم ينادي مناد يا أهل الجنة هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه ثم ينادي مناد يا أهل النار هذا الموت الذى كان يميت الناس في الدنيا فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه ثم يذبح بين الجنة والنار ثم ينادى يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتا من فرح ماتوا ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتا من شهقة ماتوا فذلك قوله تعالى "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر" يقول إذا ذبح الموت رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "وأنذرهم يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "وأنذرهم يوم الحسرة" قال يوم القيامة وقرأ "أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله".
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ
C'est Nous, en vérité, qui hériterons la terre et tout ce qui s'y trouve, et c'est à Nous qu'ils seront ramenés
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله: "إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون"يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم الحاكم فيهم فلا تظلم نفس شيئا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة قال ابن أبي حاتم ذكر هدبة بن خالد القيسي حدثنا حزم بن أبي حزم القطعي قال: كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عبدالحميد بن عبدالرحمن صاحب الكوفة: أما بعد فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت فجعل مصيرهم إليه وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذى حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على حفظه أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون.