Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
مريم
Maryam
98 versets
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا
Il dit: «Ainsi sera-t-il! Cela M'est facile, a dit ton Seigneur! Et Nous ferons de lui un signe pour les gens, et une miséricorde de Notre part. C'est une affaire déjà décidée»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
"قال كذلك قال ربك هو على هين" أي فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت إن الله قد قال إنه سيوجد منك غلاما وإن لم يكن لك بعل ولا يوجد منك فاحشة فإنه على ما يشاء قادر ولهذا قال "ولنجعله آية للناس" أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم فخلق آباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه وقوله "ورحمة منا" أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله نبيا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده كما قال تعالى في الآية الأخرى "إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين" أي يدعو إلى عبادة ربه في مهده وكهولته قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبدالرحيم بن إبراهيم حدثنا مروان حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي عن مجاهد قال: قالت مريم عليها السلام كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر وقوله "وكان أمرا مقضيا" يحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها كما قال تعالى "ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا" وقال "والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا" قال محمد بن إسحاق "وكان أمرا مقضيا" أي إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد واختار هذا أيضا ابن جرير في تفسيره ولم يحك غيره والله أعلم.
۞فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا
Elle devint donc enceinte [de l'enfant], et elle se retira avec lui en un lieu éloigné
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال إنها استسلمت لقضاء الله تعالى فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل عليه السلام عند ذلك نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن الله تعالى فلما حملت به ضاقت ذرعا ولم تدر ماذا تقول للناس فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا وذلك أن زكريا عليه السلام كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك فحملت امرأته فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها وقالت أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم وهل علمت أيضا أني حبلى وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها وكانوا بيت إيمان وتصديق ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن مريم أي يعظمه ويخضع له فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا كما سجد ليوسف أبواه وإخوته وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين قال قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع أخبرنا عبدالرحمن بن القاسم قال: قال مالك رحمه الله بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة وكان حملهما جميعا معا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك قال مالك أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام لأن الله جعله يحي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر وقال عكرمة ثمانية أشهر قال ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر وقال ابن جريج أخبرني المغيرة بن عتبة بن عبدالله الثقفي سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم قال لم يكن إلا أن حملت فوضعت وهذا غريب وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى "فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة" فالفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه كقوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما" فهذه الفاء للتعقيب بحسبها وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوما وقال تعالى "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة" فالمشهور الظاهر والله على كل شيء قدير أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه فحمل نفسه على أن عرض لها في القول فقال يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت وما هو؟ قال هل يكون قط شجر من غير حب وهل يكون زرع من غير بذر وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت نعم وفهمت ما أشار إليه أما قولك هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر وهل يكون ولد من غير أب فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم فصدقها وسلم لها حالها ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة انتبذت منهم مكانا قصيا أي قاصيا منهم بعيدا عنهم لئلا تراهم ولا يروها قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون حتى فطر لسانها فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا إنما صاحبها يوسف ولم يكن معها في الكنيسة غيره وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجابا فلا يراها أحد ولا تراه.
فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا
Puis les douleurs de l'enfantement l'amenèrent au tronc du palmier, et elle dit: «Malheur à moi! Que je fusse morte avant cet instant! Et que je fusse totalement oubliée!»
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
وقوله "فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة" أي فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع نخلة في المكان الذي تنحت إليه وقد اختلفوا فيه فقال السدي كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس وقال وهب بن منبه ذهبت هاربة فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق وفي رواية عن وهب كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها بيت لحم قلت وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي عن أنس رضي عنه والبيهقي عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن ذلك ببيت لحم فالله أعلم; وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم وقد تلقاه الناس وقد ورد به الحديث إن صح وقوله تعالى إخبارا عنها "قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا" فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ولا يصدقونها في خبرها وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية فقالت "يا ليتني مت قبل هذا" أي قبل هذا الحال "وكنت نسيا منسيا" أي لم أخلق ولم أك شيئا قاله ابن عباس وقال السدي قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل "وكنت نسيا منسيا" نسي فترك طلبه كخرق الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي وقال قتادة "وكنت نسيا منسيا" أي شيئا لا يعرف ولا يذكر ولا يدري من أنا وقال الربيع بن أنس "وكنت نسيا منسيا" هو السقط وقال ابن زيد لم أكن شيئا قط وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله "توفني مسلما وألحقني بالصالحين".
فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا
Alors, il l'appela d'au-dessous d'elle, [lui disant:] «Ne t'afflige pas. Ton Seigneur a placé à tes pieds une source
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
قرأ بعضهم من تحتها بمعنى الذي تحتها وقرأ الآخرون من تحتها على أنه حرف جر واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس "فناداها من تحتها" جبريل ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة إنه الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام أي ناداها من أسفل الوادي وقال مجاهد "فناداها من تحتها" قال عيسى ابن مريم وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال الحسن هو ابنها وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير أنه ابنها قال أو لم تسمع الله يقول "فأشارت إليه" واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره وقوله: "أن لا تحزني" أي ناداها قائلا لا تحزني "قد جعل ربك تحتك سريا" قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب "قد جعل ربك تحتك سريا" قال الجدول وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السري النهر وبه قال عمرو بن ميمون نهر تشرب منه وقال مجاهد هو النهر بالسريانية وقال سعيد بن جبير السري النهر الصغير بالنبطية وقال الضحاك هو النهر الصغير بالسريانية وقال إبراهيم النخعي هو النهر الصغير وقال قتادة هو الجدول بلغة أهل الحجاز وقال وهب بن منبه: السري هو ربيع الماء وقال السدي هو النهر واختار هذا القول ابن جرير وقد ورد في ذلك حديث مرفوع فقال الطبراني حدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا يحيى بن عبدالله البابلي حدثنا أيوب بن نهيك سمعت عكرمة مولى ابن عباس سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن السري الذي قال الله لمريم "قد جعل ربك تحتك سريا" نهر أخرجه الله لتشرب منه وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي قال فيه أبو حاتم الرازي ضعيف وقال أبو زرعة منكر الحديث وقال أبو الفتح الأزدي متروك الحديث وقال آخرون المراد بالسري عيسى عليه السلام وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر وهو إحدى الروايتين عن قتادة وقول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم والقول الأول أظهر.
وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا
Secoue vers toi le tronc du palmier: il fera tomber sur toi des dattes fraîches et mûres
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ولهذا قال بعده "وهزي إليك بجذع النخلة" أي وخذي إليك بجذع النخلة قيل كانت يابسة قاله ابن عباس وقيل مثمرة قال مجاهد كانت عجوة وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى كانت صرفانة والظاهر أنها كانت شجرة ولكن لم تكن في إبان ثمرها قاله وهب بن منبه ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاما وشرابا فقال "تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا" أي طيبي نفسا ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب ثم تلا هذه الآية الكريمة وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا شيبان حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن رويم عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام وليس من الشجر شيء يلقح غيرها" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أطعموا نساءكم الولد الرطب فإن لم يكن رطب فتمر وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران" هذا حديث منكر جدا ورواه أبو يعلى عن شيبان به وقرأ بعضهم "تساقط" بتشديد السين وآخرون بتخفيفها وقرأ أبو نهيك "تسقط عليك رطبا جنيا" وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها "يساقط" أي الجذع والكل متقارب.