Tafsir Ibn Kathir
Hafiz Ibn Kathir
النحل
An-Nahl
128 versets
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّـٰرِبِينَ
Il y a certes un enseignement pour vous dans les bestiaux: Nous vous abreuvons de ce qui est dans leurs ventres, - [un produit] extrait du [mélange] des excréments [intestinaux] et du sang - un lait pur, délicieux pour les buveurs
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يقول تعالى "وإن لكم" أيها الناس "في الأنعام" وهى الإبل والبقر والغنم "لعبرة" أي لآية ودلالة حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه "نسقيكم مما في بطونه" أفرده ههنا عودا على معنى النعم أو الضمير عائد على الحيوان فإن الأنعام حيوانات أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان وفي الآية الأخرى مما في بطونها ويجوز هذا وهذا كما في قوله تعالى "كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره" وفي قوله تعالى "وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان" أي المال وقوله "من بين فرث ودم لبنا خالصا" أي يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته فيصرف منه دم إلى العروق ولبن إلى الضَّرع وبول إلى المثانة وروث إلى المخرج وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به وقوله "لبنا خالصا سائغا للشاربين" أي لا يغص به أحد.
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ
Des fruits des palmiers et des vignes, vous retirez une boisson enivrante et un aliment excellent. Il y a vraiment là un signe pour des gens qui raisonnent
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه ولهذا امتن به عليهم فقال "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا" دل على إباحته شرعا قبل تحريمه ودل على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل والمتخذ من العنب كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل كما جاءت السنة بتفصيل ذلك وليس هذا موضع بسط ذلك كما قال ابن عباس في قوله "سكرا ورزقا حسنا" قال السكر ما حرم من ثمرتيهما والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما وفي رواية السكر حرامه والرزق الحسن حلاله يعني ما يبس منهما من تمر وزبيب وما عمل منهما من طلاء وهو الدبس وخل ونبيذ حلال يشرب قبل أن يشتد كما وردت السنة بذلك "إن في ذلك لآية لقوم يعقلون " ناسب ذكر العقل ههنا فإنه أشرف ما في الإنسان ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها قال الله تعالى "وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون".
وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ
[Et voilà] ce que ton Seigneur révéla aux abeilles: «Prenez des demeures dans les montagnes, les arbres, et les treillages que [les hommes] font
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
المراد بالوحى هنا الإلهام والهداية والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها ومن الشجر ومما يعرشون ثم محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها بحيث لا يكون في بيتها خلل.
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ
Puis mangez de toute espèce de fruits, et suivez les sentiers de votre Seigneur, rendus faciles pour vous. De leur ventre, sort une liqueur, aux couleurs variées, dans laquelle il y a une guérison pour les gens. Il y a vraiment là une preuve pour des gens qui réfléchissent
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها أي مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل فتبني الشمع من أجنحتها وتقيء العسل من فيها وتبيض الفراخ من دبرها ثم تصبح إلى مراعيها وقال قتادة وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم "فاسلكي سبل ربك ذللا" أي مطيعة فجعلاه حالا من السالكة قال ابن زيد وهو كقول الله تعالى "وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون" قال: ألا ترى أنهم ينقلون النحل ببيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم؟ والقول الأول هو الأظهر وهو أنه حال من الطريق أي فاسلكيها مذللة لك نص عليه مجاهد وقال ابن جرير كلا القولين صحيح وقد قال أبو يعلى الموصلي حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا مكين بن عبدالعزيز عن أبيه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عمر الذباب أربعون يوما والذباب كله في النار إلا النحل" وقوله تعالى "يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس "ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها. وقوله " فيه شفاء للناس "أي في العسل شفاء للناس أي من أدواء تعرض لهم قال بعض من تكلم على الطب النبوي لو قال فيه الشفاء للناس لكان دواء لكل داء ولكن قال فيه شفاء للناس أي يصلح لكل أحد من أدواء باردة فإنه حار والشيء يداوى بضده وقال مجاهد وابن جرير في قوله "فيه شفاء للناس" يعني القرآن وهذا قول صحيح في نفسه ولكن ليس هو الظاهر ههنا من سياق الآية فإن الآية إنما ذكر فيها العسل ولم يتابع مجاهد على قوله ههنا وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" وقوله تعالى "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين" والدليل على أن المراد بقوله تعالى "فيه شفاء للناس" هو العسل الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية قتادة عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أخي استطلق بطنه فقال "اسقه عسلا" فدهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا قال "اذهب فاسقه عسلا" فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا" فذهب فسقاه عسلا فبرئ. قال بعض العلماء بالطب كان هذا الرجل عنده فضلات فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالا فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه ثم سقاه فازداد التحليل والدفع ثم سقاه فكذلك فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه وصلح مزاجه واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام; وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الحلواء والعسل هذا لفظ البخاري. وفي صحيح البخاري من حديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنهى أمتى عن الكي". وقال البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا عبدالرحمن بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة سمعت جابر بن عبدالله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم خير: ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي ". ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة عن جابر به. وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحاق أنبأنا عبدالله أنبأنا سعيد بن أبي أيوب حدثنا عبدالله بن الوليد عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم أو شربة عسل أو كية تصيب ألما وأنا أكره الكي ولا أحبه". ورواه الطبراني عن هارون بن سلول المصري عن أبي عبدالرحمن المقري عن عبدالله بن الوليد به. ولفظه "إن كان في شئ شفاء: فشرطة محجم".وذكره وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه وقال الإمام أبو عبدالله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه حدثنا علي بن سلمة هو التغلبي حدثنا زيد بن حباب; حدثنا سفيان عن أبي إسحاق; عن أبي الأحوص بن عبدالله هو ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليكم بالشفاءين العسل والقرآن" وهذا إسناد جيد تفرد بإخراجه ابن ماجه مرفوعا. وقد رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن سفيان هو الثوري موقوفا وله شبه. وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحيفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهما عن طيب نفس منها فليشتر به عسلا فليشربه كذلك فإنه شفاء: أي من وجوه قال الله تعالى " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" وقال "وأنزلنا من السماء ماء مباركا" وقال "فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا" وقال في العسل "فيه شفاء للناس" وقال ابن ماجه أيضا: حدثنا محمود بن خداش حدثنا سعيد بن زكريا القرشي حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي عن عبدالحميد بن سالم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء" الزبير بن سعيد متروك وقال ابن ماجه أيضا حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي حدثنا عمرو بن بكير السكسكي حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة سمعت أبا أبي ابن أم حرام وكان قد صلى القبلتين يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام".قيل يا رسول الله وما السام؟ قال "الموت" قال عمرو قال ابن أبي عبلة السنوت الشبت وقال آخرون بل هو العسل الذي في زقاق السمن وهو قول الشاعر: هم السمن بالسنوت لا لبس فيهم وهم يمنعون الجار أن يقردا كذا رواه ابن ماجه; وقوله لا لبس فيهم أي لا خلط وقوله يمنعون الجار أن يقردا أي يضطهد ويظلم وقوله "إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون "أي إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامه والاجتناء من سائر الثمار ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب الأشياء لآية لقوم يتفكرون في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم.
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ
Allah vous a créés! Puis Il vous fera mourir. Tel parmi vous sera reconduit jusqu'à l'âge le plus vil, de sorte qu'après avoir su, il arrive à ne plus rien savoir. Allah est, certes, Omniscient et Omnipotent
Tafsir Ibn Kathir — Hafiz Ibn Kathir
يخبر تعالى عن تصرفه في عباده وأنه هو الذي أنشأهم من العدم ثم بعد ذلك يتوفاهم ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم وهو الضعف في الخلقة كما قال تعالى "الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة" الآية. وقد روي عن علي رضي الله عنه أرذل العمر خمس وسبعون سنة وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف وسوء الحفظ وقلة العلم ولهذا قال "لكيلا يعلم بعد علم شيئا" أي بعد ما كان عالما أصبح لا يدري شيئا من الفند والخرف ولهذا روى البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا هارون بن موسى أبو عبدالله الأعور عن شعيب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو "أعوذ بك من البخل والكسل والهرم وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات" وقال زهير بن أبي سلمة في معلقته المشهورة. سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين عاما لا أبالك يسأم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم.