Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
الإسراء
Al-Isra
111 versets
وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا
«Et donne au proche parent ce qui lui est dû ainsi qu'au pauvre et au voyageur (en détresse). Et ne gaspille pas indûment
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرافيه مسائل :الأولى : قوله تعالى : وآت ذا القربى حقه أي كما راعيت حق الوالدين فصل الرحم ، ثم تصدق على المسكين وابن السبيل . وقال علي بن الحسين في قوله - تعالى - : وآت ذا القربى حقه : هم قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أمر - صلى الله عليه وسلم - بإعطائهم حقوقهم من بيت المال ، أي من سهم ذوي القربى من الغزو والغنيمة ، ويكون خطابا للولاة أو من قام مقامهم . والحق في هذه الآية ما يتعين من صلة الرحم ، وسد الخلة ، والمواساة عند الحاجة بالمال ، والمعونة بكل وجه .الثانية : قوله تعالى : ولا تبذر أي لا تسرف في الإنفاق في غير حق . قال الشافعي - رضي الله عنه - : والتبذير إنفاق المال في غير حقه ، ولا تبذير في عمل الخير . وهذا قول الجمهور . وقال أشهب عن مالك : التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه ، وهو الإسراف ، وهو حرام لقوله - تعالى - : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين
إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا
car les gaspilleurs sont les frères des diables; et le Diable est très ingrat envers son Seigneur
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
" إخوان " يعني أنهم في حكمهم ; إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين ، أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم ، أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار ; ثلاثة أقوال . والإخوان هنا جمع أخ من غير النسب ; ومنه قوله - تعالى - : إنما المؤمنون إخوة . وكان الشيطان لربه كفورا أي احذروا متابعته والتشبه به في الفساد . والشيطان اسم الجنس .وقرأ الضحاك " إخوان الشيطان " على الانفراد ، وكذلك ثبت في مصحف أنس بن مالك - رضي الله عنه - .من أنفق ماله في الشهوات زائدا على قدر الحاجات وعرضه بذلك للنفاد فهو مبذر . ومن أنفق ربح ماله في شهواته وحفظ الأصل أو الرقبة فليس بمبذر . ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر ، ويحجر عليه في نفقته الدرهم في الحرام ، ولا يحجر عليه إن بذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد .
وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا
Si tu t'écartes d'eux à la recherche d'une miséricorde de Ton Seigneur, que tu espères, adresse-leur une parole bienveillante
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا فيه ثلاث مسائل :الأولى : أنه - سبحانه وتعالى - خص نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها . وهو تأديب عجيب وقول لطيف بديع ، أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم . وإنما يجوز أن تعرض عنهم عند عجز يعرض وعائق يعوق ، وأنت عند ذلك ترجو من الله - سبحانه وتعالى - فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل ; فإن قعد بك الحال فقل لهم قولا ميسورا .الثانية : في سبب نزولها ; قال ابن زيد : نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأبى أن يعطيهم ; لأنه كان يعلم منهم نفقة المال في فساد ، فكان يعرض عنهم رغبة في الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم . وقال عطاء الخراساني في قوله - تعالى - وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها قال : ليس هذا في ذكر الوالدين ، جاء ناس من مزينة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحملونه ; فقال : لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ; فأنزل الله - تعالى - : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها . والرحمة الفيء . والضمير في عنهم عائد على من تقدم ذكرهم من الآباء والقرابة والمساكين وأبناء السبيل .الثالثة : قوله تعالى : فقل لهم قولا ميسورا أمره بالدعاء لهم ، أي يسر فقرهم عليهم بدعائك لهم . وقيل : ادع لهم دعاء يتضمن الفتح لهم والإصلاح . وقيل : المعنى وإما تعرضن أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم لضيق يد فقل لهم قولا ميسورا ; أي أحسن [ ص: 225 ] القول وابسط العذر ، وادع لهم بسعة الرزق ، وقل إذا وجدت فعلت وأكرمت ; فإن ذلك يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة . وكان - عليه الصلاة والسلام - إذا سئل وليس عنده ما يعطي سكت انتظارا لرزق يأتي من الله - سبحانه وتعالى - كراهة الرد ، فنزلت هذه الآية ، فكان - صلى الله عليه وسلم - إذا سئل وليس عنده ما يعطي قال : يرزقنا الله وإياكم من فضله . فالرحمة على هذا التأويل الرزق المنتظر . وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة . و قولا ميسورا أي لينا لطيفا طيبا ، مفعول بمعنى الفاعل ، من لفظ اليسر كالميمون ، أي وعدا جميلا ، على ما بيناه . ولقد أحسن من قال :إلا تكن ورق يوما أجود بها للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقيإما نوالي وإما حسن مردوديتقول : يسرت لك كذا إذا أعددته .
وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا
Ne porte pas ta main enchaînée à ton cou [par avarice], et ne l'étend pas non plus trop largement, sinon tu te trouveras blâmé et chagriné
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك هذا مجاز عبر به عن البخيل الذي لا يقدر من قلبه على إخراج شيء من ماله ; فضرب له مثل الغل الذي يمنع من التصرف باليد . وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها . قال أبو هريرة - رضي الله عنه - : فأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بأصبعيه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع .الثانية : ولا تبسطها كل البسط ضرب بسط اليد مثلا لذهاب المال ، فإن قبض الكف يحبس ما فيها ، وبسطها يذهب ما فيها . وهذا كله خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته ، [ ص: 226 ] وكثيرا ما جاء في القرآن ; فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان سيدهم وواسطتهم إلى ربهم عبر به عنهم على عادة العرب في ذلك . وأيضا فإنه - عليه الصلاة والسلام - لم يكن يدخر شيئا لغد ، وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه من الجوع . وكان كثير من الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أموالهم ، فلم يعنفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم . وإنما نهى الله - سبحانه وتعالى - عن الإفراط في الإنفاق ، وإخراج ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج من يده ، فأما من وثق بموعود الله - عز وجل - وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية ، والله أعلم . وقيل : إن هذا الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - في خاصة نفسه ، علمه فيه كيفية الإنفاق ، وأمره بالاقتصاد . قال جابر وابن مسعود : جاء غلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أمي تسألك كذا وكذا . فقال : ما عندنا اليوم شيء . قال : فتقول لك اكسني قميصك ; فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت عريانا . وفي رواية جابر : فأذن بلال للصلاة وانتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج ، واشتغلت القلوب ، فدخل بعضهم فإذا هو عار ; فنزلت هذه الآية . وكل هذا في إنفاق الخير . وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام ، كما تقدم .الثالثة : نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما يطرأ أولا من سؤال المؤمنين ; لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له ، أو لئلا يضيع المنفق عياله . ونحوه من كلام الحكمة : ما رأيت قط سرفا إلا ومعه حق مضيع . وهذه من آيات فقه الحال فلا يبين حكمها إلا باعتبار شخص شخص من الناس .الرابعة : قوله تعالى : فتقعد ملوما محسورا قال ابن عرفة : يقول لا تسرف ولا تتلف مالك فتبقى محسورا منقطعا عن النفقة والتصرف ; كما يكون البعير الحسير ، وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به ; ومنه قوله - تعالى - : ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير أي كليل منقطع . وقال قتادة : أي نادما على ما سلف منك ; فجعله من الحسرة ، وفيه بعد ; لأن الفاعل من الحسرة حسر وحسران ولا يقال محسور . والملوم : الذي يلام على إتلاف ماله ، أو يلومه من لا يعطيه .
إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا
En vérité ton Seigneur étend Ses dons largement à qu'Il veut ou les accorde avec parcimonie. Il est, sur Ses serviteurs, Parfaitement Connaisseur et Clairvoyant
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
لما ذكر عاقبة البخيل والمنفق بين أنه تعالى الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا , لأنها دار امتحان ; " ويقدر " أي يضيق ; ومنه " ومن قدر عليه رزقه " [ الطلاق : 7 ] أي ضيق .وقيل : " يقدر " يعطي بقدر الكفاية .