Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
الأحزاب
Al-Ahzab
73 versets
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا
O Prophète! Crains Allah et n'obéis pas aux infidèles et aux hypocrites, car Allah demeure Omniscient et Sage
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
سورة الأحزابمدنية في قول جميعهم . نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطعنهم فيه وفي مناكحته وغيرها . وهي ثلات وسبعون آية . وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة . وكانت فيها آية الرجم : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) ; ذكره أبو بكر الأنباري عن أبي بن كعب . وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا ، وأن آية الرجم رفع لفظها . وقد حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتي آية ، فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن . قال أبو بكر : فمعنى هذا من قول أم المؤمنين عائشة : أن الله تعالى رفع إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما عندنا .قلت : هذا وجه من وجوه النسخ ، وقد تقدم في ( البقرة ) القول فيه مستوفى والحمد لله . وروى زر قال : قال لي أبي بن كعب : كم تعدون سورة الأحزاب ؟ قلت ثلاثا وسبعين آية ; قال : فوالذي يحلف به أبي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ، ولقد قرأنا منها آية الرجم : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم . أراد أبي أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن . وأما ما يحكى من أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت [ ص: 107 ] عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة والروافض .بسم الله الرحمن الرحيمقوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما .قوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله ضمت ( أي ) لأنه نداء مفرد ، والتنبيه لازم لها . و ( النبي ) نعت ل ( أي ) عند النحويين ; إلا الأخفش فإنه يقول : إنه صلة ل ( أي ) . مكي : ولا يعرف في كلام العرب اسم مفرد صلة لشيء . النحاس : وهو خطأ عند أكثر النحويين ; لأن الصلة لا تكون إلا جملة ، والاحتيال له فيما قال إنه لما كان نعتا لازما سمي صلة ; وهكذا الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها . ولا يجوز نصبه على الموضع عند أكثر النحويين . وأجازه المازني ، جعله كقولك : يا زيد الظريف ، بنصب ( الظريف ) على موضع زيد . مكي : وهذا نعت يستغنى عنه ، ونعت ( أي ) لا يستغنى عنه فلا يحسن نصبه على الموضع . وأيضا فإن نعت ( أي ) هو المنادى في المعنى فلا يحسن نصبه . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود : قريظة والنضير وبني قينقاع ; وقد تابعه ناس منهم على النفاق ، فكان يلين لهم جانبه ; ويكرم صغيرهم وكبيرهم ، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه ، وكان يسمع منهم ; فنزلت . وقيل ; إنها نزلت فيما ذكر الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن سفيان ، نزلوا المدينة على عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين بعد أحد ، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه ، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة ، وقل إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها ، وندعك وربك . فشق على النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا . فقال عمر : يا رسول الله ، ائذن لي في قتلهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني قد أعطيتهم الأمان فقال عمر : اخرجوا في لعنة الله وغضبه . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة ; فنزلت الآية . يا أيها النبي اتق الله أي خف الله . ولا تطع الكافرين من أهل مكة ، يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة . والمنافقين من أهل المدينة ، يعني عبد الله بن أبي وطعمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فيما نهيت عنه ، ولا [ ص: 108 ] تمل إليهم . إن الله كان عليما بكفرهم حكيما فيما يفعل بهم . الزمخشري : وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه وبينهم ، وقام معهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفض ذكر آلهتنا . وذكر الخبر بمعنى ما تقدم . وأن الآية نزلت في نقض العهد ونبذ الموادعة . ولا تطع الكافرين من أهل مكة . والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك . وروي أن أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم ، ويزوجه شيبة بن ربيعة بنته ، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع ; فنزلت . النحاس : ودل بقوله إن الله كان عليما حكيما على أنه كان يميل إليهم استدعاء لهم إلى الإسلام ; أي لو علم الله عز وجل أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه ; لأنه حكيم . ثم قيل : الخطاب له ولأمته .
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا
Et suis ce qui t'est révélé émanant de Ton Seigneur. Car Allah est Parfaitement Connaisseur de ce que vous faites
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراقوله تعالى : واتبع ما يوحى إليك من ربك يعني القرآن . وفيه زجر عن اتباع مراسم الجاهلية ، وأمر بجهادهم ومنابذتهم ، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص . والخطاب له ولأمته . إن الله كان بما تعملون خبيرا قراءة العامة بتاء على الخطاب ، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم . وقرأ السلمي وأبو عمرو وابن أبي إسحاق : ( يعملون ) بالياء على الخبر ; وكذلك في قوله : بما تعملون بصيرا .
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا
Et place ta confiance en Allah. Allah te suffit comme protecteur
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
وتوكل على الله أي اعتمد عليه في كل أحوالك ; فهو الذي يمنعك ولا يضرك من خذلك . وكفى بالله وكيلا حافظا . وقال شيخ من أهل الشام : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد من ثقيف فطلبوا منه أن يمتعهم باللات سنة - وهي الطاغية التي كانت ثقيف تعبدها - وقالوا : لتعلم قريش منزلتنا عندك ; فهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فنزلت وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا أي كافيا لك ما تخافه منهم . و ( بالله ) في موضع رفع لأنه الفاعل . و ( وكيلا ) نصب على البيان أو الحال .
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ
Allah n'a pas placé à l'homme deux cœurs dans sa poitrine. Il n'a point assimilé à vos mères vos épouses [à qui vous dites en les répudiant]: «Tu es [aussi illicite] pour moi que le dos de ma mère». Il n'a point fait de vos enfants adoptifs vos propres enfants. Ce sont des propos [qui sortent] de votre bouche. Mais Allah dit la vérité et c'est Lui qui met [l'homme] dans la bonne direction
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .فيه [ ست ] مسائل :الأولى : قال مجاهد : نزلت في رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهائه ، وكان يقول : إن لي في جوفي قلبين ، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد . قال : وكان من فهر . الواحدي والقشيري وغيرهما : نزلت في جميل بن معمر الفهري ، وكان رجلا حافظا لما يسمع . فقالت قريش : ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان . وكان يقول : لي قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد . فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل بن معمر ، رآه أبو سفيان في العير وهو معلق إحدى نعليه في يده والأخرى في رجله ; فقال أبو سفيان : ما حال الناس ؟ قال انهزموا . قال : فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك ؟ قال : ما شعرت إلا أنهما في رجلي ; فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده . وقال السهيلي : كان جميل بن معمر الجمحي ، وهو ابن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ، واسم جمح : تيم ; وكان يدعى ذا القلبين فنزلت فيه الآية ، وفيه يقول الشاعر :وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما قضى وطرا منها جميل بن معمرقلت : كذا قالوا جميل بن معمر . وقال الزمخشري : جميل بن أسد الفهري . وقال ابن عباس : سببها أن بعض المنافقين قال : إن محمدا له قلبان ; لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول ; فقالوا ذلك عنه فأكذبهم الله عز وجل . وقيل : نزلت في عبد الله بن خطل . وقال الزهري وابن حبان : نزل ذلك تمثيلا في زيد بن حارثة لما تبناه النبي صلى الله عليه وسلم ; فالمعنى : كما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا يكون ولد واحد لرجلين . قال النحاس : وهذا قول ضعيف لا يصح في اللغة ، وهو من منقطعات الزهري ، رواه معمر عنه .[ ص: 110 ] وقيل : هو مثل ضرب للمظاهر ; أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان . وقيل : كان الواحد من المنافقين يقول : لي قلب يأمرني بكذا ، وقلب يأمرني بكذا ; فالمنافق ذو قلبين ; فالمقصود رد النفاق . وقيل : لا يجتمع الكفر والإيمان بالله تعالى في قلب ، كما لا يجتمع قلبان في جوف ; فالمعنى : لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب . ويظهر من الآية بجملتها نفي أشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت ، وإعلام بحقيقة الأمر ، والله أعلم .الثانية : القلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة ، خلقها الله تعالى في الآدمي وجعلها محلا للعلم ، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار ، يكتبه الله تعالى فيه بالخط الإلهي ، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني ، حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئا . وهو بين لمتين : لمة من الملك ، ولمة من الشيطان ; كما قال صلى الله عليه وسلم . خرجه الترمذي ; وقد مضى في ( البقرة ) . وهو محل الخطرات والوساوس ومكان الكفر والإيمان ، وموضع الإصرار والإنابة ، ومجرى الانزعاج والطمأنينة . والمعنى في الآية : أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان ، والهدى والضلال ، والإنابة والإصرار ، وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز ، والله أعلم .الثالثة : أعلم الله عز وجل في هذه الآية أنه لا أحد بقلبين ، ويكون في هذا طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم ; أي إنما هو قلب واحد ، فإما فيه إيمان وإما فيه كفر ; لأن درجة النفاق كأنها متوسطة ، فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد . وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية ، متى نسي شيئا أو وهم . يقول على جهة الاعتذار : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .الرابعة : قوله تعالى : وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم يعني قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي . وذلك مذكور في سورة ( المجادلة ) على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .الخامسة : قوله تعالى : وما جعل أدعياءكم أبناءكم أجمع أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة . وروى الأئمة أن ابن عمر قال : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن [ ص: 111 ] محمد حتى نزلت : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وكان زيد فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشأم ، سبته خيل من تهامة ، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد ، فوهبه لعمته خديجة فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه ، فأقام عنده مدة ، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل البعث : خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء . فاختار الرق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حريته وقومه ; فقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه وكان يطوف على حلق قريش يشهدهم على ذلك ، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا . وكان أبوه لما سبي يدور الشأم ويقول :بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجلفوالله لا أدري وإني لسائل أغالك بعدي السهل أم غالك الجبلفيا ليت شعري ! هل لك الدهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجلتذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفلوإن هبت الأرياح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه وما وجلسأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبلحياتي أو تأتي علي منيتي فكل امرئ فان وإن غره الأملفأخبر أنه بمكة ; فجاء إليه فهلك عنده . وروي أنه جاء إليه فخيره النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وانصرف . وسيأتي من ذكره وفضله وشرفه شفاء عند قوله : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها إن شاء الله تعالى . وقتل زيد بمؤتة من أرض الشأم سنة ثمان من الهجرة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمره في تلك الغزاة ، وقال : إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة . فقتل الثلاثة في تلك الغزاة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين . ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي زيد وجعفر بكى وقال : أخواي ومؤنساي ومحدثاي .السادسة : قوله تعالى : ذلكم قولكم بأفواهكم بأفواهكم تأكيد لبطلان [ ص: 112 ] القول ; أي أنه قول لا حقيقة له في الوجود ، إنما هو قول لساني فقط . وهذا كما تقول : أنا أمشي إليك على قدم ; فإنما تريد بذلك المبرة . وهذا كثير . وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع . والله يقول الحق ( الحق ) نعت لمصدر محذوف ; أي يقول القول الحق . ( يهدي ) معناه يبين ; فهو يتعدى بغير حرف جر .
ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا
Appelez-les du nom de leurs pères: c'est plus équitable devant Allah. Mais si vous ne connaissez pas leurs pères, alors considérez-les comme vos frères en religion ou vos alliés. Nul blâme sur vous pour ce que vous faites par erreur, mais (vous serez blâmés pour) ce que vos cœurs font délibérément. Allah, cependant, est Pardonneur et Miséricordieux
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما .فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : ادعوهم لآبائهم نزلت في زيد بن حارثة ، على ما تقدم بيانه . وفي قول ابن عمر : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد ، دليل على أن التبني كان معمولا به في الجاهلية والإسلام ، يتوارث به ويتناصر ، إلى أن نسخ الله ذلك بقوله . ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله أي أعدل . فرفع الله حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه ، وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا ; فيقال : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه ، وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه ، وكان ينسب إليه فيقال فلان بن فلان . وقال النحاس : هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني ، وهو من نسخ السنة بالقرآن ; فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف ، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه ، فإن لم يكن له ولاء معروف قال له يا أخي ; يعني في الدين ، قال الله تعالى : إنما المؤمنون إخوة .الثانية : لو نسبه إنسان إلى أبيه من التبني فإن كان على جهة الخطأ ، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة ; لقوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكذلك لو دعوت رجلا إلى غير أبيه وأنت ترى أنه أبوه فليس عليك بأس ; قاله قتادة . ولا يجري هذا المجرى ما غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو فإنه كان غلب عليه نسب التبني ، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود ; فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية وعرف به . فلما نزلت الآية قال المقداد : أنا ابن [ ص: 113 ] عمرو ; ومع ذلك فبقي الإطلاق عليه . ولم يسمع فيمن مضى من عصى مطلق ذلك عليه وإن كان متعمدا . وكذلك سالم مولى أبي حذيفة ، كان يدعى لأبي حذيفة . وغير هؤلاء ممن تبني وانتسب لغير أبيه وشهر بذلك وغلب عليه . وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة ; فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد ، فإن قاله أحد متعمدا عصى لقوله تعالى : ولكن ما تعمدت قلوبكم أي فعليكم الجناح . والله أعلم . ولذلك قال بعده : وكان الله غفورا رحيما أي غفورا للعمد ورحيما برفع إثم الخطأ .الثالثة : وقد قيل : إن قول الله تبارك وتعالى : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم مجمل ; أي وليس عليكم جناح في شيء أخطأتم ، وكانت فتيا عطاء وكثير من العلماء . على هذا إذا حلف رجل ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقه ، فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير فوجدها زيوفا أنه لا شيء عليه . وكذلك عنده إذا حلف ألا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعرفه أنه لا يحنث ; لأنه لم يتعمد ذلك . و ( ما ) في موضع خفض ردا على ( ما ) التي مع أخطأتم . ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ ; والتقدير : ولكن الذي تؤاخذون به ما تعمدت قلوبكم . قال قتادة وغيره : من نسب رجلا إلى غير أبيه ، وهو يرى أنه أبوه خطأ ، فذلك من الذي رفع الله فيه الجناح . وقيل : هو أن يقول له في المخاطبة : يا بني ; على غير تبن .الرابعة : الأدعياء جمع الدعي ، وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه ، أو يدعي غير أبيه والمصدر الدعوة بالكسر فأمر تعالى بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب ، فمن جهل ذلك فيه ولم تشتهر أنسابهم كان مولى وأخا في الدين . وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية وقال : أنا ممن لا يعرف أبوه ، فأنا أخوكم في الدين ومولاكم . قال الراوي عنه : ولو علم - والله - أن أباه حمار لانتمى إليه ، ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة نفيع بن الحارث .الخامسة : روي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة كلاهما قال سمعته أذناي ووعاه قلبي محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام . وفي حديث أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر .