Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
التوبة
At-Tawbah
129 versets
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ
Et parmi les Bédouins qui vous entourent, il y a des hypocrites, tout comme une partie des habitants de Médine. Ils s'obstinent dans l'hypocrisie. Tu ne les connais pas mais Nous les connaissons. Nous les châtierons deux fois puis ils seront ramenés vers un énorme châtiment
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيمقوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ابتداء وخبر . أي قوم منافقون ; يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفارا وأشجع .ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي قوم مردوا على النفاق . وقيل : ( مردوا ) من نعت المنافقين ; فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، المعنى . ومن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق ، ومن أهل المدينة مثل ذلك . ومعنى : " مردوا " أقاموا ولم يتوبوا ; عن ابن زيد . وقال غيره : لجوا فيه وأبوا غيره ; والمعنى متقارب . وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد . فكأنهم تجردوا للنفاق . ومنه [ ص: 163 ] رملة مرداء لا نبت فيها . وغصن أمرد لا ورق عليه . وفرس أمرد لا شعر على ثنته . وغلام أمرد بين المرد ; ولا يقال : جارية مرداء . وتمريد البناء تمليسه ; ومنه قوله : صرح ممرد . وتمريد الغصن تجريده من الورق ; يقال : مرد يمرد مرودا ومرادة .قوله تعالى لا تعلمهم نحن نعلمهم هو مثل قوله : لا تعلمونهم الله يعلمهم على ما تقدم . وقيل : المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها ; وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار .قوله تعالى سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم قال ابن عباس : بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة . فمرض المؤمن كفارة ، ومرض الكافر عقوبة . وقيل : العذاب الأول الفضيحة باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ; على ما يأتي بيانه في المنافقين . والعذاب الثاني عذاب القبر . الحسن وقتادة : عذاب الدنيا وعذاب القبر . ابن زيد : الأول بالمصائب في أموالهم وأولادهم ، والثاني عذاب القبر . مجاهد : الجوع والقتل . الفراء : القتل وعذاب القبر . وقيل : السباء والقتل . وقيل : الأول أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم ، والثاني عذاب القبر . وقيل : أحد العذابين ما قال تعالى : فلا تعجبك أموالهم إلى قوله إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا . والغرض من الآية اتباع العذاب ، أو تضعيف العذاب عليهم .
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ
D'autres ont reconnu leurs péchés, ils ont mêlé de bonnes actions à d'autres mauvaises. Il se peut qu'Allah accueille leur repentir. Car Allah est Pardonneur et Miséricordieux
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم أقروا بذنوبهم ، وآخرون مرجون لأمر الله يحكم فيهم بما يريد . فالصنف الأول يحتمل أنهم كانوا منافقين وما مردوا على النفاق ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين . وقال ابن عباس : نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد . وقال بنحوه قتادة وقال : وفيهم نزل خذ من أموالهم صدقة ; ذكره المهدوي . وقال زيد بن أسلم : كانوا ثمانية . وقيل : كانوا ستة . وقيل : خمسة . وقال [ ص: 164 ] مجاهد : نزلت الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة ; وذلك أنهم كلموه في النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأشار لهم إلى حلقه . يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا ، فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد ، وأقسم ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت ; فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ، ونزلت هذه الآية ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله ; ذكره الطبري عن مجاهد ، وذكره ابن إسحاق في السيرة أوعب من هذا . وقال أشهب عن مالك : نزلت " وآخرون " في شأن أبي لبابة وأصحابه ، وقال حين أصاب الذنب : يا رسول الله ، أجاورك وأنخلع من مالي ؟ فقال : يجزيك من ذلك الثلث وقد قال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ورواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك . والجمهور أن الآية نزلت في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك ، وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل أبو لبابة ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقهم ويرضى عنهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فأنزل الله هذه الآية ; فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم . فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك ، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا . فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فأنزل الله تعالى : خذ من أموالهم صدقة الآية . قال ابن عباس : كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة ; فأخذ ثلث أموالهم وكانت كفارة الذنوب التي أصابوها . فكان عملهم السيئ التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة . واختلفوا في الصالح ; فقال الطبري وغيره : الاعتراف والتوبة والندم . وقيل : عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وربطوا أنفسهم بسواري المسجد وقالوا : لا نقرب أهلا ولا ولدا حتى ينزل الله عذرنا . وقالت فرقة : بل العمل الصالح غزوهم فيما سلف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة ; فهي ترجى . ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال : سمعت أبا عثمان يقول : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا : أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة [ ص: 165 ] فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا : أما القوم الذي كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم . وذكر البيهقي من حديث الربيع بن أنس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الإسراء وفيه قال : ثم صعد بي إلى السماء . . . ثم ذكر الحديث إلى أن ذكر صعوده إلى السماء السابعة فقالوا : حياه الله من أخ وخليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء فإذا برجل أشمط جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود الوجوه وفي ألوانهم شيء فأتوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم إنهم أتوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا منه وقد خلصت ألوانهم مثل ألوان أصحابهم فجلسوا إلى أصحابهم فقال يا جبريل من هؤلاء بيض الوجوه وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر وقد خلصت ألوانهم فقال هذا أبوك إبراهيم هو أول رجل شمط على وجه الأرض وهؤلاء بيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم - قال - وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم . فأما النهر الأول فرحمة الله وأما النهر الثاني فنعمة الله . وأما النهر الثالث فسقاهم ربهم شرابا طهورا وذكر الحديث .والواو في قوله : ( وآخر سيئا ) قيل : هي بمعنى الباء ، وقيل : بمعنى مع ; كقولك استوى الماء والخشبة . وأنكر ذلك الكوفيون وقالوا : لأن الخشبة لا يجوز تقديمها على الماء ، و ( آخر ) في الآية يجوز تقديمه على الأول ; فهو بمنزلة خلطت الماء باللبن .
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
Prélève de leurs biens une Sadaqa par laquelle tu les purifies et les bénis, et prie pour eux. Ta prière est une quiétude pour eux. Et Allah est Audient et Omniscient
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم فيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة اختلف في هذه الصدقة المأمور بها ; فقيل : هي صدقة الفرض ; قاله جويبر عن ابن عباس ، وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري . وقيل : هو مخصوص بمن نزلت فيه ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم ، وليس هذا من [ ص: 166 ] الزكاة المفروضة في شيء ; ولهذا قال مالك : إذا تصدق الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث ; متمسكا بحديث أبي لبابة . وعلى القول الأول فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا يأخذ الصدقة سواه ، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته . وبهذا تعلق مانعو الزكاة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقالوا : إنه كان يعطينا عوضا منها التطهير والتزكية والصلاة علينا وقد عدمناها من غيره . ونظم في ذلك شاعرهم فقال :أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر وإن الذي سألوكم فمنعتملكالتمر أو أحلى لديهم من التمر سنمنعهم ما دام فينا بقيةكرام على الضراء في العسر واليسروهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة ، وفي حقهم قال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . ابن العربي : أما قولهم إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين ; فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا ولكن اختلفت موارده على وجوه ، فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وقوله : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ونحوه . ومنها خطاب خص به ولم يشركه فيه غيره لفظا ولا معنى كقوله ومن الليل فتهجد به نافلة لك وقوله : ( خالصة لك ) . ومنها خطاب خص به لفظا وشركه جميع الأمة معنى وفعلا ; كقوله أقم الصلاة لدلوك الشمس الآية . وقوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وقوله : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة . وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة . وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة . ومن هذا القبيل قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها . وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله و يا أيها النبي إذا طلقتم النساء .الثانية : قوله تعالى من أموالهم ذهب بعض العرب وهم دوس : إلى أن المال [ ص: 167 ] الثياب والمتاع والعروض . ولا تسمي العين مالا . وقد جاء هذا المعنى في السنة الثابتة من رواية مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلا الأموال الثياب والمتاع . الحديث . وذهب غيرهم إلى أن المال الصامت من الذهب والورق . وقيل : الإبل خاصة ; ومنه قولهم : المال الإبل . وقيل : جميع الماشية . وذكر ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى ثعلب النحوي قال : ما قصر عن بلوغ ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق فليس بمال ; وأنشد :والله ما بلغت لي قط ماشية حد الزكاة ولا إبل ولا مالقال أبو عمر : والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك هو مال ; لقوله صلى الله عليه وسلم : يقول ابن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى . وقال أبو قتادة : فأعطاني الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة ; فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام . فمن حلف بصدقة ماله كله فذلك على كل نوع من ماله ، سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن ; إلا أن ينوي شيئا بعينه فيكون على ما نواه . وقد قيل : إن ذلك على أموال الزكاة . والعلم محيط واللسان شاهد بأن ما تملك يسمى مالا . والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ والمأخوذ منه ، ولا تبيين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه . وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع . حسب ما نذكره فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال . وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة في المواشي والحبوب والعين ، وهذا ما لا خلاف فيه . واختلفوا فيما سوى ذلك كالخيل وسائر العروض . وسيأتي ذكر الخيل والعسل في ( النحل ) إن شاء الله . روى الأئمة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة . وقد مضى الكلام في ( الأنعام ) في زكاة الحبوب وما تنبته الأرض مستوفى . وفي المعادن في ( البقرة ) وفي الحلي في هذه السورة . [ ص: 168 ] وأجمع العلماء على أن الأوقية أربعون درهما ; فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من فضة مضروبة - وهي الخمس أواق المنصوصة في الحديث - حولا كاملا فقد وجبت عليه صدقتها ، وذلك ربع عشرها خمسة دراهم . وإنما اشترط الحول لقوله عليه السلام : ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول . أخرجه الترمذي . وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك من كل شيء منه ربع عشره قل أو كثر ; هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد . وروي ذلك عن علي وابن عمر . وقالت طائفة : لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما ; فإذا بلغتها كان فيها درهم وذلك ربع عشرها . هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والزهري ومكحول وعمرو بن دينار وأبي حنيفة .الرابعة : وأما زكاة الذهب فالجمهور من العلماء على أن الذهب إذا كان عشرين دينارا قيمتها مائتا درهم فما زاد أن الزكاة فيها واجبة ; على حديث علي ، أخرجه الترمذي عن ضمرة والحارث عن علي . قال الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق ، يحتمل أن يكون عنهما جميعا . وقال الباجي في المنتقى : وهذا الحديث ليس إسناده هناك ، غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه ، والله أعلم . وروي عن الحسن والثوري ، وإليه مال بعض أصحاب داود بن علي على أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ أربعين دينارا . وهذا يرده حديث علي وحديث ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا نصف دينار ، ومن الأربعين دينارا دينارا ; على هذا جماعة أهل العلم إلا من ذكر .الخامسة : اتفقت الأمة على أن ما كان دون خمس ذود من الإبل فلا زكاة فيه . فإذا بلغت خمسا ففيها شاة . والشاة تقع على واحدة من الغنم ، والغنم الضأن والمعز جميعا . وهذا أيضا [ ص: 169 ] اتفاق من العلماء أنه ليس في خمس إلا شاة واحدة ; وهي فريضتها . وصدقة المواشي مبينة في الكتاب الذي كتبه الصديق لأنس لما وجهه إلى البحرين ; أخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني والنسائي وابن ماجه وغيرهم ، وكله متفق عليه . والخلاف فيه في موضعين أحدهما في زكاة الإبل ، وهي إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة فقال مالك : المصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون ، وإن شاء أخذ حقتين . وقال ابن القاسم : وقال ابن شهاب : فيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون . قال ابن القاسم : ورأيي على قول ابن شهاب . وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار يقولون بقول مالك . وأما الموضع الثاني فهو في صدقة الغنم وهي إذا زادت على ثلاثمائة شاة وشاة ; فإن الحسن بن صالح بن حي قال : فيها أربع شياه . وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه ; وهكذا كلما زادت ، في كل مائة شاة . وروي عن إبراهيم النخعي مثله . وقال الجمهور : في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه ، ثم لا شيء فيها إلى أربعمائة فيكون فيها أربع شياه ; ثم كلما زادت مائة ففيها شاة ; إجماعا واتفاقا . قال ابن عبد البر : وهذه مسألة وهم فيها ابن المنذر ، وحكى فيها عن العلماء الخطأ ، وخلط وأكثر الغلط .السادسة : لم يذكر البخاري ولا مسلم في صحيحيهما تفصيل زكاة البقر . وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني ومالك في موطئه وهي مرسلة ومقطوعة وموقوفة . قال أبو عمر : وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ ، إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه . وممن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس . وقد اختلفوا فيما ينفرد به بقية عن الثقات . ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم كما رواه بقية عن المسعودي عن الحكم ، والحسن مجتمع على ضعفه . وقد روي هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت من غير رواية طاوس ; ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ، ومن أربعين مسنة ، ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر ; ذكره الدارقطني وأبو عيسى [ ص: 170 ] الترمذي وصححه . قال أبو عمر . ولا خلاف بين العلماء أن الزكاة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما قال معاذ بن جبل : في ثلاثين بقرة تبيع ، وفي أربعين مسنة إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة ; فإنهم يوجبون في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين . فهذه جملة من تفصيل الزكاة بأصولها وفروعها في كتب الفقه . ويأتي ذكر الخلطة في سورة ( ص ) إن شاء الله تعالى .السابعة : قوله تعالى ( صدقة ) مأخوذ من الصدق ; إذ هي دليل على صحة إيمانه ، وصدق باطنه مع ظاهره ، وأنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات . ( تطهرهم وتزكيهم بها ) حالين للمخاطب ; التقدير : خذها مطهرا لهم ومزكيا لهم بها . ويجوز أن يجعلهما صفتين للصدقة ; أي صدقة مطهرة لهم مزكية ، ويكون فاعل ( تزكيهم ) المخاطب ، ويعود الضمير الذي في ( بها ) على الموصوف المنكر . وحكى النحاس ومكي أن ( تطهرهم ) من صفة الصدقة ( وتزكيهم بها ) حال من الضمير في ( خذ ) وهو النبي صلى الله عليه وسلم . ويحتمل أن تكون حالا من الصدقة ، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة . وقال الزجاج : والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ; أي فإنك ( تطهرهم وتزكيهم بها ) ، على القطع والاستئناف . ويجوز الجزم على جواب الأمر ، والمعنى : إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ; ومنه قول امرئ القيس :قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلوقرأ الحسن " تطهرهم " بسكون الطاء وهو منقول بالهمزة من طهر وأطهرته ، مثل ظهر وأظهرته .الثامنة : قوله تعالى وصل عليهم أصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة . روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللهم صل عليهم . فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى . ذهب قوم إلى هذا ، وذهب آخرون إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا . قالوا : فلا يجوز أن يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده خاصة ; [ ص: 171 ] لأنه خص بذلك . واستدلوا بقوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا الآية . وبأن عبد الله بن عباس كان يقول : لا يصلى على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم . والأول أصح ; فإن الخطاب ليس مقصورا عليه كما تقدم ; ويأتي في الآية بعد هذا . فيجب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتأسي به ; لأنه كان يمتثل قوله : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أي إذا دعوت لهم حين يأتون بصدقاتهم سكن ذلك قلوبهم وفرحوا به . وقد روى جابر بن عبد الله قال : أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لامرأتي : لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ; فقالت : يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندنا ولا نسأله شيئا! فقالت : يا رسول الله ; صل على زوجي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلى الله عليك وعلى زوجك . والصلاة هنا الرحمة والترحم . قال النحاس : وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ; ومنه الصلاة على الجنائز . وقرأ حفص وحمزة والكسائي : إن صلاتك بالتوحيد . وجمع الباقون . وكذلك الاختلاف في أصلاتك تأمرك وقرئ ( سكن ) بسكون الكاف . قال قتادة : معناه وقار لهم . والسكن : ما تسكن به النفوس وتطمئن به القلوب .
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
Ne savent-ils pas que c'est Allah qui accueille le repentir de Ses serviteurs, et qui reçoit les Sadaqât, et qu'Allah est L'Accueillant au repentir et le Miséricordieux
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم فيه مسألتان :قيل : قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين : هؤلاء كانوا معنا بالأمس ، لا يكلمون ولا يجالسون ، فما لهم الآن ؟ وما هذه الخاصة التي خصوا بها دوننا ; فنزلت : ألم يعلموا فالضمير في ( يعلموا ) عائد إلى الذين لم يتوبوا من المتخلفين . قال معناه ابن زيد . ويحتمل أن يعود إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم . وقوله تعالى : ( هو ) تأكيد لانفراد الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور . وتحقيق ذلك أنه لو قال : إن الله يقبل التوبة لاحتمل أن يكون قبول رسوله قبولا منه ; فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك .الثانية : قوله تعالى ويأخذ الصدقات ويأخذ الصدقات هذا نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثيب عليها وأن الحق له جل وعز ، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة ، فإن توفي فعامله هو الواسطة [ ص: 172 ] بعده ، والله عز وجل حي لا يموت . وهذا يبين أن قوله سبحانه وتعالى : خذ من أموالهم صدقة ليس مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم : روى الترمذي عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات و يمحق الله الربا ويربي الصدقات . قال : هذا حديث حسن صحيح . وفي صحيح مسلم : لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه - في رواية : فتربو في كف الرحمن - حتى تكون أعظم من الجبل الحديث . وروي إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله والله يضاعف لمن يشاء قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تأويل هذه الأحاديث : إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها ; كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض تعطفا عليه بقوله : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني . . . الحديث . وقد تقدم هذا المعنى في ( البقرة ) . وخص اليمين والكف بالذكر إذ كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه أو يوضع له فيه ; فخرج على ما يعرفونه ، والله جل وعز منزه عن الجارحة . وقد جاءت اليمين في كلام العرب بغير معنى الجارحة ; كما قال الشاعر :إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمينأي هو مؤهل للمجد والشرف ، ولم يرد بها يمين الجارحة ؛ لأن المجد معنى فاليمين التي تتلقى به رايته معنى . وكذلك اليمين في حق الله تعالى . وقد قيل : إن معنى تربو في كف الرحمن عبارة عن كفة الميزان التي توزن فيها الأعمال ، فيكون من باب حذف المضاف ; كأنه قال . فتربو كفة ميزان الرحمن . وروي عن مالك والثوري وابن المبارك أنهم قالوا في تأويل هذه الأحاديث وما شابهها : أمروها بلا كيف ; قاله الترمذي وغيره . وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة .
وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ
Et dis: «Oeuvrez, car Allah va voir votre œuvre, de même que Son messager et les croyants, et vous serez ramenés vers Celui qui connaît bien l'invisible et le visible. Alors Il vous informera de ce que vous faisiez»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملونقوله تعالى وقل اعملوا خطاب للجميع . فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم . وفي الخبر : لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان .