Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
الغاشية
Al-Ghashiyah
26 versets
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ
T'est-il parvenu le récit de l'enveloppante
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
سورة الغاشيةوهي مكية في قول الجميع ، وهي ست وعشرون آيةبسم الله الرحمن الرحيمهل أتاك حديث الغاشية هل بمعنى قد كقوله : هل أتى على الإنسان قاله قطرب . أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية أي القيامة التي تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها قاله أكثر المفسرين . وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب : الغاشية : النار تغشى وجوه الكفار ورواه أبو صالح عن ابن عباس ودليله قوله تعالى : وتغشى وجوههم النار . وقيل : تغشى الخلق . وقيل : المراد النفخة الثانية للبعث ; لأنها تغشى الخلائق . وقيل : ( الغاشية ) أهل النار يغشونها ، ويقتحمون فيها . وقيل : معنى هل أتاك أي هذا لم يكن من علمك ، ولا من علم قومك . قال ابن عباس : لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور هاهنا . وقيل : إنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله ومعناه إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك وهو معنى قول الكلبي .
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ
Ce jour-là, il y aura des visages humiliés
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وجوه يومئذ خاشعةقال ابن عباس : لم يكن أتاه حديثهم ، فأخبره عنهم ، فقال : وجوه يومئذ أي يوم القيامة . خاشعة قال سفيان : أي ذليلة بالعذاب . وكل متضائل ساكن خاشع . يقال : خشع [ ص: 25 ] في صلاته : إذا تذلل ونكس رأسه . وخشع الصوت : خفي قال الله تعالى : وخشعت الأصوات للرحمن . والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه . وقال قتادة وابن زيد : خاشعة أي في النار . والمراد وجوه الكفار كلهم قاله يحيى بن سلام . وقيل : أراد وجوه اليهود والنصارى قاله ابن عباس .
عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ
préoccupés, harassés
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
ثم قال : عاملة ناصبة فهذا في الدنيا ; لأن الآخرة ليست دار عمل . فالمعنى : وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ( خاشعة ) في الآخرة . قال أهل اللغة : يقال للرجل إذا دأب في سيره : قد عمل يعمل عملا . ويقال للسحاب إذا دام برقه : قد عمل يعمل عملا . وذا سحاب عمل . قال الهذلي :حتى شآها كليل موهنا عمل باتت طرابا وبات الليل لم ينمناصبة أي تعبة . يقال : نصب ( بالكسر ) ينصب نصبا : إذا تعب ، ونصبا أيضا ، وأنصبه غيره . فروى الضحاك عن ابن عباس قال : هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله - عز وجل - ، وعلى الكفر مثل عبدة الأوثان ، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم ، لا يقبل الله - جل ثناؤه - منهم إلا ما كان خالصا له . وقال سعيد عن قتادة : عاملة ناصبة قال : تكبرت في الدنيا عن طاعة الله - عز وجل - ، فأعملها الله وأنصبها في النار ، بجر السلاسل الثقال ، وحمل الأغلال ، والوقوف حفاة عراة في العرصات ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . قال الحسن وسعيد بن جبير : لم تعمل لله في الدنيا ، ولم تنصب له ، فأعملها وأنصبها في جهنم . وقال الكلبي : يجرون على وجوههم في النار . وعنه وعن غيره : يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم ، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب ، بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل ، وارتقائها في صعود من نار ، وهبوطها في حدور منها إلى غير ذلك من عذابها . وقاله ابن عباس . وقرأ ابن محيصن وعيسى وحميد ، ورواها عبيد عن شبل . عن ابن كثير ناصبة بالنصب على الحال . وقيل : على الذم . الباقون ( بالرفع ) على الصفة أو على إضمار مبتدأ ، فيوقف على خاشعة . ومن جعل المعنى في الآخرة ، جاز أن يكون خبرا بعد خبر عن وجوه ، فلا يوقف على خاشعة . وقيل : عاملة ناصبة أي عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة . وعلى هذا يحتمل وجوه يومئذ عاملة في الدنيا ، ناصبة في الآخرة ، خاشعة . قال عكرمة والسدي : عملت في الدنيا بالمعاصي .وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم : هم الرهبان أصحاب الصوامع وقاله ابن عباس . وقد تقدم في رواية الضحاك عنه . وروى عن الحسن قال : لما قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الشام أتاه راهب شيخ كبير متقهل ، عليه سواد ، فلما رآه عمر بكى . فقال له : يا أمير المؤمنين ، ما [ ص: 26 ] يبكيك ؟ قال : هذا المسكين طلب أمرا فلم يصبه ، ورجا رجاء فأخطأه ، - وقرأ قول الله - عز وجل - وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة . قال الكسائي : التقهل : رثاثة الهيئة ، ورجل متقهل : يابس الجلد سيئ الحال ، مثل المتقحل . وقال أبو عمرو : التقهل : شكوى الحاجة . وأنشد :لعوا إذا لاقيته تقهلاوالقهل : كفران الإحسان . وقد قهل يقهل قهلا : إذا أثنى ثناء قبيحا . وأقهل الرجل تكلف ما يعيبه ودنس نفسه . وانقهل ضعف وسقط قاله الجوهري . وعن علي - رضي الله عنه - أنهم أهل حروراء يعني الخوارج الذين ذكرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وأعمالكم مع أعمالهم ، يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية . . . " الحديث .
تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ
Ils brûleront dans un Feu ardent
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : تصلى نارا حاميةأي يصيبها صلاؤها وحرها . حامية شديدة الحر أي قد أوقدت وأحميت المدة الطويلة . ومنه حمي النهار ( بالكسر ) ، وحمي التنور حميا فيهما أي اشتد حره . وحكى الكسائي : اشتد حمي الشمس وحموها : بمعنى . وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب ( تصلى ) بضم التاء . الباقون بفتحها . وقرئ ( تصلى ) بالتشديد . وقد تقدم القول فيها في إذا السماء انشقت . الماوردي : فإن قيل فما معنى وصفها بالحمي ، وهي لا تكون إلا حامية ، وهو أقل أحوالها ، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة ؟ قيل : قد اختلف في المراد بالحامية هاهنا على أربعة أوجه :أحدها : أن المراد بذلك أنها دائمة الحمي ، وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها .الثاني : أن المراد بالحامية أنها حمى من ارتكاب المحظورات ، وانتهاك المحارم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن لكل ملك حمى ، وإن حمى الله محارمه . ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه .الثالث : أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها ، أو ترام مماستها كما يحمي الأسد عرينه ومثله قول النابغة :تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد الحامي[ ص: 27 ] الرابع : أنها حامية حمي غيظ وغضب مبالغة في شدة الانتقام . ولم يرد حمي جرم وذات كما يقال : قد حمي فلان : إذا اغتاظ وغضب عند إرادة الانتقام . وقد بين الله تعالى بقوله هذا المعنى فقال : تكاد تميز من الغيظ .
تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ
et seront abreuvés d'une source bouillante
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : تسقى من عين آنية الآني : الذي قد انتهى حره من الإيناء ، بمعنى التأخير . ومنه " آنيت وآذيت " . وآناه يؤنيه إيناء ، أي أحره وحبسه وأبطأه . ومنه يطوفون بينها وبين حميم آن . وفي التفاسير من عين آنية أي تناهى حرها فلو وقعت نقطة منها على جبال الدنيا لذابت . وقال الحسن : آنية أي حرها أدرك أوقدت عليها جهنم منذ خلقت ، فدفعوا إليها وردا عطاشا . وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : بلغت أناها ، وحان شربها .