Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
الأعراف
Al-A'raf
206 versets
قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ
«Puisque Tu m'as mis en erreur, dit [Satan], je m'assoirai pour eux sur Ton droit chemin
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيمفيه ثلاث مسائل :الأولى قوله تعالى فبما أغويتني الإغواء إيقاع الغي في القلب ; أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والاستكبار . وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل ; بل هو كفر عناد واستكبار . وقد تقدم في " البقرة " . قيل : معنى الكلام القسم ، أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك ، أو في صراطك ; فحذف . دليل على هذا القول قوله في " ص " : فبعزتك لأغوينهم أجمعين فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد ، فأقسم به إعظاما لقدره عنده . وقيل : الباء بمعنى اللام ، كأنه قال : فلإغوائك إياي . وقيل : هي بمعنى مع ، والمعنى فمع إغوائك إياي . وقيل : هو استفهام ، كأنه سأل بأي شيء أغواه ؟ . وكان ينبغي على هذا أن يكون : فبم أغويتني ؟ . وقيل : المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي . والإغواء الإهلاك ، قال الله تعالى : فسوف يلقون غيا أي هلاكا . وقيل : فبما أضللتني . والإغواء : الإضلال والإبعاد ; قال ابن عباس . وقيل : خيبتني من رحمتك ; ومنه قول الشاعر :ومن يغو لا يعدم على الغي لائماأي من يخب .وقال ابن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره ، أو فسد هو في نفسه . وهو أحد معاني قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى أي فسد عيشه في الجنة . ويقال : غوى الفصيل إذا لم يدر لبن أمه .الثانية : مذهب أهل السنة أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر ; ولذلك نسب الإغواء [ ص: 158 ] في هذا إلى الله تعالى . وهو الحقيقة ، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له ، صادر عن إرادته تعالى . وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم ، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون : أخطأ إبليس ، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه ، تعالى الله عن ذلك . فيقال لهم : وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم ، وهو نوح عليه السلام حيث قال لقومه : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام ، وكان متهما بالقدر ، وكان من الفقهاء الكبار ; فجلس إليه فقال له طاوس : تقوم أو تقام ؟ فقيل لطاوس : تقول هذا لرجل فقيه ! فقال : إبليس أفقه منه ، يقول إبليس : رب بما أغويتني . ويقول هذا : أنا أغوي نفسي .الثالثة : قوله تعالى : لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي بالصد عنه ، وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك ، أو يضلوا كما ضل ، أو يخيبوا كما خيب ; حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في أغويتني . والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة . و صراطك منصوب على حذف " على " أو " في " من قوله : صراطك المستقيم ; كما حكى سيبويه " ضرب زيد الظهر والبطن " . وأنشد :لدن بهز الكف يعسل متنهفيه كما عسل الطريق الثعلب
ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ
puis je les assaillerai de devant, de derrière, de leur droite et de leur gauche. Et, pour la plupart, Tu ne les trouveras pas reconnaissants.»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم أي لأصدنهم عن الحق ، وأرغبنهم في الدنيا ، وأشككهم في الآخرة . وهذا غاية في الضلالة . كما قال : ولأضلنهم حسب ما تقدم . وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة : من بين أيديهم من دنياهم . ومن خلفهم من آخرتهم . وعن أيمانهم يعني حسناتهم . وعن شمائلهم يعني سيئاتهم . قال النحاس : وهذا قول حسن وشرحه : أن معنى ثم لآتينهم من بين أيديهم من دنياهم ، حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة ومن خلفهم من آخرتهم حتى يكذبوا بها . وعن أيمانهم من حسناتهم وأمور دينهم . ويدل على هذا قوله : إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين وعن شمائلهم يعني سيئاتهم ، أي يتبعون الشهوات ; لأنه يزينها لهم .ولا تجد أكثرهم شاكرين أي موحدين طائعين مظهرين الشكر .
قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ
«Sors de là», dit (Allah,) banni et rejeté. Quiconque te suit parmi eux... de vous tous, J'emplirai l'Enfer»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعينقوله تعالى قال اخرج منها أي من الجنة . مذءوما مدحورا مذءوما أي مذموما . والذأم : العيب ، بتخفيف الميم . قال ابن زيد : مذءوما ومذموما سواء ; يقال : ذأمته وذممته وذمته بمعنى واحد . وقرأ الأعمش ( مذوما ) . والمعنى واحد ; إلا أنه خفف الهمزة . وقال مجاهد : المذءوم المنفي . والمعنيان متقاربان . والمدحور : المبعد المطرود ; عن مجاهد وغيره . وأصله الدفع .لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين اللام لام القسم ، والجواب لأملأن جهنم وقيل : لمن تبعك لام توكيد . لأملأن لام قسم . والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولى ، ولا يجوز حذف الثانية . وفي الكلام معنى الشرط والمجازاة ; أي من تبعك عذبته . ولو قلت : من تبعك أعذبه لم يجز ; إلا أن تريد لأعذبه . وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عياش ( لمن تبعك منهم ) بكسر اللام . وأنكره بعض النحويين . قال النحاس : وتقديره - والله أعلم - من أجل من تبعك . كما يقال : أكرمت فلانا لك . وقد يكون المعنى : الدحر لمن تبعك . ومعنى منكم أجمعين أي منكم ومن بني آدم ; لأن ذكرهم قد جرى إذ قال : ولقد خلقناكم . خاطب ولد آدم .
وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
«O Adam, habite le Paradis, toi et ton épouse; et mangez en vous deux, à votre guise; et n'approchez pas l'arbre que voici; sinon, vous seriez du nombre des injustes.»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين قال لآدم بعد إخراج إبليس من موضعه من السماء : اسكن أنت وحواء الجنة . وقد تقدم في البقرة معنى الإسكان ، فأغنى عن إعادته . وقد تقدم معنى ولا تقربا هذه الشجرة هناك والحمد لله .
فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ
Puis le Diable, afin de leur rendre visible ce qui leur était caché - leurs nudités - leur chuchota, disant: «Votre Seigneur ne vous a interdit cet arbre que pour vous empêcher de devenir des Anges ou d'être immortels»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين[ ص: 160 ] قوله تعالى فوسوس لهما الشيطان أي إليهما . قيل : داخل الجنة بإدخال الحية إياه وقيل : من خارج ، بالسلطنة التي جعلت له . وقد مضى هذا في " البقرة " والوسوسة : الصوت الخفي . والوسوسة : حديث النفس ; يقال : وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا " بكسر الواو " . والوسواس " بالفتح " : اسم ، مثل الزلزال . ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلي : وسواس . قالالأعشى :تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجلوالوسواس : اسم الشيطان .قال الله تعالى : من شر الوسواس الخناس .ليبدي لهما أي ليظهر لهما . واللام لام العاقبة ; كما قال : ليكون لهم عدوا وحزنا . وقيل : لام كي .ما ووري عنهما أي ستر وغطي عنهما . ويجوز في غير القرآن أوري ، مثل أقتتمن سوآتهما من عوراتهما وسمي الفرج عورة ; لأن إظهاره يسوء صاحبه . ودل هذا على قبح كشفها فقيل : إنما بدت سوآتهما لهما لا لغيرهما ; كان عليهما نور لا ترى عوراتهما فزال النور . وقيل : ثوب ; فتهافت ، والله أعلم .إلا أن تكونا ملكين أن في موضع نصب ، بمعنى إلا ، كراهية أن ; فحذف المضاف . هذا قول البصريين . والكوفيون يقولون : لئلا تكونا . وقيل : أي إلا ألا تكونا ملكين تعلمان الخير والشر . وقيل : طمع آدم في الخلود ; لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة . قال النحاس : وبين الله عز وجل فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن ; فمنها هذا ، وهو إلا أن تكونا ملكين . ومنه ولا أقول إني ملك . ومنه ولا الملائكة المقربون . وقال الحسن : فضل الله الملائكة بالصور والأجنحة والكرامة . وقال غيره : فضلهم جل وعز بالطاعة وترك المعصية ; فلهذا يقع التفضيل في كل شيء . وقال ابن فورك . لا حجة في هذه الآية ; لأنه يحتمل أن يريد ملكين في ألا يكون لهما شهوة في طعام . واختيار ابن عباس والزجاج وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على الملائكة ; وقد مضى في البقرة وقال الكلبي : فضلوا على الخلائق كلهم ، غير طائفة من الملائكة : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ; لأنهم من جملة رسل الله . وتمسك كل فريق بظواهر من الشريعة ، والفضل بيد الله . وقرأ ابن عباس ( ملكين ) بكسر اللام ، وهي قراءة يحيى بن أبي كثير والضحاك . وأنكر أبو عمرو بن العلاء كسر اللام وقال : [ ص: 161 ] لم يكن قبل آدم صلى الله عليه وسلم ملك فيصيرا ملكين . قال النحاس : ويجوز على هذه القراءة إسكان اللام ، ولا يجوز على القراءة الأولى لخفة الفتحة . قال ابن عباس : أتاهما الملعون من جهة الملك ; ولهذا قال : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى . وزعم أبو عبيد أن احتجاج يحيى بن أبي كثير بقوله : وملك لا يبلى حجة بينة ، ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها . قال النحاس : ( إلا أن تكونا ملكين ) قراءة شاذة . وقد أنكر على أبي عبيد هذا الكلام ، وجعل من الخطأ الفاحش . وهل يجوز أن يتوهم آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة ; وهو غاية الطالبين . وإنما معنى وملك لا يبلى المقام في ملك الجنة ، والخلود فيه .