Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
الأعراف
Al-A'raf
206 versets
۞وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ
Et lorsque Nous avons brandi au-dessus d'eux le Mont, comme si c'eût été une ombrelle. Ils pensaient qu'il allait tomber sur eux. «Tenez fermement à ce que Nous vous donnons et rappelez-vous son contenu. Peut-être craindrez vous Allah»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون قوله تعالى وإذ نتقنا الجبل نتقنا معناه رفعنا . وقد تقدم بيانه في " البقرة " كأنه ظلة أي كأنه لارتفاعه سحابة تظل .خذوا ما آتيناكم بقوة أي بجد . وقد مضى في " البقرة " . إلى آخر الآية .
وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ
Et quand ton Seigneur tira une descendance des reins des fils d'Adam et les fit témoigner sur eux-mêmes: «Ne suis-Je pas votre Seigneur?» Ils répondirent: «Mais si, nous en témoignons...» - afin que vous ne disiez point, au Jour de la Résurrection: «Vraiment, nous n'y avons pas fait attention»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلينفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى وإذ أخذ ربك أي واذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذت من المواثيق من العباد يوم الذر . وهذه آية مشكلة ، وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها ، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه فقال قوم : معنى الآية أن الله تعالى أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض . قالوا ومعنى وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم دلهم بخلقه على توحيده ; لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا . ألست بربكم أي قال . فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم ، والإقرار منهم ; كما قال تعالى في السماوات والأرض : قالتا أتينا طائعين ذهب إلى هذا القفال وأطنب . وقيل : إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد ، وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها .قلت : وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذين القولين ، وأنه تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام . وروى مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فقال عمر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون . فقال رجل : ففيم العمل ؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل [ ص: 282 ] الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار . قال أبو عمر : هذا حديث منقطع الإسناد ; لأن مسلم بن يسار لم يلق عمر . وقال فيه يحيى بن معين : مسلم بن يسار لا يعرف ، بينه وبين عمر نعيم بن ربيعة ، ذكره النسائي ، ونعيم غير معروف بحمل العلم . لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم . روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال يا رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا ؟ فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال رب كم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم عليه السلام جاءه ملك الموت فقال أولم يبق من عمري أربعون سنة قال أولم تعطها ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته . في غير الترمذي : فحينئذ أمر بالكتاب والشهود . في رواية فرأى فيهم الضعيف والغني والفقير والذليل والمبتلى والصحيح . فقال له آدم : يا رب ، ما هذا ؟ ألا سويت بينهم ! قال : أردت أن أشكر وروى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس . وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان ، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره . فأقروا بذلك والتزموه ، وأعلمهم بأنه سيبعث إليهم الرسل ; فشهد بعضهم على بعض . قال أبي بن كعب : وأشهد عليهم السماوات السبع ، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد .[ ص: 283 ] واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال ; فقال ابن عباس : ببطن نعمان ، واد إلى جنب عرفة . وروي عنه أن ذلك برهبا - أرض بالهند - الذي هبط فيه آدم عليه السلام . وقال يحيى بن سلام قال ابن عباس في هذه الآية : أهبط الله آدم بالهند ، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ثم قال : ألست بربكم قالوا بلى شهدنا قال يحيى قال الحسن : ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام . وقال الكلبي : بين مكة والطائف . وقال السدي : في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ ، فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي . وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء وقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي . قال ابن جريج : خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء ، وكل نفس مخلوقة للنار سوداء .الثانية : قال ابن العربي رحمه الله : فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يذنبوا ، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه ، قلنا : ومن أين يمتنع ذلك ، أعقلا أم شرعا ؟ فإن قيل : لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك . قلنا : لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه ، وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق ، ولا تحمل أفعال العباد على أفعال الإله ، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله ، والخلق بأجمعهم له ، صرفهم كيف شاء ، وحكم بينهم بما أراد ، وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلة وشفقة الجنسية وحب الثناء والمدح ; لما يتوقع في ذلك من الانتفاع ، والباري تعالى متقدس عن ذلك كله ، فلا يجوز أن يعتبر به .الثالثة : واختلف في هذه الآية ، هل هي خاصة أو عامة . فقيل : الآية خاصة ; لأنه تعالى قال : من بني آدم من ظهورهم فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم لصلبه .
أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ
ou que vous auriez dit (tout simplement): «Nos ancêtres autrefois donnaient des associés à Allah, et nous sommes leurs descendants, après eux. Vas-Tu nous détruire pour ce qu'ont fait les imposteurs?»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
وقال عز وجل أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل فخرج منها كل من لم يكن له آباء مشركون . وقيل : هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء . وقيل : بل هي عامة لجميع الناس ; لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي ، وأن له مدبرا وخالقا . فهذا معنى وأشهدهم على أنفسهم .ومعنى قالوا بلى أي إن ذلك واجب عليهم . فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا عنه ذكرهم بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم [ ص: 284 ] حجته عليهم فقال له : فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ثم مكنه من السيطرة ، وأتاه السلطنة ، ومكن له دينه في الأرض . قال الطرطوشي : إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة ، كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه .وقد استدل بهذه الآية من قال : إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول . ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول . وهذا القائل يقول : أطفال المشركين في الجنة ، وهو الصحيح في الباب . وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار ، والصحيح ما ذكرناه . وسيأتي الكلام في هذا في " الروم " إن شاء الله . وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله .قوله تعالى : من ظهورهم بدل اشتمال من قوله من بني آدم . وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم ، وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ . ووجه النظم على هذا : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم . وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه . وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره . فاستغنى عن ذكره لقوله : من بني آدم . ذريتهم قرأ الكوفيون وابن كثير بالتوحيد وفتح التاء ، وهي تقع للواحد والجمع ; قال الله تعالى : هب لي من لدنك ذرية طيبة فهذا للواحد ; لأنه إنما سأل هبة ولد فبشر بيحيى . وأجمع القراء على التوحيد في قوله : من ذرية آدم ولا شيء أكثر من ذرية آدم . وقال : وكنا ذرية من بعدهم فهذا للجمع . وقرأ الباقون ( ذرياتهم ) بالجمع ، لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شيء وهو الجمع ; لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة ، أعقاب بعد أعقاب ، لا يعلم عددهم إلا الله ; فجمع لهذا المعنى .قوله تعالى بلى تقدم القول فيها في " البقرة " عند قوله بلى من كسب سيئة مستوفى ، فتأمله هناك .أن تقولوا أو تقولوا قرأ أبو عمرو بالياء فيهما . ردهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله ، وهو قوله : من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم .وقوله : قالوا بلى أيضا لفظ غيبة . وكذا وكنا ذرية من بعدهم ولعلهم فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة . وقرأ الباقون بالتاء فيهما ; ردوه على لفظ الخطاب المتقدم في قوله : ألست بربكم قالوا بلى . ويكون شهدنا من قول الملائكة . لما [ ص: 285 ] قالوا بلى قالت الملائكة : شهدنا أن تقولوا أو تقولوا أي لئلا تقولوا . وقيل : معنى ذلك أنهم لما قالوا بلى ، فأقروا له بالربوبية ، قال الله تعالى للملائكة : اشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا . وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي . وقال ابن عباس وأبي بن كعب : قوله شهدنا هو من قول بني آدم ، والمعنى : شهدنا أنك ربنا وإلهنا ، وقال ابن عباس : أشهد بعضهم على بعض ; فالمعنى على هذا قالوا بلى شهد بعضنا على بعض ; فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على بلى ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من قول بني آدم ; لأن أن متعلقة بما قبل بلى ، من قوله : وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا . وقد روى مجاهد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا . أي شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا . فهذا يدل على التاء . قال مكي : وهو الاختيار لصحة معناه ، ولأن الجماعة عليه . وقد قيل : إن قوله شهدنا من قول الله تعالى والملائكة . والمعنى : فشهدنا على إقراركم ; قاله أبو مالك ، وروي عن السدي أيضا . وكنا ذرية من بعدهم أي اقتدينا بهم .أفتهلكنا بما فعل المبطلون بمعنى : لست تفعل هذا . ولا عذر للمقلد في التوحيد .
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ
Et c'est ainsi que Nous expliquons intelligemment les signes. Peut-être reviendront-ils
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
لا يوجد تفسير لهذه الأية
وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ
Et raconte-leur l'histoire de celui à qui Nous avions donné Nos signes et qui s'en écarta. Le Diable, donc, l'entraîna dans sa suite et il devint ainsi du nombre des égarés
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة . واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات . فقال ابن مسعود وابن عباس : هو بلعام بن باعوراء ، ويقال ناعم ، من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام ، وكان بحيث إذا نظر رأى العرش . وهو المعني بقوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ولم يقل آية ، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه . ثم صار بحيث إنه كان أول من صنف كتابا في أن " ليس للعالم صانع " . قال مالك بن دينار : بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان ; فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه وترك دين موسى ; ففيه نزلت هذه الآيات . روى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : كان بلعام قد أوتي النبوة ، وكان مجاب الدعوة ، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل يريد قتال الجبارين ، سأل [ ص: 286 ] الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعو على موسى فقام ليدعو فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه . فقيل له في ذلك ; فقال : لا أقدر على أكثر مما تسمعون ; واندلع لسانه على صدره . فقال : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة ، وسأمكر لكم ، فإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنى ، فإن وقعوا فيه هلكوا ; ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنى ، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا . وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثعلبي وغيره .وروي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين ، فاستجيب له وبقي في التيه . فقال موسى : يا رب ، بأي ذنب بقينا في التيه . فقال : بدعاء بلعام . قال : فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه . فدعا موسى أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم ; فسلخه الله ما كان عليه ، وقال أبو حامد في آخر كتاب منهاج العارفين له : وسمعت بعض العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام وطرده بعد تلك الآيات والكرامات ، فقال الله تعالى : لم يشكرني يوما من الأيام على ما أعطيته ، ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته . وقال عكرمة : كان بلعام نبيا وأوتي كتابا . وقال مجاهد : إنه أوتي النبوة ; فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه . قال الماوردي : وهذا غير صحيح ; لأن الله تعالى لا يصطفي لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم : نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت ، وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول ، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به . وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " آمن شعره وكفر قلبه " .وقال سعيد بن المسيب : نزلت في أبي عامر بن صيفي ، وكان يلبس المسوح في الجاهلية ; فكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم . وذلك أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فقال : يا محمد ، ما هذا الذي جئت به ؟ قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم . قال : فإني عليها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها . فقال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم أمات الله الكاذب منا كذلك - وإنما قال هذا يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من مكة - فخرج أبو عامر إلى الشأم ومر إلى قيصر وكتب إلى المنافقين : استعدوا فإني آتيكم من عند قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة ; فمات بالشام وحيدا . وفيه نزل : وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وسيأتي في " براءة " . وقال ابن عباس في رواية : نزلت في [ ص: 287 ] رجل كان له ثلاث دعوات يستجاب له فيها ، وكانت له امرأة يقال لها " البسوس " فكان له منها ولد ; فقالت : اجعل لي منها دعوة واحدة . فقال : لك واحدة ، فما تأمرين ؟ قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل . فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه ; فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة . فذهب فيها دعوتان ; فجاء بنوها وقالوا : لا صبر لنا عن هذا ، وقد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها ، فادع الله أن يردها كما كانت ; فدعا فعادت إلى ما كانت ، وذهبت الدعوات فيها .والقول الأول أشهر ، وعليه الأكثر . قال عبادة بن الصامت : نزلت في قريش ، آتاهم الله آياته التي أنزلها الله - تعالى - على محمد صلى الله عليه وسلم فانسلخوا منها ، ولم يقبلوها . قال ابن عباس : كان بلعام من مدينة الجبارين . وقيل : كان من اليمن .فانسلخ منها أي من معرفة الله تعالى ، أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم . فهذا مثل علم بلعام وأشباهه ، نعوذ بالله منه ; ونسأله التوفيق والممات على التحقيق .والانسلاخ : الخروج ; يقال : انسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه . وقيل : هذا من المقلوب ، أي انسلخت الآيات منه . فأتبعه الشيطان أي لحق به ; يقال : أتبعت القوم أي لحقتهم . وقيل : نزلت في اليهود والنصارى ، انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به .