Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
الأنعام
Al-An'am
165 versets
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ
Aux Juifs, Nous avons interdit toute bête à ongle unique. Des bovins et des ovins, Nous leurs avons interdit les graisses, sauf ce que portent leur dos, leurs entrailles, ou ce qui est mêlé à l'os. Ainsi les avons-Nous punis pour leur rébellion. Et Nous sommes bien véridiques
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقونفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بذكر ما حرم على اليهود ; لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم : إن الله لم يحرم علينا شيئا ، وإنما نحن حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه . وقد تقدم في " البقرة " معنى هادوا . وهذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بلوى وعقوبة . فأول ما ذكر من المحرمات عليهم كل ذي ظفر . وقرأ الحسن ( ظفر ) بإسكان الفاء . وقرأ أبو السمال ( ظفر ) بكسر الظاء وإسكان الفاء . وأنكر أبو حاتم كسر الظاء وإسكان الفاء ، ولم يذكر هذه القراءة وهي لغة . ( وظفر ) بكسرهما . والجمع أظفار وأظفور وأظافير ; قاله الجوهري . وزاد النحاس عن الفراء أظافير وأظافرة ; قال ابن السكيت : يقال رجل أظفر بين الظفر إذا كان طويل الأظفار ; كما يقال : رجل أشعر للطويل الشعر .قال مجاهد وقتادة : ذي ظفر : ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير ; مثل الإبل والنعام والإوز والبط . وقال ابن زيد : الإبل فقط . وقال ابن عباس : ذي ظفر البعير والنعامة ; لأن النعامة ذات ظفر كالإبل . [ ص: 114 ] وقيل : يعني كل ذي مخلب من الطير وذي حافر من الدواب . ويسمى الحافر ظفرا استعارة . وقال الترمذي الحكيم : الحافر ظفر ، والمخلب ظفر ; إلا أن هذا على قدره ، وذاك على قدره وليس ههنا استعارة ; ألا ترى أن كليهما يقص ويؤخذ منهما وكلاهما جنس واحد : عظم لين رخو . أصله من غذاء ينبت فيقص مثل ظفر الإنسان ، وإنما سمي حافرا لأنه يحفر الأرض بوقعه عليها . وسمي مخلبا لأنه يخلب الطير برءوس تلك الإبر منها . وسمي ظفرا لأنه يأخذ الأشياء بظفره ، أي يظفر به الآدمي والطير .الثانية قوله تعالى ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما قال قتادة : يعني الثروب وشحم الكليتين ; وقاله السدي . والثروب جمع الثرب ، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش . قال ابن جريج : حرم عليهم كل شحم غير مختلط بعظم أو على عظم ، وأحل لهم شحم الجنب والألية ; لأنه على العصعص .الثالثة قوله تعالى إلا ما حملت ظهورهما " ما " في موضع نصب على الاستثناء ظهورهما رفع ب حملت أو الحوايا في موضع رفع عطف على الظهور أي أو حملت حواياهما ، والألف واللام بدل من الإضافة . وعلى هذا تكون الحوايا من جملة ما أحل . أو ما اختلط بعظم " ما " في موضع نصب عطف على ما حملت أيضا . هذا أصح ما قيل فيه . وهو قول الكسائي والفراء وأحمد بن يحيى . والنظر يوجب أن يعطف الشيء على ما يليه ، إلا ألا يصح معناه أو يدل دليل على غير ذلك . وقيل : إن الاستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصة ، وقوله : أو الحوايا أو ما اختلط بعظم معطوف على المحرم . والمعنى : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ; إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم . وقد احتج الشافعي بهذه الآية في أن من حلف ألا يأكل الشحم حنث بأكل شحم الظهور ; لاستثناء الله عز وجل ما على ظهورهما من جملة الشحم .الرابعة قوله تعالى أو الحوايا الحوايا : هي المباعر ، عن ابن عباس وغيره . وهو جمع مبعر ، سمي بذلك لاجتماع البعر فيه . وهو الزبل . وواحد الحوايا حاوياء ; مثل قاصعاء وقواصع . وقيل : حاوية مثل ضاربة وضوارب . وقيل : حوية مثل سفينة وسفائن . قال أبو عبيدة : الحوايا ما تحوى من البطن أي استدار . وهي منحوية أي مستديرة . وقيل : الحوايا خزائن اللبن ، وهو يتصل بالمباعر وهي المصارين . وقيل : الحوايا الأمعاء التي عليها الشحوم . والحوايا في غير هذا الموضع : كساء يحوى حول سنام البعير . قال امرؤ القيس :جعلن حوايا واقتعدن قعائدا وخففن من حوك العراق المنمق[ ص: 115 ] فأخبر الله سبحانه أنه كتب عليهم تحريم هذا في التوراة ردا لكذبهم . ونصه فيها : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة الحافر وكل حوت ليس فيه سفاسق ، أي بياض . ثم نسخ الله ذلك كله بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم . وأباح لهم ما كان محرما عليهم من الحيوان ، وأزال الحرج بمحمد عليه السلام ، وألزم الخليقة دين الإسلام بحله وحرامه وأمره ونهيه .الخامسة : لو ذبحوا أنعامهم فأكلوا ما أحل الله لهم في التوراة وتركوا ما حرم عليهم فهل يحل لنا ; قال مالك في كتاب محمد : هي محرمة . وقال في سماع المبسوط : هي محللة وبه قال ابن نافع . وقال ابن القاسم : أكرهه . وجه الأول أنهم يدينون بتحريمها ولا يقصدونها عند الذكاة ، فكانت محرمة كالدم . ووجه الثاني وهو الصحيح أن الله عز وجل رفع ذلك التحريم بالإسلام ، واعتقادهم فيه لا يؤثر ; لأنه اعتقاد فاسد ; قاله ابن العربي . قلت : ويدل على صحته ما رواه الصحيحان عن عبد الله بن مغفل قال : كنا محاصرين قصر خيبر ، فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزوت لآخذه فالتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه . لفظ البخاري . ولفظ مسلم : قال عبد الله بن مغفل : أصبت جرابا من شحم يوم خيبر ، قال فالتزمته وقلت : لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ، قال : فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما . قال علماؤنا : تبسمه عليه السلام إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب ومن ضنته به ، ولم يأمره بطرحه ولا نهاه . وعلى جواز الأكل مذهب أبي حنيفة والشافعي وعامة العلماء ; غير أن مالكا كرهه للخلاف فيه . وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها ; وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك . ومتمسكهم ما تقدم ، والحديث حجة عليهم ; فلو ذبحوا كل ذي ظفر قال أصبغ : ما كان محرما في كتاب الله من ذبائحهم فلا يحل أكله ; لأنهم يدينون بتحريمها . وقاله أشهب وابن القاسم ، وأجازه ابن وهب . وقال ابن حبيب : ما كان محرما عليهم ، وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم ، وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم واجتهادهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم .السادسة قوله تعالى ذلك أي ذلك التحريم . ف ذلك في موضع رفع ، أي الأمر ذلك .جزيناهم ببغيهم أي بظلمهم ، عقوبة لهم لقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله ، [ ص: 116 ] وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل . وفي هذا دليل على أن التحريم إنما يكون بذنب ; لأنه ضيق فلا يعدل عن السعة إليه إلا عند المؤاخذة .وإنا لصادقون في إخبارنا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من اللحوم والشحوم .
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ
Puis, s'ils te traitent de menteur, alors dis: «Votre Seigneur est Détenteur d'une immense miséricorde cependant que Sa rigueur ne saura être détournée des gens criminels»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين قوله تعالى فإن كذبوك شرط ، والجواب فقل ربكم ذو رحمة واسعة . أي من سعة رحمته حلم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا . ثم أخبر بما أعده لهم في الآخرة من العذاب فقال : ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين .وقيل : المعنى ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراد حلوله في الدنيا .
سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ
Ceux qui ont associé diront: «Si Allah avait voulu, nous ne Lui aurions pas donné des associés, nos ancêtres non plus et nous n'aurions rien déclaré interdit.» Ainsi leurs prédécesseurs traitaient de menteurs (les messagers) jusqu'à ce qu'ils eurent goûté Notre rigueur. Dis: «Avez-vous quelque science à nous produire? Vous ne suivez que la conjecture et ne faites que mentir»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصونقوله تعالى سيقول الذين أشركوا قال مجاهد : يعني كفار قريش .قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء يريد البحيرة والسائبة والوصيلة . أخبر الله عز وجل بالغيب عما سيقولونه ; وظنوا أن هذا متمسك لهم لما لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما كانوا عليه . والمعنى : لو شاء الله لأرسل إلى آبائنا رسولا فنهاهم عن الشرك وعن تحريم ما أحل لهم فينتهوا - فأتبعناهم على ذلك . فرد الله عليهم ذلك فقال : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا .أي أعندكم دليل على أن هذا كذا ؟ إن تتبعون إلا الظن في هذا القول .وإن أنتم إلا تخرصون لتوهموا ضعفتكم أن لكم حجة . وقوله ولا آباؤنا عطف على النون في أشركنا . ولم يقل نحن ولا آباؤنا ; لأن قوله ولا قام مقام توكيد المضمر ; ولهذا حسن أن يقال : ما قمت ولا زيد .
قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ
Dis: «L'argument décisif appartient à Allah. S'Il avait voulu certainement Il vous aurait tous guidés. (sur le droit chemin)
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [ ص: 117 ] قوله تعالى قل فلله الحجة البالغة أي التي تقطع عذر المحجوج ، وتزيل الشك عمن نظر فيها . فحجته البالغة على هذا تبيينه أنه الواحد ، وإرساله الرسل والأنبياء ; فبين التوحيد بالنظر في المخلوقات ، وأيد الرسل بالمعجزات ، ولزم أمره كل مكلف . فأما علمه وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد ، إلا من ارتضى من رسول . ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه . وقد لبست المعتزلة بقوله : لو شاء الله ما أشركنا فقالوا : قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته . وتعلقهم بذلك باطل ; لأن الله تعالى إنما ذمهم على ترك اجتهادهم في طلب الحق . وإنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب .نظيره وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم . ولو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به لما عابهم ; لأن الله تعالى يقول : ولو شاء الله ما أشركوا . وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله . ولو شاء لهداكم أجمعين . ومثله كثير . فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله تعالى .
قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ
Dis: «Amenez vos témoins qui attesteraient qu'Allah a interdit cela.» Si ensuite ils témoignent, alors toi, ne témoigne pas avec eux et ne suis pas les passions de ceux qui traitent de mensonges Nos signes et qui ne croient pas à l'au-delà, tandis qu'ils donnent des égaux à leur Seigneur
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلونقوله تعالى قل هلم شهداءكم أي قل لهؤلاء المشركين أحضروا شهداءكم على أن الله حرم ما حرمتم . و هلم كلمة دعوة إلى شيء ، ويستوي فيه الواحد والجماعة والذكر والأنثى عند أهل الحجاز ، إلا في لغة نجد فإنهم يقولون : هلما هلموا هلمي ، يأتون بالعلامة كما تكون في سائر الأفعال . وعلى لغةأهل الحجاز جاء القرآن ، قال الله تعالى : والقائلين لإخوانهم هلم إلينا يقول : هلم أي احضر أو ادن . وهلم الطعام ، أي هات الطعام . والمعنى هاهنا : هاتوا شهداءكم ، وفتحت الميم لالتقاء الساكنين ; كما تقول : رد يا هذا ، ولا يجوز ضمها ولا كسرها . والأصل عند الخليل " ها " ضمت إليها " لم " ثم حذفت الألف لكثرة الاستعمال . وقال غيره . الأصل " هل " زيدت عليها " لم " . وقيل : هي على لفظها تدل على [ ص: 118 ] معنى هات . وفي كتاب العين للخليل : أصلها هل أؤم ، أي هل أقصدك ، ثم كثر استعمالهم إياها حتى صار المقصود بقولها احضر كما أن تعال أصلها أن يقولها المتعالي للمتسافل ; فكثر استعمالهم إياها حتى صار المتسافل يقول للمتعالي تعال .قوله تعالى فإن شهدوا أي شهد بعضهم لبعض .فلا تشهد معهم أي فلا تصدق أداء الشهادة إلا من كتاب أو على لسان نبي ، وليس معهم شيء من ذلك .