Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
الأنعام
Al-An'am
165 versets
وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ
Et ne mangez pas de ce sur quoi le nom d'Allah n'a pas été prononcé, car ce serait (assurément) une perversité. Les diables inspirent à leurs alliés de disputer avec vous. Si vous leur obéissez, vous deviendrez certes des associateurs
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركونقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق فيه خمس مسائل[ ص: 68 ] الأولى : روى أبو داود قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟ فأنزل الله عز وجل : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إلى آخر الآية . وروى النسائي عن ابن عباس في قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال : خاصمهم المشركون فقالوا : ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه ; فقال الله سبحانه لهم : لا تأكلوا ; فإنكم لم تذكروا اسم الله عليها . وتنشأ هنا مسألة أصولية ، وهي :الثانية : وذلك أن اللفظ الوارد على سبب هل يقصر عليه أم لا ; فقال علماؤنا : لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما يذكره الشارع ابتداء من صيغ ألفاظ العموم . أما ما ذكره جوابا لسؤال ففيه تفصيل ، على ما هو معروف في أصول الفقه ; إلا أنه إن أتى بلفظ مستقل دون السؤال لحق بالأول في صحة القصد إلى التعميم . فقوله : لا تأكلوا ظاهر في تناول الميتة ، ويدخل فيه ما ذكر عليه غير اسم الله بعموم أنه لم يذكر عليه اسم الله ، وبزيادة ذكر غير اسم الله سبحانه عليه الذي يقتضي تحريمه نصا بقوله : وما أهل به لغير الله . وهل يدخل فيه ما ترك المسلم التسمية عمدا عليه من الذبح ، وعند إرسال الصيد . اختلف العلماء في ذلك على أقوال خمسة ، وهي المسألة :الثالثة : القول الأول : إن تركها سهوا أكلا جميعا ، وهو قول إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل . فإن تركها عمدا لم يؤكلا ; وقاله في الكتاب مالك وابن القاسم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وعيسى وأصبغ ، وقاله سعيد بن جبير وعطاء ، واختاره النحاس وقال : هذا أحسن ، لأنه لا يسمى فاسقا إذا كان ناسيا .الثاني : إن تركها عامدا أو ناسيا يأكلهما . وهو قول الشافعي والحسن ، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعكرمة وأبي عياض وأبي رافع وطاوس وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وقتادة . وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال : تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمدا أو نسيانا . وروي عن ربيعة أيضا . قال عبد الوهاب : التسمية سنة ; فإذا تركها الذابح ناسيا أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه . الثالث : إن تركها عامدا أو ساهيا حرم أكلها ; قاله محمد بن سيرين وعبد الله بن [ ص: 69 ] عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن زيد الخطمي والشعبي ; وبه قال أبو ثور وداود بن علي وأحمد في رواية . الرابع : إن تركها عامدا كره أكلها ; قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من علمائنا . الخامس : قال أشهب : تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمدا إلا أن يكون مستخفا ، وقال نحوه الطبري .أدلة : قال الله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقال : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه فبين الحالين وأوضح الحكمين . فقوله : لا تأكلوا نهي على التحريم لا يجوز حمله على الكراهة ; لتناوله في بعض مقتضياته الحرام المحض ، ولا يجوز أن يتبعض ، أي يراد به التحريم والكراهة معا ; وهذا من نفيس الأصول . وأما الناسي فلا خطاب توجه إليه إذ يستحيل خطابه ; فالشرط ليس بواجب عليه . وأما التارك للتسمية عمدا فلا يخلو من ثلاثة أحوال : إما أن يتركها إذا أضجع الذبيحة ويقول : قلبي مملوء من أسماء الله تعالى وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكر بلساني ; فذلك يجزئه لأنه ذكر الله جل جلاله وعظمه . أو يقول : إن هذا ليس بموضع تسمية صريحة ، إذ ليست بقربة ; فهذا أيضا يجزئه . أو يقول : لا أسمي ، وأي قدر للتسمية ; فهذا متهاون فاسق لا تؤكل ذبيحته . قال ابن العربي : وأعجب لرأس المحققين إمام الحرمين حيث قال : ذكر الله تعالى إنما شرع في القرب ، والذبح ليس بقربة . وهذا يعارض القرآن والسنة ; قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل . فإن قيل : المراد بذكر اسم الله بالقلب ; لأن الذكر يضاد النسيان ومحل النسيان القلب فمحل الذكر القلب ، وقد روى البراء بن عازب : اسم الله على قلب كل مؤمن سمى أو لم يسم . قلنا : الذكر باللسان وبالقلب ، والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان ، فنسخ الله ذلك بذكره في الألسنة ، واشتهر ذلك في الشريعة حتى قيل لمالك : هل يسمي الله تعالى إذا توضأ فقال : أيريد أن يذبح . وأما الحديث الذي تعلقوا به من قوله : اسم [ ص: 70 ] الله على قلب كل مؤمن فحديث ضعيف . وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة ; لقوله عليه السلام لأناس سألوه ، قالوا : يا رسول الله ، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سموا الله عليه وكلوا . أخرجه الدارقطني عن عائشة ومالك مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه ، لم يختلف عليه في إرساله . وتأوله بأن قال في آخره : وذلك في أول الإسلام . يريد قبل أن ينزل عليه : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه . قال أبو عمر : وهذا ضعيف ، وفي الحديث نفسه ما يرده ، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل ; فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه . ومما يدل على صحة ما قلناه أن هذا الحديث كان بالمدينة ، ولا يختلف العلماء أن قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه نزل في سورة " الأنعام " بمكة .وإنه لفسق أي لمعصية ; عن ابن عباس . والفسق : الخروج . وقد تقدم .الرابعة : قوله تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم أي يوسوسون فيلقون في قلوبهم الجدال بالباطل . روى أبو داود عن ابن عباس في قوله : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم يقولون : ما ذبح الله فلا تأكلوه ، وما ذبحتم أنتم فكلوه ، فأنزل الله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال عكرمة : عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس . وقال ابن عباس وعبد الله بن كثير : بل الشياطين : الجن ، وكفرة الجن أولياء قريش . وروي عن عبد الله بن الزبير أنه قيل له : إن المختار يقول : يوحى إلي ، فقال : صدق ، إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم .وقوله : ليجادلوكم . يريد قولهم : ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه . والمجادلة : دفع القول على طريق الحجة بالقوة ; مأخوذ من الأجدل ، [ ص: 71 ] طائر قوي . وقيل : هو مأخوذ من الجدالة ، وهي الأرض ; فكأنه يغلبه بالحجة ويقهره حتى يصير كالمجدول بالأرض . وقيل : هو مأخوذ من الجدل ، وهو شدة الفتل ; فكأن كل واحد منهما يفتل حجة صاحبه حتى يقطعها ، وتكون حقا في نصرة الحق وباطلا في نصرة الباطل .الخامسة قوله تعالى : وإن أطعتموهم أي في تحليل الميتةإنكم لمشركون فدلت الآية على أن من استحل شيئا مما حرم الله تعالى صار به مشركا . وقد حرم الله سبحانه الميتة نصا ; فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك . قال ابن العربي : إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد ; فأما إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص ; فافهموه . وقد مضى في المائدة .
أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
Est-ce que celui qui était mort et que Nous avons ramené à la vie et à qui Nous avons assigné une lumière grâce à laquelle il marche parmi les gens, est pareil à celui qui est dans les ténèbres sans pouvoir en sortir? Ainsi on a enjolivé aux mécréants ce qu'ils œuvrent
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملونقوله تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه قرأ الجمهور بفتح الواو ، دخلت عليها همزة الاستفهام . وروى المسيبي عن نافع بن أبي نعيم " أومن كان " بإسكان الواو . قال النحاس : يجوز أن يكون محمولا على المعنى ، أي انظروا وتدبروا أغير الله أبتغي حكما . أومن كان ميتا فأحييناه قيل : معناه كان ميتا حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح فيه ; حكاه ابن بحر . وقال ابن عباس : أومن كان كافرا فهديناه . نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل . وقال زيد بن أسلم والسدي : فأحييناه عمر رضي الله عنه . كمن مثله في الظلمات أبو جهل لعنه الله . والصحيح أنها عامة في كل مؤمن وكافر . وقيل : كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم . وأنشد بعض أهل العلم ما يدل على صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة :وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسامهم قبل القبور قبوروإن امرأ لم يحي بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشوروالنور عبارة عن الهدى والإيمان . وقال الحسن : القرآن . وقيل : الحكمة . وقيل : هو [ ص: 72 ] النور المذكور في قوله : يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم وقوله : انظرونا نقتبس من نوركم .يمشي به في الناس أي بالنوركمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها أي كمن هو ف " مثل " زائدة . تقول : أنا أكرم مثلك ; أي أكرمك . ومثله : فجزاء مثل ما قتل من النعم ليس كمثله شيء . وقيل : المعنى كمن مثله مثل من هو في الظلمات . والمثل والمثل واحد .كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون أي زين لهم الشيطان عبادة الأصنام وأوهمهم أنهم أفضل من المسلمين .
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ
Ainsi, Nous avons placé dans chaque cité de grands criminels qui y ourdissent des complots. Mais ils ne complotent que contre eux-mêmes et ils n'en sont pas conscients
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرونقوله تعالى وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها المعنى : وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية . مجرميها مفعول أول ل " جعل " أكابر مفعول ثان على التقديم والتأخير . وجعل بمعنى صير . والأكابر جمع الأكبر . قال مجاهد : يريد العظماء . وقيل : الرؤساء والعظماء . وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد . والمكر : الحيلة في مخالفة الاستقامة ، وأصله الفتل ; فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها . قال مجاهد : كانوا يجلسون على كل عقبة أربعة ينفرون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ; كما فعل من قبلهم من الأمم السالفة بأنبيائهم .وما يمكرون إلا بأنفسهم أي وبال مكرهم راجع إليهم . وهو من الله عز وجل الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم .وما يشعرون في الحال ; لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم .
وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ
Et lorsqu'une preuve leur vient, ils disent: «Jamais nous ne croirons tant que nous n'aurons pas reçu un don semblable à celui qui a été donné aux messagers d'Allah». Allah sait mieux où placer Son message. Ceux qui ont commis le crime seront atteints d'un rapetissement auprès d'Allah ainsi que d'un supplice sévère pour les ruses qu'ils tramaient
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون [ ص: 73 ] قوله تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن بين شيئا آخر من جهلهم ، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء ، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات ; ونظيره بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة . والكناية في جاءتهم ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم . قال الوليد بن المغيرة : لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك ; لأني أكبر منك سنا ، وأكثر منك مالا . وقال أبو جهل : والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ; فنزلت الآية . وقيل : لم يطلبوا النبوة ولكن قالوا لا نصدقك حتى يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك . والأول أصح ; لأن الله تعالى قال : الله أعلم حيث يجعل رسالته أي بمن هو مأمون عليها وموضع لها . و حيث ليس ظرفا هنا ، بل هو اسم نصب نصب المفعول به على الاتساع ; أي الله أعلم أهل الرسالة . وكان الأصل الله أعلم بمواضع رسالته ، ثم حذف الحرف ، ولا يجوز أن يعمل " أعلم " في " حيث " ويكون ظرفا ، لأن المعنى يكون على ذلك : الله أعلم ، في هذا الموضع ، وذلك لا يجوز أن يوصف به الباري تعالى ، وإنما موضعها نصب بفعل مضمر دل عليه " أعلم " . وهي اسم كما ذكرنا . والصغار : الضيم والذل والهوان ، وكذلك الصغر " بالضم " . والمصدر الصغر " بالتحريك " . وأصله من الصغر دون الكبر ; فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه ، وقيل : أصله من الصغر وهو الرضا بالذل ; يقال منه : صغر يصغر بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل . وصغر بالكسر يصغر بالفتح لغتان ، صغرا وصغارا ، واسم الفاعل صاغر وصغير . والصاغر : الراضي بالضيم . والمصغوراء الصغار . وأرض مصغرة : نبتها لم يطل ; عن ابن السكيت .عند الله أي من عند الله ، فحذف . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار . الفراء : سيصيب الذين أجرموا صغار من الله . وقيل : المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله . قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال ; لأن عند في موضعها .
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ
Et puis, quiconque Allah veut guider, Il lui ouvre la poitrine à l'Islam. Et quiconque Il veut égarer, Il rend sa poitrine étroite et gênée, comme s'il s'efforçait de monter au ciel. Ainsi Allah inflige Sa punition à ceux qui ne croient pas
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنونقوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام أي يوسعه له ويوفقه [ ص: 74 ] ويزين عنده ثوابه . ويقال : شرح شق ، وأصله التوسعة . وشرح الله صدره وسعه بالبيان لذلك . وشرحت الأمر : بينته وأوضحته . وكانت قريش تشرح النساء شرحا ، وهو مما تقدم من التوسعة والبسط ، وهو وطء المرأة مستلقية على قفاها . فالشرح : الكشف ; تقول : شرحت الغامض ; ومنه تشريح اللحم . قال الراجز :كم قد أكلت كبدا وإنفحه ثم ادخرت إليه مشرحهوالقطعة منه شريحة . وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة .ومن يرد أن يضله يغويه .يجعل صدره ضيقا حرجا وهذا رد على القدرية . ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه السلام : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين أخرجه الصحيحان . ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره . والدين العبادات ; كما قال : إن الدين عند الله الإسلام . ودليل خطابه أن من لم يرد الله به خيرا ضيق صدره ، وأبعد فهمه فلم يفقهه . والله أعلم . وروي أن عبد الله بن مسعود قال : يا رسول الله ، وهل ينشرح الصدر ؟ فقال : نعم يدخل القلب نور . فقال : وهل لذلك من علامة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت . وقرأ ابن كثير " ضيقا " بالتخفيف ; مثل هين ولين لغتان . ونافع وأبو بكر " حرجا " بالكسر ، ومعناه الضيق . كرر المعنى ، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ . والباقون بالفتح . جمع حرجة ; وهو شدة الضيق أيضا ، والحرجة الغيضة ; والجمع حرج وحرجات . ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه في تركه هواه للمعاصي ; قاله الهروي . وقال ابن عباس : الحرج موضع الشجر الملتف ; فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التف شجره . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى ; ذكره مكي والثعلبي وغيرهما . وكل ضيق حرج وحرج . قال الجوهري : مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية . وقرئ يجعل صدره ضيقا حرجا و " حرجا " . وهو بمنزلة الوحد والوحد والفرد والفرد والدنف والدنف ; في معنى واحد ، وحكاه غيره عن الفراء . وقد حرج صدره يحرج حرجا . والحرج الإثم . والحرج أيضا : الناقة الضامرة . ويقال : الطويلة على وجه الأرض ; عن أبي زيد ، فهو لفظ مشترك . والحرج : خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى ; عن الأصمعي . وهو قول امرئ القيس : [ ص: 75 ]فإما تريني في رحالة جابر على حرج كالقر تخفق أكفانيوربما وضع فوق نعش النساء ; قال عنترة يصف ظليما :يتبعن قلة رأسه وكأنه حرج على نعش لهن مخيموقال الزجاج : الحرج : أضيق الضيق . فإذا قيل . فلان حرج الصدر ، فالمعنى ذو حرج في صدره . فإذا قيل : حرج فهو فاعل . قال النحاس : حرج اسم الفاعل ، وحرج مصدر وصف به ; كما يقال : رجل عدل ورضا .قوله تعالى : كأنما يصعد في السماء قرأه ابن كثير بإسكان الصاد مخففا ، من الصعود وهو الطلوع . شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه ; كما أن صعود السماء لا يطاق . وكذلك يصاعد وأصله يتصاعد ، أدغمت التاء في الصاد ، وهي قراءة أبي بكر والنخعي ; إلا أن فيه معنى فعل شيء بعد شيء ، وذلك أثقل على فاعله . وقرأ الباقون بالتشديد من غير ألف ، وهو كالذي قبله . معناه يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شيء ; كقولك : يتجرع ويتفوق . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ " كأنما يتصعد " . قال النحاس : ومعنى هذه القراءة وقراءة من قرأ ( يصعد ويصاعد ) واحد . والمعنى فيهما أن الكافر من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلك ; فكأنه يستدعي ذلك . وقيل : المعنى كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا عن الإسلام .كذلك يجعل الله الرجس عليهم ; كجعله ضيق الصدر في أجسادهم . وأصل الرجس في اللغة النتن . قال ابن زيد : هو العذاب . وقال ابن عباس : الرجس هو الشيطان ; أي يسلطه عليهم . وقال مجاهد : الرجس ما لا خير فيه . وكذلك الرجس عند أهل اللغة هو النتن . فمعنى الآية والله أعلم : ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة على الذين لا يؤمنون .