Tafsirs/Tafseer Al Qurtubi/An-Najm
Arabe

Tafseer Al Qurtubi

Qurtubi

النجم

An-Najm

62 versets

Versets 610 sur 62Page 2 / 13
6S53V06

ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ

doué de sagacité; c'est alors qu'il se montra sous sa forme réelle [angélique]

Tafseer Al QurtubiQurtubi

ذو مرة على قول الحسن تمام الكلام ، ومعناه ذو قوة والقوة من صفات الله تعالى ; وأصله من شدة فتل الحبل ، كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحل .ثم قال : فاستوى يعني الله عز وجل ; أي : استوى على العرش . روي معناه عن الحسن . وقال الربيع بن أنس والفراء : فاستوى وهو بالأفق الأعلى أي : استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام . وهذا على العطف على المضمر المرفوع ب " هو " . وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية المعطوف عليه ; فيقولون : استوى هو وفلان ; وقلما يقولون استوى وفلان ; وأنشد الفراء : [ ص: 80 ]ألم تر أن النبع يصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصفأي لا يستوي هو والخروع ; ونظير هذا : أإذا كنا ترابا وآباؤنا والمعنى أإذا كنا ترابا نحن وآباؤنا . ومعنى الآية : استوى جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة الإسراء بالأفق الأعلى . وأجاز العطف على الضمير لئلا يتكرر . وأنكر ذلك الزجاج إلا في ضرورة الشعر . وقيل : المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى ، وهو أجود . وإذا كان المستوي جبريل فمعنى ذو مرة في وصفه : ذو منطق حسن ; قاله ابن عباس . وقال قتادة : ذو خلق طويل حسن . وقيل : معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم . لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي . وقال امرؤ القيس :كنت فيهم أبدا ذا حيلة محكم المرة مأمون العقدوقد قيل : ذو مرة ذو قوة . قال الكلبي : وكان من شدة جبريل عليه السلام أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الأرض السفلى ، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء ، حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها . وكان من شدته أيضا أنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند . وكان من شدته : صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم ، فأصبحوا جاثمين خامدين . وكان من شدته هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف . وقال قطرب : تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل : ذو مرة . قال الشاعر :قد كنت قبل لقاكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانهوكان من جزالة رأيه وحصافة عقله أن الله ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله . قال الجوهري : والمرة إحدى الطبائع الأربع ، والمرة : القوة وشدة العقل أيضا . ورجل مرير أي قوي ذو مرة . قال :ترى الرجل النحيف فتزدريه وحشو ثيابه أسد مرير[ ص: 81 ] وقال لقيط :حتى استمرت على شزر مريرته مر العزيمة لا رتا ولا ضرعاوقال مجاهد وقتادة : ذو مرة ذو قوة ; ومنه قول خفاف بن ندبة :إني امرؤ ذو مرة فاستبقني فيما ينوب من الخطوب صليبفالقوة تكون من صفة الله عز وجل ، ومن صفة المخلوق . فاستوى يعني جبريل على ما بينا ; أي : ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ قاله سعيد بن المسيب وابن جبير . وقيل : فاستوى أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها ; لأنه كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض ومرة في السماء ; فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى ،وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء ، فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض إلى المغرب ، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه . فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره ، وجعل يمسح الغبار عن وجهه ; فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحدا على مثل هذه الصورة . فقال : يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب . فقال : إن هذا لعظيم فقال : وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا ، ولقد خلق الله إسرافيل له ستمائة جناح ، كل جناح منها قدر جميع أجنحتي ، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوصع . يعني العصفور الصغير ; دليله قوله تعالى : ولقد رآه بالأفق المبين وأما في السماء فعند سدرة المنتهى ، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا صلى الله عليه وسلم . وقول ثالث أن معنى " فاستوى " أي : استوى القرآن في صدره . وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : في صدر جبريل حين نزل به عليه . الثاني : في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه . وقول رابع أن معنى " فاستوى " فاعتدل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : فاعتدل في قوته ، الثاني : في رسالته ؛ ذكرهما الماوردي .قلت : وعلى الأول يكون تمام الكلام ذو مرة ، وعلى الثاني شديد القوى . وقول خامس أن معناه فارتفع . وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : أنه جبريل عليه السلام ارتفع إلى مكانه على ما ذكرنا آنفا ، الثاني : أنه النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج . وقول سادس [ ص: 82 ] فاستوى يعني الله عز وجل ، أي : استوى على العرش على قول الحسن . وقد مضى القول فيه في " الأعراف " .

7S53V07

وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ

alors qu'il se trouvait à l'horizon supérieur

Tafseer Al QurtubiQurtubi

قوله تعالى : وهو بالأفق الأعلى جملة في موضع الحال ، والمعنى فاستوى عاليا ، أي : استوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يراه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا . والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق . وقال قتادة : هو الموضع الذي تأتي منه الشمس . وكذا قال سفيان : هو الموضع الذي تطلع منه الشمس . ونحوه عن مجاهد . ويقال : أفق وأفق مثل عسر وعسر . وقد مضى في " حم السجدة " . وفرس أفق بالضم أي رائع وكذلك الأنثى ; قال الشاعر [ عمرو بن قنعاس المرادي ] :أرجل لمتي وأجر ذيلي وتحمل شكتي أفق كميتوقيل : وهو أي : النبي صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى يعني ليلة الإسراء وهذا ضعيف ; لأنه يقال : استوى هو وفلان ، ولا يقال استوى وفلان إلا في ضرورة الشعر . والصحيح استوى جبريل عليه السلام وجبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية ; لأنه كان يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بالوحي في صورة رجل ، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يراه على صورته الحقيقية ، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق .

8S53V08

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ

Puis il se rapprocha et descendit encore plus bas

Tafseer Al QurtubiQurtubi

قوله تعالى : ثم دنا فتدلى أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي . المعنى أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عظمته ما رأى ، وهاله ذلك رده الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ، وذلك قوله تعالى : فأوحى إلى عبده يعني أوحى الله إلى جبريل وكان جبريل قاب قوسين أو أدنى ؛ قاله ابن عباس والحسن وقتادة والربيع وغيرهم . وعن ابن عباس أيضا في قوله تعالى : ثم دنا فتدلى أن معناه أن الله تبارك وتعالى دنا من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى . وروى نحوه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم . والمعنى : دنا منه أمره وحكمه . وأصل التدلي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه فوضع موضع القرب ; قال لبيد :فتدليت عليه قافلا وعلى الأرض غيابات الطفلوذهب الفراء إلى أن الفاء في فتدلى بمعنى الواو ، والتقدير : ثم تدلى جبريل عليه السلام ودنا . ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت ، فقلت : فدنا فقرب وقرب فدنا ، وشتمني فأساء وأساء فشتمني ; لأن الشتم والإساءة شيء واحد . [ ص: 83 ] وكذلك قوله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر المعنى والله أعلم : انشق القمر واقتربت الساعة . وقال الجرجاني : في الكلام تقديم وتأخير أي تدلى فدنا ; لأن التدلي سبب الدنو . وقال ابن الأنباري : ثم تدلى جبريل أي نزل من السماء فدنا من محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ابن عباس : تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه . وسيأتي . ومن قال : المعنى فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى قد يقول : ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى أي هوى للسجود . وهذا قول الضحاك . قال القشيري : وقيل على هذا تدلى أي تدلل ; كقولك تظنى بمعنى تظنن ، وهذا بعيد ; لأن الدلال غير مرضي في صفة العبودية .

9S53V09

فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ

et fut à deux portées d'arc, ou plus près encore

Tafseer Al QurtubiQurtubi

قوله تعالى : فكان قاب قوسين أو أدنى أي ( كان ) محمد من ربه أو من جبريل ( قاب قوسين ) أي قدر قوسين عربيتين ؛ قاله ابن عباس وعطاء والفراء . الزمخشري : فإن قلت كيف تقدير قوله : فكان قاب قوسين قلت : تقديره : فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين ، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله :وقد جعلتني من حزيمة إصبعاأي ذا مقدار مسافة إصبع أو أدنى أي على تقديركم ; كقوله تعالى : أو يزيدون . وفي الصحاح : وتقول بينهما قاب قوس ، وقيب قوس وقاد قوس ، وقيد قوس ; أي قدر قوس . وقرأ زيد بن علي " قاد " وقرئ " قيد " و " قدر " . ذكره الزمخشري . والقاب ما بين المقبض والسية . ولكل قوس قابان . وقال بعضهم في قوله تعالى : قاب قوسين أراد قابي قوس فقلبه . وفي الحديث : ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها والقد السوط . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها . وإنما ضرب المثل [ ص: 84 ] بالقوس ، لأنها لا تختلف في القاب . والله أعلم . قال القاضي عياض : اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى ، وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه - إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق أنوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته . ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام .ويتأول في قوله عليه السلام : ينزل ربنا إلى سماء الدنيا على أحد الوجوه : نزول إجمال وقبول وإحسان . قال القاضي : وقوله : فكان قاب قوسين أو أدنى فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبارة عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفي ، وإنافة المنزلة والقرب من الله ; ويتأول فيه ما يتأول في قوله عليه السلام : من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة قرب بالإجابة والقبول ، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول . وقد قيل : ثم دنا جبريل من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى ؛ قاله مجاهد . ويدل عليه ما روي في الحديث : إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام . وقيل : أو بمعنى الواو أي : قاب قوسين وأدنى . وقيل : بمعنى بل أي بل أدنى . وقال سعيد بن المسيب : القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه ، ولكل قوس قاب واحد . فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى الله عليه وسلم كقرب قاب قوسين . وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة : فكان قاب قوسين أي قدر ذراعين ، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء ، وهي لغة بعض الحجازيين . وقيل : هي لغة أزد شنوءة أيضا . وقال الكسائي : قوله : فكان قاب قوسين أو أدنى أراد قوسا واحدا ; كقول الشاعر : [ ص: 85 ]ومهمهين قذفين مرتين قطعته بالسمت لا بالسمتينأراد مهمها واحدا . والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ومن ذكر قال قويس ; وفي المثل هو من خير قويس سهما . والجمع قسي قسي وأقواس وقياس ; وأنشد أبو عبيدة :ووتر الأساور القياسا والقوس أيضا بقية التمرفي الجلة أي : الوعاء . والقوس برج في السماء . فأما " القوس " بالضم فصومعة الراهب ; قال الشاعر جرير وذكر امرأة :لاستفتنتني وذا المسحين في القوس

10S53V10

فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ

Il révéla à Son serviteur ce qu'Il révéla

Tafseer Al QurtubiQurtubi

قوله تعالى : فأوحى إلى عبده ما أوحى تفخيم للوحي الذي أوحي إليه . وتقدم معنى الوحي وهو إلقاء الشيء بسرعة ومنه : الوحاء الوحاء . والمعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى . وقيل : المعنى فأوحى إلى عبده جبريل عليه السلام ما أوحى . وقيل : المعنى فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه ؛ قاله الربيع والحسن وابن زيد وقتادة . قال قتادة : أوحى الله إلى جبريل وأوحى جبريل إلى محمد . ثم قيل : هذا الوحي هل هو مبهم ؟ لا نطلع عليه نحن وتعبدنا بالإيمان به على الجملة ، أو هو معلوم مفسر ؟ قولان ؛ وبالثاني قال سعيد بن جبير ، قال : أوحى الله إلى محمد : ألم أجدك يتيما فآويتك ! ألم أجدك ضالا فهديتك ! ألم أجدك عائلا فأغنيتك ! ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك . وقيل : أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد ، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك .