Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
البقرة
Al-Baqarah
286 versets
يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
Allah anéantit l'intérêt usuraire et fait fructifier les aumônes. Et Allah n'aime pas le mécréant pécheur
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : يمحق الله الربا يعني في الدنيا أي يذهب بركته وإن كان كثيرا . روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل . وقيل : يمحق الله الربا يعني في الآخرة . وعن ابن عباس في قوله تعالى : يمحق الله الربا قال : لا يقبل منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة . والمحق : النقص والذهاب ، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه .ويربي الصدقات أي ينميها في الدنيا بالبركة ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة . وفي صحيح مسلم : إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يجيء يوم القيامة وإن اللقمة لعلى قدر أحد . وقرأ ابن الزبير " يمحق " بضم الياء وكسر الحاء مشددة " يربي " بفتح الراء وتشديد الباء ، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك .- قوله تعالى : والله لا يحب كل كفار أثيم ووصف ( كفار ) بأثيم مبالغة ، من حيث اختلف اللفظان . وقيل : لإزالة الاشتراك في ( كفار ) إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض : قاله ابن فورك .
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ
Ceux qui ont la foi, ont fait de bonnes œuvres, accompli la Salât et acquitté la Zakât auront certes leur récompense auprès de leur Seigneur. Pas de crainte pour eux, et ils ne seront point affligés
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
وقد تقدم القول في قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنها عمل الصالحات تشريفا لهما وتنبيها على قدرهما إذ هما رأس الأعمال ؛ الصلاة في أعمال البدن ، والزكاة في أعمال المال .
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ
O les croyants! Craignez Allah; et renoncez au reliquat de l'intérêt usuraire, si vous êtes croyants
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
-يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين [ ص: 330 ] ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول آية التحريم ، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا . وقد قيل : إن الآية نزلت بسبب ثقيف ، وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن ما لهم من الربا على الناس فهو لهم ، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم ، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء ، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف ، وكانت على بني المغيرة المخزوميين . فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا فإن الربا قد رفع ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد ، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب ، فعلمت بها ثقيف فكفت . هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم . والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه .- قوله تعالى : " إن كنتم مؤمنين " شرط محض في ثقيف على بابه لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام . وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة ، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه : إن كنت رجلا فافعل كذا . وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال : إن " إن " في هذه الآية بمعنى " إذ " . قال ابن عطية : وهذا مردود لا يعرف في اللغة . وقال ابن فورك : يحتمل أن يريد يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ لا ينفع الأول إلا بهذا . وهذا مردود بما روي في سبب الآية .
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ
Et si vous ne le faites pas, alors recevez l'annonce d'une guerre de la part d'Allah et de Son messager. Et si vous vous repentez, vous aurez vos capitaux. Vous ne léserez personne, et vous ne serez point lésés
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
-فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله هذا وعيد إن لم يذروا الربا ، والحرب داعية القتل . وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب . وقال ابن عباس أيضا : من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه . وقال قتادة : أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا . وقيل : المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله ، أي : أعداء . وقال ابن خويزمنداد : ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا كانوا مرتدين ، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة ، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالا جاز للإمام محاربتهم ، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال : فأذنوا بحرب من الله ورسوله . وقرأ أبو بكر عن عاصم " فآذنوا " على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم .- ذكر ابن بكير قال : جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبد الله ، [ ص: 331 ] إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر ، فقلت : امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر . فقال : ارجع حتى أنظر في مسألتك . فأتاه من الغد فقال له : ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له : امرأتك طالق ، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر من الربا ؛ لأن الله أذن فيه بالحرب .- دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر ، ولا خلاف في ذلك على ما نبينه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا أصابه غباره وروى الدارقطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة وروي عنه عليه السلام أنه قال : الربا تسعة وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأمه يعني الزنا بأمه . وقال ابن مسعود آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم . وروى البخاري عن أبي جحيفة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور . وفي صحيح [ ص: 332 ] مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : اجتنبوا السبع الموبقات . . . - وفيها - وآكل الربا . وفي مصنف أبي داود عن ابن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده .- قوله تعالى : وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم الآية . روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع : ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع ، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وذكر الحديث . فردهم تعالى مع التوبة إلى رءوس أموالهم وقال لهم : لا تظلمون في أخذ الربا ولا تظلمون في أن يتمسك بشيء من رءوس أموالكم فتذهب أموالكم . ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل ؛ لأن مطل الغني ظلم ، فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا ، وهكذا سنة الصلح ، وهذا أشبه شيء بالصلح . ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر فقال كعب : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر : ( قم فاقضه ) . فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات . وسيأتي في ( النساء ) بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز ، إن شاء الله تعالى .- قوله تعالى : وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه . فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد ، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع ؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد ، كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض ؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض ، ولو كان مقبوضا لم يؤثر . هذا مذهب أبي حنيفة ، وهو قول لأصحاب الشافعي . ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف ، ويروى هذا الخلاف عن أحمد . وهذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن العقد في [ ص: 333 ] الربا كان في الأصل منعقدا ، وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل القبض . وأما من منع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحا ، وذلك أن الربا كان محرما في الأديان ، والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة المشركين ، وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالغصب والسلب فلا يتعرض له . فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل . واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى ، كما حكي عن اليهود في قوله تعالى وأخذهم الربا وقد نهوا عنه . وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا : أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به . نعم ، يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إن كانت معقودة على فساد .- ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام . قال ابن العربي : وهذا غلو في الدين فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه ولو تلف لقام المثل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه كما أن الإهلاك إتلاف لعينه والمثل قائم مقام الذاهب وهذا بين حسا بين معنى . والله أعلم .قلت : قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه ويطلبه إن لم يكن حاضرا فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه . وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه . فإن التبس عليه الأمر ولم يدر كم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه . فإن أيس من وجوده تصدق به عنه . فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبتيه وقوت يومه لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه وإن كره ذلك من يأخذه منه وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه ، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه . وأبو عبيد وغيره [ ص: 334 ] يرى ألا يترك للمفلس اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته ، ثم كلما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا ، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه .هذا الوعيد الذي وعد الله به في الربا من المحاربة ، قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في المخابرة . وروى أبو داود قال : أخبرنا يحيى بن معين قال : أخبرنا ابن رجاء قال ابن خيثم : حدثني عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله . وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع ، ويسمى المزارعة . وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعي وأبو حنيفة وأتباعهم وداود ، على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثلث والربع ، ولا على جزء مما تخرج ؛ لأنه مجهول ، إلا أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان معلوما ، لقوله عليه السلام : فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به خرجه مسلم . وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، ومنعه مالك وأصحابه ، لما رواه مسلم أيضا عن رافع بن خديج قال : ( كنا نحاقل بالأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى ، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا ، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا ، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام المسمى ، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزارعها . وكره كراءها وما سوى ذلك ) . قالوا : فلا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولا كان أو مشروبا على حال ؛ لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئا . وكذلك لا يجوز عندهم كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما مأكولا ولا مشروبا ، سوى الخشب والقصب والحطب ؛ لأنه عندهم في معنى المزابنة . هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه . وقد ذكر ابن سحنون عن المغيرة بن عبد الرحمن [ ص: 335 ] المخزومي المدني أنه قال : لا بأس بإكراء الأرض بطعام لا يخرج منها . وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز ، كقول سائر أصحاب مالك . وذكر ابن حبيب ، أن ابن كنانة كان يقول : لا تكرى الأرض بشيء إذا أعيد فيها نبت ، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها ، وبه قال يحيى بن يحيى ، وقال : إنه من قول مالك . قال : وكان ابن نافع يقول : لا بأس بأن تكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره خرج منها أو لم يخرج ، ما عدا الحنطة وأخواتها فإنها المحاقلة المنهي عنها . وقال مالك في الموطأ : فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث والربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغرر ؛ لأن الزرع يقل مرة ويكثر أخرى ، وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما ، وإنما مثل ذلك مثل رجل استأجر أجيرا لسفر بشيء معلوم ، ثم قال الذي استأجر للأجير : هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا إجارة لك . فهذا لا يحل ولا ينبغي . قال مالك : ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا دابته إلا بشيء معلوم لا يزول . وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما . وقال أحمد بن حنبل والليث والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد : لا بأس أن يعطي الرجل أرضه على جزء ، مما تخرجه نحو الثلث والربع ، وهو قول ابن عمر وطاوس . واحتجوا بقصة خيبر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم وثمارهم . قال أحمد : حديث رافع بن خديج في النهي عن كراء المزارع مضطرب الألفاظ ولا يصح ، والقول بقصة خيبر أولى وهو حديث صحيح . وقد أجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يعطي الرجل سفينته ودابته ، كما يعطي أرضه بجزء مما يرزقه الله في العلاج بها . وجعلوا أصلهم في ذلك القراض المجمع عليه على ما يأتي بيانه في " المزمل " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقال الشافعي في قول ابن عمر : كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها ، أي كنا نكري الأرض ببعض ما يخرج منها . قال : وفي ذلك نسخ لسنة خيبر .[ ص: 336 ] قلت : ومما يصحح قول الشافعي في النسخ ما رواه الأئمة واللفظ للدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وعن الثنيا إلا أن تعلم . صحيح . وروى أبو داود عن زيد بن ثابت قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة . قلت : وما المخابرة ؟ قال : أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع .: في القراءات . قرأ الجمهور " ما بقي " بتحريك الياء ، وسكنها الحسن ، ومثله قول جرير :هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنفوقال عمر بن أبي ربيعة :كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم يا أشبه الناس كل الناس بالقمرإني لأجذل أن أمسي مقابله حبا لرؤية من أشبهت في الصور، أصله " ما رضي " و " أن أمسي " فأسكنها ، وهو في الشعر كثير . ووجهه أنه شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى الياء . ومن هذه اللغة ( أحب أن أدعوك ) ، ( وأشتهي أن أقضيك ) ، بإسكان الواو والياء . وقرأ الحسن " ما بقى " بالألف ، وهي لغة طيئ ، يقولون للجارية : جاراة ، وللناصية : ناصاة ، وقال الشاعر :لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقى على الأرض قيسي يسوق الأباعراوقرأ أبو السمال من بين جميع القراء " من الربو " بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو . وقال أبو الفتح عثمان بن جني : شذ هذا الحرف من أمرين ، أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم ، والآخر وقوع الواو بعد الضم في آخر الاسم . وقال المهدوي . وجهها أنه فخم الألف فانتحى بها نحو الواو التي الألف منها ، ولا ينبغي أن يحمل على غير هذا الوجه ، إذ ليس في الكلام اسم آخره واو ساكنة قبلها ضمة . وأمال الكسائي وحمزة " الربا " لمكان الكسرة في الراء . الباقون بالتفخيم لفتحة الباء .وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة " فآذنوا " على معنى فآذنوا غيركم ، فحذف المفعول . وقرأ الباقون فأذنوا أي كونوا على إذن ، من قولك : إني على علم ، حكاه أبو عبيد عن الأصمعي . وحكى أهل اللغة أنه يقال : أذنت به إذنا ، أي علمت به . وقال ابن عباس وغيره من المفسرين : معنى فأذنوا فاستيقنوا الحرب من الله تعالى ، وهو [ ص: 337 ] بمعنى الإذن . ورجح أبو علي وغيره قراءة المد قال : لأنهم إذا أمروا بإعلام غيرهم ممن لم ينته عن ذلك علموا هم لا محالة . قال : ففي إعلامهم علمهم وليس في علمهم إعلامهم . ورجح الطبري قراءة القصر ؛ لأنها تختص بهم . وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهموقرأ جميع القراء ( لا تظلمون ) بفتح التاء ( ولا تظلمون ) بضمها . وروى المفضل عن عاصم " لا تظلمون " " ولا تظلمون " بضم التاء في الأولى وفتحها في الثانية على العكس . وقال أبو علي : تترجح قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله : ( وإن تبتم ) في إسناد الفعلين إلى الفاعل ، فيجيء " تظلمون " بفتح التاء أشكل بما قبله .
وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ
A celui qui est dans la gêne, accordez un sursis jusqu'à ce qu'il soit dans l'aisance. Mais il est mieux pour vous de faire remise de la dette par charité! Si vous saviez
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمونفيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة لما حكم جل وعز لأرباب الربا برءوس أموالهم عند الواجدين للمال ، حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حال الميسرة ، وذلك أن ثقيفا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة شكوا العسرة - يعني بني المغيرة - وقالوا : ليس لنا شيء ، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم ، فنزلت هذه الآية وإن كان ذو عسرة .الثانية : قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة مع قوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه . ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالما ، فإن الله تعالى يقول : فلكم رءوس أموالكم فجعل له المطالبة برأس ماله . فإذا كان له حق المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه .الثالثة : قال المهدوي وقال بعض العلماء : هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر . وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام . قال ابن عطية : فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ وإلا فليس بنسخ . قال الطحاوي : كان الحر يباع في الدين أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جل وعز : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة . واحتجوا بحديث رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد [ ص: 338 ] الزنجي أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البيلماني عن سرق قال : كان لرجل علي مال - أو قال دين - فذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصب لي مالا فباعني منه ، أو باعني له . أخرجه البزار بهذا الإسناد أطول منه . ومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما . وقال جماعة من أهل العلم : قوله تعالى : فنظرة إلى ميسرة عامة في جميع الناس ، فكل من أعسر أنظر ، وهذا قول أبي هريرة والحسن وعامة الفقهاء . قال النحاس : وأحسن ما قيل في هذه الآية قول عطاء والضحاك والربيع بن خيثم . قال : هي لكل معسر ينظر في الربا والدين كله . فهذا قول يجمع الأقوال ؛ لأنه يجوز أن تكون ناسخة عامة نزلت في الربا ثم صار حكم غيره كحكمه . ولأن القراءة بالرفع بمعنى وإن وقع ذو عسرة من الناس أجمعين . ولو كان في الربا خاصة لكان النصب الوجه ، بمعنى وإن كان الذي عليه الربا ذا عسرة . وقال ابن عباس وشريح : ذلك في الربا خاصة ، فأما الديون وسائر المعاملات فليس فيها نظرة بل يؤدي إلى أهلها أو يحبس فيه حتى يوفيه ، وهو قول إبراهيم . واحتجوا بقول الله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها الآية . قال ابن عطية : فكان هذا القول يترتب إذا لم يكن فقر مدقع ، وأما مع العدم والفقر الصريح فالحكم هو النظرة ضرورة .الرابعة : من كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله ويترك له ما كان من ضرورته . روى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه . والمشهور أنه يترك له كسوته المعتادة ما لم يكن فيها فضل ، ولا ينزع منه رداؤه إن كان ذلك مزريا به . وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالما خلاف . ولا يترك له مسكن ولا خادم ولا ثوب جمعة ما لم تقل قيمتها ، وعند هذا يحرم حبسه . والأصل في هذا قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة . روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تصدقوا عليه ) فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه : ( خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ) . وفي مصنف أبي داود : فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءه على أن خلع لهم ماله . وهذا نص ، فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبس الرجل ، وهو معاذ بن جبل كما قال شريح ، ولا بملازمته ، خلافا لأبي حنيفة فإنه قال : يلازم لإمكان أن يظهر له مال ، ولا يكلف أن يكتسب لما ذكرنا . وبالله توفيقنا .الخامسة : ويحبس المفلس في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم حتى يتبين عدمه . ولا يحبس عند مالك إن لم يتهم أنه غيب ماله ولم يتبين لدده . وكذلك لا يحبس إن صح عسره على ما ذكرنا .السادسة : فإن جمع مال المفلس ثم تلف قبل وصوله إلى أربابه وقبل البيع ، فعلى المفلس ضمانه ، ودين الغرماء ثابت في ذمته . فإن باع الحاكم ماله وقبض ثمنه ثم تلف الثمن قبل قبض الغرماء له ، كان عليهم ضمانه وقد برئ المفلس منه . وقال محمد بن عبد الحكم : ضمانه من المفلس أبدا حتى يصل إلى الغرماء .السابعة : العسرة ضيق الحال من جهة عدم المال ، ومنه جيش العسرة . والنظرة التأخير والميسرة مصدر بمعنى اليسر . وارتفع " ذو " بكان التامة التي بمعنى وجد وحدث ، هذا قول سيبويه وأبي علي وغيرهما . وأنشد سيبويه :فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أشهبويجوز النصب . وفي مصحف أبي بن كعب " وإن كان ذا عسرة " على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة . وقرأ الأعمش " وإن كان معسرا فنظرة " . قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى : وكذلك في مصحف أبي بن كعب . قال النحاس ومكي والنقاش : وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا ، وعلى من قرأ ذو فهي عامة في جميع من عليه دين ، وقد تقدم . وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان " فإن كان - بالفاء - ذو عسرة " . وروى المعتمر عن حجاج الوراق قال : في مصحف عثمان " وإن كان ذا عسرة " ذكره النحاس . وقراءة الجماعة نظرة بكسر الظاء . وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن " فنظرة " بسكون الظاء ، وهي لغة تميمية وهم الذين يقولون : في كرم زيد بمعنى كرم زيد ، ويقولون كبد في كبد . وقرأ نافع ، وحده " ميسرة " بضم السين ، والجمهور بفتحها . وحكى النحاس عن مجاهد وعطاء " فناظره - على الأمر - إلى ميسرهي " بضم السين وكسر الراء وإثبات الياء في الإدراج . وقرئ " فناظرة " قال أبو حاتم لا يجوز فناظرة ، إنما ذلك في " النمل " لأنها امرأة تكلمت بهذا لنفسها ، من نظرت تنظر فهي ناظرة ، وما في " البقرة " فمن التأخير ، من قولك : أنظرتك بالدين ، أي أخرتك به . ومنه قوله : أنظرني إلى يوم يبعثون وأجاز ذلك أبو إسحاق الزجاج وقال : هي من [ ص: 340 ] أسماء المصادر ، كقوله تعالى : ليس لوقعتها كاذبة . وكقوله تعالى : تظن أن يفعل بها فاقرة وك خائنة الأعين وغيره .الثامنة : قوله تعالى : ( وأن تصدقوا ) ابتداء ، وخبره خير . ندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره ، قاله السدي وابن زيد والضحاك . وقال الطبري : وقال آخرون : معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم . والصحيح الأول ، وليس في الآية مدخل للغني .التاسعة : روى أبو جعفر الطحاوي عن بريدة بن الخصيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة . ثم قلت : بكل يوم مثله صدقة ، قال فقال : بكل يوم صدقة ما لم يحل الدين فإذا أنظره بعد الحل فله بكل يوم مثله صدقة . وروى مسلم عن أبي مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال : قال الله عز وجل نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه . وروي عن أبي قتادة أنه طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده فقال : إني معسر . فقال : آلله ؟ قال : آلله . قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه ، وفي حديث أبي اليسر الطويل - واسمه ، كعب بن عمرو - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله . ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو منصوص فيها . وحديث أبي قتادة يدل على أن رب الدين إذا علم عسرة غريمه أو ظنها حرمت عليه مطالبته ، وإن لم [ ص: 341 ] تثبت عسرته عند الحاكم . وإنظار المعسر تأخيره إلى أن يوسر . والوضع عنه إسقاط الدين عن ذمته . وقد جمع المعنيين أبو اليسر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له : إن وجدت قضاء فاقض وإلا فأنت في حل .