Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
البقرة
Al-Baqarah
286 versets
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ
Et quand ils rencontrent des croyants, ils disent: «Nous croyons» et, une fois seuls entre eux, ils disent: «Allez-vous confier aux musulmans ce qu'Allah vous a révélé pour leur fournir, ainsi, un argument contre vous devant votre Seigneur! Etes-vous donc dépourvus de raison?»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنونقوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا هذا في المنافقين . وأصل لقوا : لقيوا ، وقد تقدم ( وإذا خلا بعضهم إلى بعض ) الآية في اليهود ، وذلك أن ناسا منهم أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم ، فقالت لهم اليهود : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم أي حكم الله عليكم من العذاب ، ليقولوا نحن أكرم على الله منكم ، عن ابن عباس والسدي . وقيل : إن عليا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف إليه وقال : يا رسول الله ، لا تبلغ إليهم ، وعرض له ، فقال : أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفوا عن ذلك ونهض إليهم ، فلما رأوه أمسكوا ، فقال لهم : أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته فقالوا : ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا ، من حدثك بهذا ؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا ! روي هذا المعنى عن مجاهد .قوله تعالى وإذا خلا الأصل في " خلا " خلو ، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وتقدم معنى خلا في أول السورة . ومعنى فتح حكم . والفتح عند العرب : القضاء والحكم ، ومنه قوله تعالى : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين أي الحاكمين ، والفتاح : القاضي بلغة اليمن ، يقال : بيني وبينك الفتاح ، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم . والفتح : النصر ، ومنه قوله : يستفتحون على الذين كفروا ، وقوله : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح . ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين .قوله تعالى : ليحاجوكم نصب بلام كي ، وإن شئت بإضمار أن ، وعلامة النصب ، حذف النون . قال يونس : وناس من العرب يفتحون لام كي . قال الأخفش : لأن الفتح الأصل . قال خلف الأحمر : هي لغة بني العنبر . ومعنى ليحاجوكم ليعيروكم ، ويقولوا نحن أكرم على الله منكم . وقيل : المعنى ليحتجوا عليكم بقولكم ، يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه . وقيل : إن الرجل من اليهود كان يلقى صديقه من المسلمين فيقول له : تمسك بدين محمد فإنه نبي حقا . ( عند ربكم ) قيل في الآخرة ، كما قال : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون . وقيل : عند ذكر ربكم . وقيل : عند بمعنى " في " أي ليحاجوكم به في ربكم ، فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم ، روي عن الحسن . والحجة : الكلام المستقيم على الإطلاق ، ومن ذلك محجة الطريق . وحاججت فلانا فحججته ، أي غلبته بالحجة . ومنه الحديث : ( فحج آدم موسى ) . أفلا تعقلون قيل : هو من قول الأحبار للأتباع . وقيل : هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين ، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال ; ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال : أولا يعلمون الآية . فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع . وقرأ الجمهور يعلمون بالياء ، وابن محيصن بالتاء ، خطابا للمؤمنين . والذي أسروه كفرهم ، والذي أعلنوه الجحد به .
أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ
Ne savent-ils pas qu'en vérité Allah sait ce qu'ils cachent et ce qu'ils divulguent
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وبخهم توبيخا يتلى فقال : " أولا يعلمون " الآية .فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع .وقرأ الجمهور " يعلمون " بالياء , وابن محيصن بالتاء , خطابا للمؤمنين .والذي أسروه كفرهم , والذي أعلنوه الجحد به .
وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ
Et il y a parmi eux des illettrés qui ne savent rien du Livre hormis des prétentions et ils ne font que des conjectures
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومنهم أميون أي من اليهود . وقيل : من اليهود والمنافقين أميون ، أي من لا يكتب ولا يقرأ ، واحدهم أمي ، منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها ، ومنه قوله عليه السلام : إنا أمة أمية لا نكتب ولا [ ص: 7 ] نحسب الحديث . وقد قيل لهم إنهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب ، عن ابن عباس . وقال أبو عبيدة : إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم ، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب ، فكأنه قال : ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب . عكرمة والضحاك : هم نصارى العرب . وقيل : هم قوم من أهل الكتاب ، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين . علي رضي الله عنه : هم المجوس .قلت : والقول الأول أظهر ، والله أعلم .لثانية : قوله تعالى : لا يعلمون الكتاب إلا أماني " إلا " ها هنا بمعنى لكن ، فهو استثناء منقطع ، كقوله تعالى : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن . وقال النابغة :حلفت يمينا غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحبوقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج ( إلا أماني ) خفيفة الياء ، حذفوا إحدى الياءين استخفافا . قال أبو حاتم : كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد ، فلك فيه التشديد والتخفيف ، مثل أثافي وأغاني وأماني ، ونحوه . وقال الأخفش : هذا كما يقال في جمع مفتاح : مفاتيح ومفاتح ، وهي ياء الجمع . قال النحاس : الحذف في المعتل أكثر ، كما قال الشاعر [ هو ذو الرمة ] :وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقعوالأماني جمع أمنية وهي التلاوة ، وأصلها أمنوية على وزن أفعولة ، فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية ، ومنه قوله تعالى : إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته . وقال كعب بن مالك : [ ص: 8 ] :تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادروقال آخر :تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الزبور على رسلوالأماني أيضا الأكاذيب ، ومنه قول عثمان رضي الله عنه : ما تمنيت منذ أسلمت ، أي ما كذبت . وقول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث : أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته ؟ أي افتعلته . وبهذا المعنى فسر ابن عباس ومجاهد أماني في الآية . والأماني أيضا ما يتمناه الإنسان ويشتهيه . قال قتادة : إلا أماني يعني أنهم يتمنون على الله ما ليس لهم . وقيل : الأماني التقدير ، يقال : مني له أي قدر ، قاله الجوهري ، وحكاه ابن بحر ، وأنشد قول الشاعر :لا تأمنن وإن أمسيت في حرم حتى تلاقي ما يمني لك المانيأي يقدر لك المقدر .الثالثة : قوله تعالى : وإن هم إلا يظنون إن بمعنى ما النافية ، كما قال تعالى : إن الكافرون إلا في غرور . ويظنون يكذبون ويحدثون ، لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون ، وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرءون به .فائدة : قال أبو بكر الأنباري : وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا ، وقال : إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين ، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك ، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب ، قال الله عز وجل وإن هم إلا يظنون أراد إلا يكذبون .الرابعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : نعت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم الآية . وذلك أنه لما درس الأمر فيهم ، وساءت رعية علمائهم ، وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا ، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم ، فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها ، وألحقوا ذلك بالتوراة ، وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله ، ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها . وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل ، وهم العرب ، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا . وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا : لا يضرنا ذنب ، فنحن أحباؤه وأبناؤه ، تعالى الله عن ذلك ! وإنما كان في التوراة " يا أحباري ويا أبناء رسلي " فغيروه وكتبوا " يا أحبائي ويا أبنائي " فأنزل الله [ ص: 9 ] تكذيبهم : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم . فقالت : لن يعذبنا الله ، وإن عذبنا فأربعين يوما مقدار أيام العجل ، فأنزل الله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا قال ابن مقسم : يعني توحيدا ، بدليل قوله تعالى : إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا يعني لا إله إلا الله فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ثم أكذبهم فقال : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . فبين تعالى أن الخلود في النار والجنة إنما هو بحسب الكفر والإيمان ، لا بما قالوه .
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ
Malheur, donc, à ceux qui de leurs propres mains composent un livre puis le présentent comme venant d'Allah pour en tirer un vil profit! - Malheur à eux, donc, à cause de ce que leurs mains ont écrit, et malheur à eux à cause de ce qu'ils en profitent
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون فيه خمس مسائل :الأولى قوله : فويل اختلف في الويل ما هو ، فروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار . وروى أبو سعيد الخدري أن الويل واد في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا . وروى سفيان وعطاء بن يسار : إن الويل في هذه الآية واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار . وقيل : صهريج في جهنم . وحكى الزهراوي عن آخرين : أنه باب من أبواب جهنم . وعن ابن عباس : الويل المشقة من العذاب . وقال الخليل : الويل شدة الشر . الأصمعي : الويل تفجع وترحم . سيبويه : ويل لمن وقع في الهلكة ، وويح زجر لمن أشرف على الهلكة . ابن عرفة : الويل الحزن : يقال : تويل الرجل إذا دعا بالويل ، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه ، ومنه قوله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم . وقيل : [ ص: 10 ] أصله الهلكة ، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ، ومنه قوله تعالى : ياويلتنا مال هذا الكتاب . وهي الويل والويلة ، وهما الهلكة ، والجمع الويلات ، قال :له الويل إن أمسى ولا أم هاشموقال أيضا :فقالت لك الويلات إنك مرجليوارتفع " ويل " بالابتداء ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء . قال الأخفش : ويجوز النصب على إضمار فعل ، أي ألزمهم الله ويلا . وقال الفراء : الأصل في الويل " وي " أي حزن ، كما تقول : وي لفلان ، أي حزن له ، فوصلته العرب باللام وقدروها منه فأعربوها . والأحسن فيه إذا فصل عن الإضافة الرفع ; لأنه يقتضي الوقوع . ويصح النصب على معنى الدعاء ، كما ذكرنا .قال الخليل : ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويل وويب ، وكله يتقارب في المعنى . وقد فرق بينها قوم ، وهي مصادر لم تنطق العرب منها بفعل . قال الجرمي : ومما ينتصب انتصاب المصادر ويله وعوله وويحه وويسه ، فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت : ويل له ، وويح له .الثانية : قوله تعالى : للذين يكتبون الكتابة معروفة . وأول من كتب بالقلم وخط به إدريس عليه السلام ، وجاء ذلك في حديث أبي ذر ، خرجه الآجري وغيره . وقد قيل : إن آدم عليه السلام أعطي الخط فصار وراثة في ولده .الثالثة : قوله تعالى : بأيديهم تأكيد ، فإنه قد علم أن الكتب لا يكون إلا باليد ، فهو مثل قوله : ولا طائر يطير بجناحيه ، وقوله : يقولون بأفواههم . وقيل : فائدة بأيديهم بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم ، فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيا له وقال ابن السراج : بأيديهم كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم ، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم .الرابعة : في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع ، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد [ ص: 11 ] الشديد ، والعذاب الأليم ، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال : ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة الحديث ، وسيأتي . فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس ، وقد وقع ما حذره وشاع ، وكثر وذاع ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .الخامسة : ليشتروا به ثمنا قليلا وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة ، إما لفنائه وعدم ثباته ، وإما لكونه حراما ; لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله . قال ابن إسحاق والكلبي : كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر ، فجعلوه آدم سبطا طويلا ، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم : انظروا إلى صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا ، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب ، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم ، فمن ثم غيروا .ثم قال تعالى : فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون قيل من المآكل . وقيل من المعاصي . وكرر الويل تغليظا لفعلهم .
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ
Et ils ont dit: «Le Feu ne nous touchera que pour quelques jours comptés!». Dis: «Auriez-vous pris un engagement avec Allah - car Allah ne manque jamais à Son engagement; - non, mais vous dites sur Allah ce que vous ne savez pas»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : وقالوا يعني اليهود . لن تمسنا النار إلا أياما معدودة اختلف في سبب نزولها ، فقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود : ( من أهل النار ) . قالوا : نحن ، ثم تخلفونا أنتم . فقال : ( كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم ) فنزلت هذه الآية ، قاله ابن زيد . وقال عكرمة عن ابن عباس : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول : إنما هذه الدنيا سبعة آلاف ، وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة ، وإنما هي سبعة أيام ، فأنزل الله الآية ، وهذا قول مجاهد . وقالت طائفة : قالت اليهود إن في [ ص: 12 ] التوراة أن جهنم مسيرة أربعين سنة ، وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم . ورواهالضحاك عن ابن عباس . وعن ابن عباس : زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم . وقالوا : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك . وعن ابن عباس أيضا وقتادة : أن اليهود قالت : إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل ، فأكذبهم الله ، كما تقدم .الثانية : في هذه الآية رد على أبي حنيفة وأصحابه حيث استدلوا بقوله عليه السلام : دعي الصلاة أيام أقرائك في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض ، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة ، قالوا : لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما ويومين ، وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما ولا يقال فيه : أيام ، وإنما يقال : أيام من الثلاثة إلى العشرة ، قال الله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج ، تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما .فيقال لهم : فقد قال الله تعالى في الصوم : أياما معدودات يعني جميع الشهر ، وقال : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات يعني أربعين يوما . وأيضا فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد ، بل يقال : أيام مشيك وسفرك وإقامتك ، وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد ، ولعله أراد ما كان معتادا لها ، والعادة ست أو سبع ، فخرج الكلام عليه ، والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : قل أتخذتم تقدم القول في " اتخذ " فلا معنى لإعادته . عند الله عهدا أي أسلفتم عملا صالحا فآمنتم وأطعتم فتستوجبون بذلك الخروج من النار ! أو هل عرفتم ذلك بوحيه الذي عهده إليكم فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون توبيخ وتقريع .