Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
النمل
An-Naml
93 versets
لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ
Je la châtierai sévèrement! ou je l'égorgerai! ou bien elle m'apportera un argument explicite»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه دليل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد ، أما إنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة . روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه . قال ابن جريج : ريشه أجمع . وقال يزيد بن رومان : جناحاه . فعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا على العاصين ، وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته ; وكأن الله أباح له ذلك ، كما أباح ذبح البهائم والطير للأكل وغيره من المنافع . والله أعلم . وفي ( نوادر الأصول ) قال : حدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الإيادي ، قال : حدثنا عون بن عمارة ، عن الحسين الجعفي ، عن الزبير بن الخريت ، عن عكرمة ، قال : إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه . وسيأتي . وقيل : تعذيبه أن يجعل [ ص: 168 ] مع أضداده . وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد . وقيل : لألزمنه خدمة أقرانه . وقيل : إيداعه القفص . وقيل : بأن يجعله للشمس بعد نتفه . وقيل : بتبعيده عن خدمتي ، والملوك يؤدبون بالهجران الجسد بتفريق إلفه . وهو مؤكد بالنون الثقيلة ، وهي لازمة هي أو الخفيفة . قال أبو حاتم : ولو قرئت " لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه " جاز . أو ليأتيني بسلطان مبين أي بحجة بينة . وليست اللام في ليأتيني لام القسم لأنه لا يقسم سليمان على فعل الهدهد ; ولكن لما جاء في أثر قوله : لأعذبنه وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه . وقرأ ابن كثير وحده : ( ليأتينني ) بنونين .
فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ
Mais elle n'était restée (absente) que peu de temps et dit: «J'ai appris ce que tu n'as point appris; et je te rapporte de Saba' une nouvelle sûre
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : فمكث غير بعيد أي الهدهد . والجمهور من القراء على ضم الكاف ، وقرأ عاصم وحده بفتحها . ومعناه في القراءتين " أقام " . قال سيبويه : مكث يمكث مكوثا كما قالوا قعد يقعد قعودا . قال : ومكث مثل ظرف . قال غيره : والفتح أحسن لقوله تعالى : ماكثين إذ هو من مكث ; يقال : مكث يمكث فهو ماكث ; ومكث يمكث مثل عظم يعظم فهو مكيث ; مثل عظيم . ومكث يمكث فهو ماكث ; مثل حمض يحمض فهو حامض . والضمير في " مكث " يحتمل أن يكون لسليمان ; والمعنى : بقي سليمان بعد التفقد والوعيد غير طويل أي غير وقت طويل . ويحتمل أن يكون للهدهد وهو الأكثر . فجاء : فقال أحطت بما لم تحط به وهي :أي علمت ما لم تعلمه من الأمر فكان في هذا رد على من قال : إن الأنبياء تعلم الغيب . وحكى الفراء " أحط " يدغم التاء في الطاء . وحكى ( أحت ) بقلب الطاء تاء وتدغم .قوله تعالى : وجئتك من سبإ بنبإ يقين أعلم سليمان ما لم يكن يعلمه ، ودفع عن نفسه ما توعده من العذاب والذبح . وقرأ الجمهور : ( سبإ ) بالصرف . وابن كثير وأبو عمرو : ( سبأ ) بفتح الهمزة وترك الصرف ; فالأول على أنه اسم رجل نسب إليه قوم ، وعليه قول الشاعر :الواردون وتيم في ذرى سبإ قد عض أعناقهم جلد الجواميس وأنكر الزجاج أن يكون اسم رجل ، وقال ( سبإ ) اسم مدينة تعرف بمأرب باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام .[ ص: 169 ] قلت : وقع في عيون المعاني للغزنوي ثلاثة أميال . قتادة والسدي بعث إليه اثنا عشر نبيا .وأنشد للنابغة الجعدي :من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما قال : فمن لم يصرف قال إنه اسم مدينة ، ومن صرف وهو الأكثر فلأنه اسم البلد فيكون مذكرا سمي به مذكر . وقيل : اسم امرأة سميت بها المدينة . والصحيح أنه اسم رجل ، كذلك في كتاب الترمذي من حديث فروة بن مسيك المرادي عن النبي صلى الله عليه وسلم : وسيأتي إن شاء الله تعالى . قال ابن عطية : وخفي هذا الحديث على الزجاج فخبط عشواء . وزعم الفراء أن الرؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبإ فقال : ما أدري ما هو . قال النحاس : وتأول الفراء على أبي عمرو أنه منعه من الصرف لأنه مجهول ، وأنه إذا لم يعرف الشيء لم ينصرف . وقال النحاس : وأبو عمرو أجل من أن يقول مثل هذا ، وليس في حكاية الرؤاسي عنه دليل أنه إنما منعه من الصرف لأنه لم يعرفه ، وإنما قال لا أعرفه ، ولو سئل نحوي عن اسم فقال لا أعرفه لم يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف ، بل الحق على غير هذا ; والواجب إذا لم يعرفه أن يصرفه ; لأن أصل الأسماء الصرف ; وإنما يمنع الشيء من الصرف لعلة داخلة عليه ; فالأصل ثابت بيقين فلا يزول بما لا يعرف . وذكر كلاما كثيرا عن النحاة وقال في آخره : والقول في ( سبإ ) ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل ، فإن صرفته فلأنه قد صار اسما للحي ، وإن لم تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف وحجته في ذلك قاطعة ; لأن هذا الاسم لما كان يقع له التذكير والتأنيث كان التذكير أولى ; لأنه الأصل والأخف .وفي الآية دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم : عندي ما ليس عندك ، إذا تحقق ذلك وتيقنه . هذا عمر بن الخطاب مع جلالته رضي الله عنه وعلمه لم يكن عنده علم بالاستئذان . وكان علم التيمم عند عمار وغيره ، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا : لا يتيمم الجنب . وكان حكم الإذن في أن تنفر الحائض عند ابن عباس ولم يعلمه عمر ولا زيد بن ثابت . وكان غسل رأس المحرم معلوما عند ابن عباس وخفي عن المسور بن مخرمة . ومثله كثير فلا يطول به .
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ
J'ai trouvé qu'une femme est leur reine, que de toute chose elle a été comblée et qu'elle a un trône magnifique
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : إني وجدت امرأة تملكهم لما قال الهدهد : وجئتك من سبإ بنبإ يقين قال سليمان : وما ذلك الخبر ؟ قال : إني وجدت امرأة تملكهم يعني بلقيس بنت شراحيل تملك أهل سبإ . ويقال : كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة ، وهي من مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب ؟ والجواب أن الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة ، كما أخفى على يعقوب مكان يوسف . ويروى أن أحد أبويها كان من الجن . قال ابن العربي : وهذا أمر تنكره الملحدة ، ويقولون : الجن لا يأكلون ولا يلدون ; كذبوا لعنهم الله أجمعين ; ذلك صحيح ونكاحهم جائز عقلا فإن صح نقلا فبها ونعمت .قلت : خرج أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال : قدم وفد من الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو جمجمة فإن الله جاعل لنا فيها رزقا . وفي صحيح مسلم : فقال : لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال فقلت : ما بال العظم والروثة ؟ فقال : هما من طعام الجن وإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاما وهذا كله نص في أنهم [ ص: 171 ] يطعمون . وأما نكاحهم فقد تقدمت الإشارة إليه في ( سبحان ) عند قوله : وشاركهم في الأموال والأولاد . وروى وهيب بن جرير بن حازم عن الخليل بن أحمد عن عثمان بن حاضر قال : كانت أم بلقيس من الجن يقال لها بلعمة بنت شيصان . وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .روى البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف فيه ; ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ، ولم يصح ذلك عنه ، ولعله نقل عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق ; ولا بأن يكتب لها مسطور بأن فلانة مقدمة على الحكم ، وإنما سبيل ذلك التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة ، وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير . وقد روي عن عمر أنه قدم امرأة على حسبة السوق . ولم يصح فلا تلتفتوا إليه ، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث . وقد تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع أبي الفرج بن طرار شيخ الشافعية ، فقال أبو الفرج : الدليل على أن المرأة يجوز أن تحكم أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها ، وسماع البينة عليها ، والفصل بين الخصوم فيها ، وذلك ممكن من المرأة كإمكانه من الرجل . فاعترض عليه القاضي أبو بكر ونقض كلامه بالإمامة الكبرى ; فإن الغرض منه حفظ الثغور ، وتدبير الأمور وحماية البيضة ، وقبض الخراج ورده على مستحقه ، وذلك لا يتأتى من المرأة كتأتيه من الرجل . قال ابن العربي : وليس كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء ; فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس ، ولا تخالط الرجال ، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير ; لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها ، وإن كانت برزة لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم ، وتكون مناظرة لهم ; ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده .قوله تعالى : وأوتيت من كل شيء مبالغة ; أي مما تحتاجه المملكة . وقيل : المعنى : أوتيت من كل شيء في زمانها شيئا . فحذف المفعول ; لأن الكلام دل عليه . ولها عرش عظيم أي سرير ; ووصفه بالعظم في الهيئة ورتبة السلطان . قيل : كان من ذهب تجلس عليه . وقيل : العرش هنا الملك ; والأول أصح ; لقوله تعالى : أيكم يأتيني بعرشها . الزمخشري : فإن قلت كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظيم ؟ قلت : بين الوصفين بون عظيم ; لأن وصف عرشها بالعظيم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ، ووصف عرش الله بالعظيم تعظيم له بالنسبة إلى ما خلق من السماوات والأرض . قال ابن عباس : كان طول عرشها ثمانين ذراعا ، وعرضه أربعين ذراعا ، وارتفاعه في السماء ثلاثين ذراعا ، مكلل بالدر والياقوت الأحمر ، والزبرجد الأخضر . قتادة : وقوائمه لؤلؤ وجوهر ، وكان مسترا بالديباج والحرير ، عليه سبعة مغاليق . مقاتل : كان ثمانين ذراعا في ثمانين ذراعا ، وارتفاعه من الأرض ثمانون ذراعا ، وهو مكلل بالجواهر . ابن إسحاق : وكان يخدمها النساء ، وكان معها لخدمتها ستمائة امرأة . قال ابن عطية : واللازم من الآية أنها امرأة ملكت على مدائن اليمن ، ذات ملك عظيم ، وسرير عظيم ، وكانت كافرة من قوم كفار .
وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ
Je l'ai trouvée, elle et son peuple, se prosternant devant le soleil au lieu d'Allah. Le Diable leur a embelli leurs actions, et les a détournés du droit chemin, et ils ne sont pas bien guidés
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله قيل : كانت هذه الأمة ممن يعبد الشمس ; لأنهم كانوا زنادقة فيما يروى . وقيل : كانوا مجوسا يعبدون الأنوار . وروي عن نافع أن الوقف على " عرش " . قال المهدوي : ف " عظيم " على هذا متعلق بما بعده ، وكان ينبغي على هذا أن يكون " عظيم أن وجدتها " أي وجودي إياها كافرة . وقال ابن الأنباري : ولها عرش عظيم وقف حسن ، ولا يجوز أن يقف على " عرش " ويبتدئ ( عظيم وجدتها ) إلا على من فتح ; لأن " عظيما " نعت ل " عرش " فلو كان متعلقا ب " وجدتها " لقلت : عظيمة وجدتها ; وهذا محال من كل وجه . وقد حدثني أبو بكر محمد بن الحسين بن شهريار ، قال : حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الأسود العجلي ، عن بعض أهل العلم أنه قال : الوقف على " عرش " والابتداء " عظيم " على معنى : عظيم عبادتهم الشمس والقمر . قال : وقد سمعت من يؤيد هذا المذهب ، ويحتج بأن عرشها أحقر وأدق شأنا من أن يصفه الله بالعظيم . قال ابن الأنباري : والاختيار عندي ما ذكرته أولا ; لأنه ليس على إضمار عبادة الشمس والقمر [ ص: 173 ] دليل . وغير منكر أن يصف الهدهد عرشها بالعظيم إذا رآه متناهي الطول والعرض ; وجريه على إعراب " عرش " دليل على أنه نعته . وزين لهم الشيطان أعمالهم أي ما هم فيه من الكفر فصدهم عن السبيل أي عن طريق التوحيد . وبين بهذا أن ما ليس بسبيل التوحيد فليس بسبيل ينتفع به على التحقيق . فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده .
أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ
Que ne se prosternent-ils devant Allah qui fait sortir ce qui est caché dans les cieux et la terre, et qui sait ce que vous cachez et aussi ce que vous divulguez
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : ألا يسجدوا لله قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة : ألا يسجدوا لله بتشديد " ألا " قال ابن الأنباري : فهم لا يهتدون غير تام لمن شدد " ألا " لأن المعنى : وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا . قال النحاس : هي ( أن ) دخلت عليها ( لا ) و ( أن ) في موضع نصب ; قال الأخفش : ب " زين " أي وزين لهم لئلا يسجدوا لله . وقال الكسائي : ب " فصدهم " أي فصدهم ألا يسجدوا . وهو في الوجهين مفعول له . وقال اليزيدي وعلي بن سليمان : ( أن ) بدل من " أعمالهم " في موضع نصب . وقال أبو عمرو : و ( أن ) في موضع خفض على البدل من السبيل وقيل : العامل فيها لا يهتدون أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله ; أي لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم . وعلى هذا القول ( لا ) زائدة ; كقوله : ما منعك ألا تسجد أي ما منعك أن تسجد . وعلى هذه القراءة فليس بموضع سجدة ; لأن ذلك خبر عنهم بترك السجود ، إما بالتزيين أو بالصد أو بمنع الاهتداء . وقرأ الزهري والكسائي وغيرهما : ( ألا يسجدوا لله ) بمعنى ألا يا هؤلاء اسجدوا ; لأن ( يا ) ينادى بها الأسماء دون الأفعال . وأنشد سيبويه :يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جارقال سيبويه : ( يا ) لغير اللعنة ، لأنه لو كان للعنة لنصبها ، لأنه كان يصير منادى مضافا ، ولكن تقديره يا هؤلاء لعنة الله والأقوام على سمعان . وحكى بعضهم سماعا عن العرب : ألا يا ارحموا ألا يا اصدقوا . يريدون ألا يا قوم ارحموا اصدقوا ، فعلى هذه القراءة ( اسجدوا ) في موضع جزم بالأمر والوقف على ( ألا يا ) ثم تبتدئ فتقول : ( اسجدوا ) . قال الكسائي : ما كنت أسمع الأشياخ يقرءونها إلا بالتخفيف على نية الأمر . وفي قراءة عبد الله : ( ألا هل تسجدون لله ) بالتاء والنون . وفي قراءة أبي ( ألا تسجدون لله ) فهاتان القراءتان حجة لمن خفف . الزجاج : وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون التشديد . واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة التشديد . وقال : التخفيف وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الخبر من أمر سبأ ، ثم رجع بعد [ ص: 174 ] إلى ذكرهم ، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه . ونحوه قال النحاس . قال : قراءة التخفيف بعيدة ; لأن الكلام يكون معترضا ، وقراءة التشديد يكون الكلام بها متسقا ، وأيضا فإن السواد على غير هذه القراءة ، لأنه قد حذف منه ألفان ، وإنما يختصر مثل هذا بحذف ألف واحدة نحو يا عيسى ابن مريم . ابن الأنباري : وسقطت ألف ( اسجدوا ) كما تسقط مع هؤلاء إذا ظهر ، ولما سقطت ألف ( يا ) واتصلت بها ألف ( اسجدوا ) سقطت ، فعد سقوطها دلالة على الاختصار وإيثارا لما يخف وتقل ألفاظه . وقال الجوهري في آخر كتابه : قال بعضهم : إن ( يا ) في هذا الموضع إنما هو للتنبيه كأنه قال : ألا اسجدوا لله ، فلما أدخل عليه ( يا ) للتنبيه سقطت الألف التي في ( اسجدوا ) لأنها ألف وصل ، وذهبت الألف التي في ( يا ) لاجتماع الساكنين ; لأنها والسين ساكنتان . قال ذو الرمة :ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطروقال الجرجاني : هو كلام معترض من الهدهد أو سليمان أو من الله . أي ألا ليسجدوا ; كقوله تعالى : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله قيل : إنه أمر أي ليغفروا . وتنتظم على هذا كتابة المصحف ; أي ليس هاهنا نداء . قال ابن عطية : قيل هو من كلام الهدهد إلى قوله ( العظيم ) وهو قول ابن زيد وابن إسحاق ; ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى شرع . ويحتمل أن يكون من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم . ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى فهو اعتراض بين الكلامين وهو الثابت مع التأمل ، وقراءة التشديد في ( ألا ) تعطي أن الكلام للهدهد ، وقراءة التخفيف تمنعه ، والتخفيف يقتضي الأمر بالسجود لله عز وجل للأمر ، على ما بيناه . وقال الزمخشري : فإن قلت أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما ؟ قلت هي واجبة فيهما جميعا ; لأن مواضع السجدة إما أمر بها ، أو مدح لمن أتى بها ، أو ذم لمن تركها ، وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك .قلت : وقد أخبر الله عن الكفار بأنهم لا يسجدون كما في ( الانشقاق ) وسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، كما ثبت في البخاري وغيره فكذلك ( النمل ) . والله أعلم . الزمخشري : وما [ ص: 175 ] ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه . الذي يخرج الخبء خبء السماء قطرها ، وخبء الأرض كنوزها ونباتها . وقال قتادة : الخبء السر . النحاس : وهذا أولى . أي ما غاب في السماوات والأرض ، ويدل عليه ما يخفون وما يعلنون . وقرأ عكرمة ومالك بن دينار : ( الخب ) بفتح الباء من غير همز . قال المهدوي : وهو التخفيف القياسي ; وذكر من يترك الهمز في الوقف . وقال النحاس : وحكى أبو حاتم أن عكرمة قرأ : ( الذي يخرج الخبا ) بألف غير مهموزة ، وزعم أن هذا لا يجوز في العربية ، واعتل بأنه إن خفف الهمزة ألقى حركتها على الباء فقال : ( الخب في السماوات والأرض ) وأنه إن حول الهمزة قال : ( الخبي ) بإسكان الباء وبعدها ياء . قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ولم يلحق بهم إلا أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه . وحكى سيبويه عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفا إذا كان قبلها ساكن وكانت مفتوحة ، وتبدل منها واوا إذا كان قبلها ساكن وكانت مضمومة ، وتبدل منها ياء إذا كان قبلها ساكن وكانت مكسورة ; فتقول : هذا الوثو وعجبت من الوثي ورأيت الوثا ; وهذا من وثئت يده ; وكذلك هذا الخبو وعجبت من الخبي ، ورأيت الخبا ; وإنما فعل هذا لأن الهمزة خفيفة فأبدل منها هذه الحروف .وحكى سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد أنهم يقولون : هذا الخبؤ ; يضمون الساكن إذا كانت الهمزة مضمومة ، ويثبتون الهمزة ويكسرون الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة ، ويفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة . وحكى سيبويه أيضا أنهم يكسرون وإن كانت الهمزة مضمومة ، إلا أن هذا عن بني تميم ; فيقولون : الرديء ; وزعم أنهم لم يضموا الدال لأنهم كرهوا ضمة قبلها كسرة ; لأنه ليس في الكلام ( فعل ) . وهذه كلها لغات داخلة على اللغة التي قرأ بها الجماعة ; وفي قراءة عبد الله ( الذي يخرج الخبا من السماوات ) و ( من ) و ( في ) يتعاقبان ; تقول العرب : لأستخرجن العلم فيكم يريد : منكم ; قاله الفراء . ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة فيهما بياء الغائب ، وهذه القراءة تعطي أن الآية من كلام الهدهد ، وأن الله تعالى خصه من [ ص: 176 ] المعرفة بتوحيده ووجوب السجود له ، وإنكار سجودهم للشمس ، وإضافته للشيطان ، وتزيينه لهم ، ما خص به غيره من الطيور وسائر الحيوان ; من المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقول الراجحة تهتدي لها . وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص والكسائي : ( تخفون ) و ( تعلنون ) بالتاء على الخطاب ; وهذه القراءة تعطي أن الآية من خطاب الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم