Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
النور
An-Nur
64 versets
وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ
Et dis aux croyantes de baisser leurs regards, de garder leur chasteté, et de ne montrer de leurs atours que ce qui en paraît et qu'elles rabattent leur voile sur leurs poitrines; et qu'elles ne montrent leurs atours qu'à leurs maris, ou à leurs pères, ou aux pères de leurs maris, ou à leurs fils, ou aux fils de leurs maris, ou à leurs frères, ou aux fils de leurs frères, ou aux fils de leurs sœurs, ou aux femmes musulmanes, ou aux esclaves qu'elles possèdent, ou aux domestiques mâles impuissants, ou aux garçons impubères qui ignorent tout des parties cachées des femmes. Et qu'elles ne frappent pas avec leurs pieds de façon que l'on sache ce qu'elles cachent de leurs parures. Et repentez-vous tous devant Allah, ô croyants, afin que vous récoltiez le succès
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحونقوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلى قوله : من زينتهن فيه ست وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : وقل للمؤمنات خص الله سبحانه وتعالى الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد ؛ فإن قوله قل للمؤمنين يكفي ؛ لأنه قول عام يتناول الذكر والأنثى من المؤمنين ، حسب كل خطاب عام في القرآن . وظهر التضعيف في يغضضن ولم يظهر في يغضوا لأن لام الفعل من الثاني ساكنة ومن الأول متحركة ، وهما في موضع جزم جوابا . وبدأ بالغض قبل الفرج لأن البصر رائد للقلب ؛ كما أن الحمى رائد الموت . وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال :ألم تر أن العين للقلب رائد فما تألف العينان فالقلب آلف[ ص: 210 ] وفي الخبر ( النظر سهم من سهام إبليس مسموم فمن غض بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه ) . وقال مجاهد : إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر ؛ فإذا أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر . وعن خالد بن أبي عمران قال : لا تتبعن النظرة النظرة فربما نظر العبد نظرة نغل منها قلبه كما ينغل الأديم فلا ينتفع به . فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عما لا يحل ؛ فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا المرأة إلى الرجل ؛ فإن علاقتها به كعلاقته بها ؛ وقصدها منه كقصده منها . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر . . . الحديث . وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء : لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة . وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري . وفي الصحيحين عنه - عليه السلام - أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته ، وطفق الفضل ينظر إليها . وقال : عليه السلام - : الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق . والمذاء هو أن يجمع الرجل بين النساء والرجال ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضا ؛ مأخوذ من المذي . وقيل : هو إرسال الرجال إلى النساء ؛ من قولهم : مذيت الفرس إذا أرسلتها ترعى . وكل ذكر يمذي ، وكل أنثى تقذي ؛ فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له ؛ أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد ؛ فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها .الثانية : روى الترمذي ، عن نبهان مولى أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها ولميمونة وقد دخل [ ص: 211 ] عليها ابن أم مكتوم : احتجبا فقالتا : إنه أعمى ، قال : أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه . فإن قيل : هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل ؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه . وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه - عليه السلام - تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب ؛ كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة . ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك ؛ ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك . قلنا : قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة كالرأس ومعلق القرط ؛ وأما العورة فلا . فعلى هذا يكون مخصصا لعموم قوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ، وتكون من للتبعيض كما هي في الآية قبلها . قال ابن العربي : وإنما أمرها بالانتقال من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم لأن ذلك أولى بها من بقائها في بيت أم شريك ؛ إذ كانت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها ، فيكثر الرائي لها ، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد ؛ فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك وأولى ، فرخص لها في ذلك ، والله أعلم .الثالثة : أمر الله سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين ، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان ، ثم استثنى ما يظهر من الزينة ؛ واختلف الناس في قدر ذلك ؛ فقال ابن مسعود : ظاهر الزينة هو الثياب . وزاد ابن جبير الوجه . وقال سعيد بن جبير أيضا ، وعطاء ، والأوزاعي : الوجه والكفان والثياب . وقال ابن عباس ، وقتادة ، والمسور بن مخرمة : ظاهر الزينة هو الكحل ، والسوار ، والخضاب إلى نصف الذراع ، والقرطة ، والفتخ ؛ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس . وذكر الطبري ، عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر آخر عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا [ ص: 212 ] يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع . قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك . ف ( ما ظهر ) على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه .قلت : هذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج ، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما . يدل على ذلك ما رواه أبو داود ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لها : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه . فهذا أقوى من جانب الاحتياط ؛ ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها ، والله الموفق لا رب سواه . وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا : إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك ؛ وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها .الرابعة : الزينة على قسمين : خلقية ومكتسبة ؛ فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة ومعنى الحيوانية ؛ لما فيه من المنافع وطرق العلوم . وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها ؛ كالثياب ، والحلي ، والكحل ، والخضاب ؛ ومنه قوله تعالى : خذوا زينتكم . وقال الشاعر :يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطلالخامسة : من الزينة ظاهر وباطن ؛ فما ظهر فمباح أبدا لكل الناس من المحارم والأجانب ؛ وقد ذكرنا ما للعلماء فيه . وأما ما بطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في هذه الآية ، أو حل محلهم . واختلف في السوار ؛ فقالت عائشة : هي من الزينة الظاهرة لأنها في اليدين . وقال مجاهد : هي من الزينة الباطنة لأنها خارج عن الكفين وإنما تكون في الذراع . قال ابن العربي : وأما الخضاب فهو من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين .[ ص: 213 ] السادسة : قوله تعالى : وليضربن بخمرهن على جيوبهن قرأ الجمهور بسكون اللام التي هي للأمر . وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس بكسرها على الأصل ؛ لأن الأصل في لام الأمر الكسر ، وحذفت الكسرة لثقلها ، وإنما تسكينها لتسكين عضد وفخذ . و ( يضربن ) في موضع جزم بالأمر ، إلا أنه بني على حالة واحدة إتباعا للماضي عند سيبويه . وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر . قال النقاش : كما يصنع النبط ؛ فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك ؛ فأمر الله تعالى بلي الخمار على الجيوب ، وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها . روى البخاري ، عن عائشة أنها قالت : رحم الله نساء المهاجرات الأول ؛ لما نزل : وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن أزرهن فاختمرن بها . ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن - رضي الله عنهم - وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك ؛ فشقته عليها وقالت : إنما يضرب بالكثيف الذي يستر .السابعة : الخمر : جمع الخمار ، وهو ما تغطي به رأسها ؛ ومنه اختمرت المرأة وتخمرت ، وهي حسنة الخمرة . والجيوب : جمع الجيب ، وهو موضع القطع من الدرع والقميص ؛ وهو من الجوب وهو القطع . ومشهور القراءة ضم الجيم من ( جيوبهن ) . وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء ؛ كقراءتهم ذلك في : بيوت وشيوخ . والنحويون القدماء لا يجيزون هذه القراءة ويقولون : بيت وبيوت كفلس وفلوس . وقال الزجاج : يجوز على أن تبدل من الضمة كسرة ؛ فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال ، لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء إلى ما لا يجوز . وقال مقاتل : على جيوبهن أي على صدورهن ؛ يعني على مواضع جيوبهن .الثامنة : في هذه الآية دليل على أن الجيب إنما يكون في الثوب موضع الصدر . وكذلك كانت الجيوب في ثياب السلف رضوان الله عليهم ؛ على ما يصنعه النساء عندنا بالأندلس وأهل الديار المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم . وقد ترجم البخاري رحمة الله تعالى عليه ( باب جيب القميص من عند الصدر وغيره ) وساق حديث أبي هريرة قال : ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما [ ص: 214 ] وتراقيهما . . . ) الحديث ، وقد تقدم بكماله ، وفيه : قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بإصبعيه هكذا في جيبه ؛ فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع . فهذا يبين لك أن جيبه - عليه السلام - كان في صدره ؛ لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثدييه وتراقيه . وهذا استدلال حسن .التاسعة : قوله تعالى : إلا لبعولتهن والبعل هو الزوج والسيد في كلام العرب ؛ ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل : إذا ولدت الأمة بعلها يعني سيدها ؛ إشارة إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات ، فيأتي الأولاد من الإماء فتعتق كل أم بولدها وكأنه سيدها الذي من عليها بالعتق ، إذ كان العتق حاصلا لها من سببه ؛ قاله ابن العربي .قلت : ومنه قوله - عليه السلام - في مارية : أعتقها ولدها فنسب العتق إليه . وهذا من أحسن تأويلات هذا الحديث . والله أعلم .مسألة : فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة إذ كل محل من بدنها حلال له لذة ونظرا . ولهذا المعنى بدأ بالبعولة ؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا ، قال الله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين .العاشرة : اختلف الناس في جواز نظر الرجل إلى فرج المرأة ؛ على قولين : أحدهما : يجوز ؛ لأنه إذا جاز له التلذذ به فالنظر أولى . وقيل : لا يجوز ؛ لقول عائشة - رضي الله عنها - في ذكر حالها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما رأيت ذلك منه ولا رأى ذلك مني والأول أصح ، وهذا محمول على الأدب ؛ قاله ابن العربي . وقد قال أصبغ من علمائنا : يجوز له أن يلحسه بلسانه . وقال ابن خويز منداد : أما الزوج والسيد فيجوز له أن ينظر إلى سائر الجسد وظاهر [ ص: 215 ] الفرج دون باطنه . وكذلك المرأة يجوز أن تنظر إلى عورة زوجها ، والأمة إلى عورة سيدها .قلت : وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : النظر إلى الفرج يورث الطمس أي العمى ، أي في الناظر . وقيل : إن الولد بينهما يولد أعمى . والله أعلم .الحادية عشرة : ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم ثنى بذوي المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر . فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها . وتختلف مراتب ما يبدى لهم ؛ فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج . وقد ذكر القاضي إسماعيل ، عن الحسن ، والحسين - رضي الله عنهما - أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين . وقال ابن عباس : إن رؤيتهما لهن تحل . قال إسماعيل : أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي قوله تعالى : لا جناح عليهن في آبائهن . وقال في سورة النور : ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن الآية . فذهب ابن عباس إلى هذه الآية ، وذهب الحسن ، والحسين إلى الآية الأخرى .الثانية عشرة : قوله تعالى : أو أبناء بعولتهن يريد ذكور أولاد الأزواج ، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا ، من ذكران كانوا أو إناث ؛ كبني البنين وبني البنات . وكذلك آباء البعولة والأجداد وإن علوا من جهة الذكران لآباء الآباء وآباء الأمهات ، وكذلك أبناؤهن وإن سفلوا . وكذلك أبناء البنات وإن سفلن ؛ فيستوي فيه أولاد البنين وأولاد البنات . وكذلك أخواتهن ، وهم من ولد الآباء والأمهات أو أحد الصنفين . وكذلك بنو الإخوة وبنو الأخوات وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات وبني بنات الأخوات . وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح ، فإن ذلك على المعاني في الولادات وهؤلاء محارم ، وقد تقدم في ( النساء ) . والجمهور على أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم . وليس في الآية ذكر الرضاع ، وهو كالنسب على ما تقدم . وعند الشعبي ، وعكرمة ليس العم والخال من المحارم . وقال عكرمة : لم يذكرهما في الآية لأنهما تبعان لأبنائهما .الثالثة عشرة : قوله تعالى : أو نسائهن يعني المسلمات ، ويدخل في هذا الإماء [ ص: 216 ] المؤمنات ، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم ؛ فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئا من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها ؛ فذلك قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانهن . وكان ابن جريج ، وعبادة بن نسي ، وهشام القارئ يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ؛ ويتأولون أو نسائهن . وقال عبادة بن نسي : وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي عبيدة بن الجراح : أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين ؛ فامنع من ذلك ، وحل دونه ؛ فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة . قال : فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل وقال : أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه . وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية ؛ لئلا تصفها لزوجها . وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء . فإن كانت الكافرة أمة لمسلمة جاز أن تنظر إلى سيدتها ؛ وأما غيرها فلا ، لانقطاع الولاية بين أهل الإسلام وأهل الكفر ، ولما ذكرناه . والله أعلم .الرابعة عشرة : قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانهن ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء المسلمات والكتابيات . وهو قول جماعة من أهل العلم ، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - . وقال ابن عباس : لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته . وقال أشهب : سئل مالك أتلقي المرأة خمارها بين يدي الخصي ؟ فقال نعم ، إذا كان مملوكا لها أو لغيرها ؛ وأما الحر فلا . وإن كان فحلا كبيرا وغدا تملكه ، لا هيئة له ولا منظر فلينظر إلى شعرها . قال أشهب قال مالك : ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل المرحاض ؛ قال الله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم . وقال أشهب عن مالك : ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته ، ولا أحبه لغلام الزوج . وقال سعيد بن المسيب : لا تغرنكم هذه الآية أو ما ملكت أيمانهن إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد . وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته . وهو قول مجاهد ، وعطاء . وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، قال : وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها ؛ فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما تلقى من ذلك قال : إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك .[ ص: 217 ] الخامسة عشرة : قوله تعالى : أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أي غير أولي الحاجة والإربة الحاجة ، يقال : أربت كذا آرب أربا . والإرب والإربة والمأربة والأرب : الحاجة ؛ والجمع مآرب ؛ أي حوائج . ومنه قوله تعالى : ولي فيها مآرب أخرى وقد تقدم وقال طرفة :إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا تقدم يوما ثم ضاعت مآربهواختلف الناس في معنى قوله : أو التابعين غير أولي الإربة فقيل : هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء . وقيل الأبله . وقيل : الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم ؛ وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن . وقيل العنين . وقيل الخصي . وقيل المخنث . وقيل الشيخ الكبير ، والصبي الذي لم يدرك . وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى ، ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء . وبهذه الصفة كان هيت المخنث عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة : باديسة بنت غيلان ، أمر بالاحتجاب منه . أخرج حديثه مسلم ، وأبو داود ، ومالك في الموطأ ، وغيرهم عن هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة . قال أبو عمر : ذكر عبد الملك بن حبيب ، عن حبيب كاتب مالك ، قال : قلت لمالك : إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان : ( أن مخنثا يقال له هيت ) وليس في كتابك هيت ؟ فقال مالك : صدق ، هو كذلك وغربه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحمى وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها . قال حبيب : وقلت لمالك : وقال سفيان في الحديث : إذا قعدت تبنت ، وإذا تكلمت تغنت . قال مالك : صدق ، هو كذلك . قال أبو عمر : ما ذكره حبيب كاتب مالك ، عن سفيان أنه قال في الحديث يعني حديث هشام بن عروة ( أن مخنثا يدعى هيتا ) فغير معروف عند أحد من رواته عن هشام ، لا ابن عيينة ولا غيره ، ولم يقل في نسق الحديث ( إن مخنثا يدعى هيتا ) وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث ، وكذلك قوله عن سفيان أنه يقول في [ ص: 218 ] الحديث : إذا قعدت تبنت وإذا تكلمت تغنت ، هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره في حديث هشام بن عروة ، وهذا اللفظ لا يوجد إلا من رواية الواقدي ، والعجب أنه يحكيه عن سفيان ، ويحكي عن مالك أنه كذلك ، فصارت رواية عن مالك ، ولم يروه عن مالك غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا ، والله أعلم . وحبيب كاتب مالك متروك الحديث ضعيف عند جميعهم ، لا يكتب حديثه ولا يلتفت إلى ما يجيء به . ذكر الواقدي ، والكلبي أن هيتا المخنث قال لعبد الله بن أمية المخزومي وهو أخو أم سلمة لأبيها ، وأمه عاتكة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال له وهو في بيت أخته أم سلمة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع : إن فتح الله عليكم الطائف فعليك ببادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ، مع ثغر كالأقحوان ، إن جلست تبنت وإن تكلمت تغنت ، بين رجليها كالإناء المكفوء ، وهي كما قال قيس بن الخطيم :تغترق الطرف وهي لاهية كأنما شف وجهها نزفبين شكول النساء خلقتها قصد فلا جبلة ولا قضفتنام عن كبر شأنها فإذا قامت رويدا تكاد تنقصففقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله . ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى . قال : فلما افتتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له منه بريهة ؛ في قول الكلبي . ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما ولي أبو بكر كلم فيه فأبى أن يرده ، فلما ولي عمر كلم فيه فأبى ، ثم كلم فيه عثمان بعد . وقيل : إنه قد كبر وضعف واحتاج ، فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه . قال : وكان هيت مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزومي ، وكان له طويس أيضا ، فمن ثم قبل الخنث . قال أبو عمر : يقال ( بادية ) بالياء و ( بادنة ) بالنون ، والصواب فيه عندهم بالياء ، وهو قول أكثرهم ، وكذلك ذكره الزبيري بالياء .[ ص: 219 ] السادسة عشرة : وصف التابعين ب ( غير ) لأن التابعين غير مقصودين بأعيانهم ، فصار اللفظ كالنكرة . و غير لا يتمحض نكرة فجاز أن يجري وصفا على المعرفة . وإن شئت قلت هو بدل . والقول فيها كالقول في غير المغضوب عليهم . وقرأ عاصم وابن عامر ( غير ) بالنصب فيكون استثناء ؛ أي يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم . ويجوز أن يكون حالا ؛ أي والذين يتبعونهن عاجزين عنهن ؛ قاله أبو حاتم . وذو الحال ما في ( التابعين ) من الذكر .السابعة عشرة : قوله تعالى : أو الطفل اسم جنس بمعنى الجمع ، والدليل على ذلك نعته ب ( الذين ) . وفي مصحف حفصة ( أو الأطفال ) على الجمع . ويقال : طفل ما لم يراهق الحلم . و ( يظهروا ) معناه يطلعوا بالوطء ؛ أي لم يكشفوا عن عوراتهن للجماع لصغرهن . وقيل : لم يبلغوا أن يطيقوا النساء ؛ يقال : ظهرت على كذا أي علمته ، وظهرت على كذا أي قهرته . والجمهور على سكون الواو من ( عورات ) لاستثقال الحركة على الواو . وروي عن ابن عباس فتح الواو ؛ مثل جفنة وجفنات . وحكى الفراء أنها لغة قيس عورات بفتح الواو . النحاس : وهذا هو القياس ؛ لأنه ليس بنعت ، كما تقول : جفنة وجفنات ؛ إلا أن التسكين أجود في عورات وأشباهه ، لأن الواو إذا تحركت وتحرك ما قبلها قلبت ألفا ؛ فلو قيل هذا لذهب المعنى .الثامنة عشرة : اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على قولين : أحدهما : لا يلزم ؛ لأنه لا تكليف عليه ، وهو الصحيح . والآخر يلزمه ؛ لأنه قد يشتهي وقد تشتهي أيضا هي فإن راهق فحكمه حكم البالغ وجوب الستر . ومثله الشيخ الذي سقطت شهوته اختلف فيه أيضا على قولين كما في الصبي ، والصحيح بقاء الحرمة ؛ قاله ابن العربي .التاسعة عشرة : أجمع المسلمون على أن السوءتين عورة من الرجل والمرأة ، وأن المرأة كلها عورة ، إلا وجهها ويديها فإنهم اختلفوا فيهما . وقال أكثر العلماء في الرجل : من سرته إلى ركبته عورة ؛ لا يجوز أن ترى . وقد مضى في ( الأعراف ) القول في هذا مستوفى .الموفية عشرين : قال أصحاب الرأي : عورة المرأة مع عبدها من السرة إلى الركبة . [ ص: 220 ] ابن العربي : وكأنهم ظنوها رجلا أو ظنوه امرأة ، والله تعالى قد حرم المرأة على الإطلاق لنظر أو لذة ، ثم استثنى اللذة للأزواج وملك اليمين ، ثم استثنى الزينة لاثني عشر شخصا العبد منهم ، فما لنا ولذلك ! هذا نظر فاسد واجتهاد عن السداد متباعد . وقد تأول بعض الناس قوله : أو ما ملكت أيمانهن على الإماء دون العبيد ؛ منهم سعيد بن المسيب ، فكيف يحملون على العبيد ثم يلحقون بالنساء ، هذا بعيد جدا وقد قيل : إن التقدير أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ؛ حكاه المهدوي .الحادية والعشرون : قوله تعالى : ولا يضربن بأرجلهن أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها ؛ فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد ، والغرض التستر . أسند الطبري ، عن المعتمر ، عن أبيه أنه قال : زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جزعا فجعلت في ساقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت ؛ فنزلت هذه الآية . وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ؛ قاله الزجاج .الثانية والعشرون : من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه . ومن فعل ذلك منهن تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام مذموم . وكذلك من ضرب بنعله من الرجال ، إن فعل ذلك تعجبا حرم فإن العجب كبيرة . وإن فعل ذلك تبرجا لم يجز .الثالثة والعشرون : قال مكي رحمه الله تعالى : ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه ، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع .قوله تعالى : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وتوبوا أمر . ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة ، وأنها فرض متعين ؛ وقد مضى الكلام فيها في ( النساء ) وغيرها فلا معنى لإعادة ذلك . والمعنى : وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى ، فلا تتركوا التوبة في كل حال .الثانية : قرأ الجمهور ( أيه ) بفتح الهاء . وقرأ ابن عامر بضمها ؛ ووجهه أن تجعل الهاء من نفس الكلمة ، فيكون إعراب المنادى فيها . وضعف أبو علي ذلك جدا وقال : آخر الاسم [ ص: 221 ] هو الياء الثانية من أي ، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم ، ولو جاز ضم الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في ( اللهم ) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل . والصحيح أنه إذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة ، فإن القرآن هو الحجة . وأنشد الفراء :يا أيه القلب اللجوج النفس أفق عن البيض الحسان اللعساللعس : لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا ، وذلك يستملح ؛ يقال : شفة لعساء ، وفتية ونسوة لعس . وبعضهم يقف ( أيه ) . وبعضهم يقف ( أيها ) بالألف ؛ لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام ، فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على ( محلي ) من قوله تعالى : غير محلي الصيد . وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في ( يا أيه الساحر ) . ( يا أيه الثقلان ) .
وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ
Mariez les célibataires d'entre vous et les gens de bien parmi vos esclaves, hommes et femmes. S'ils sont besogneux, Allah les rendra riches par Sa grâce. Car (la grâce d') Allah est immense et Il est Omniscient
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليمفيه سبع مسائل :الأولى : هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح ؛ أي زوجوا من لا زوج له منكم فإنه طريق التعفف ؛ والخطاب للأولياء . وقيل للأزواج . والصحيح الأول ؛ إذ لو أراد الأزواج لقال وانكحوا بغير همز ، وكانت الألف للوصل . وفي هذا دليل على أن المرأة ليس لها أن تنكح نفسها بغير ولي ؛ وهو قول أكثر العلماء . وقالأبو حنيفة : إذا زوجت الثيب أو البكر نفسها بغير ولي كفء لها جاز . وقد مضى هذا في ( البقرة ) مستوفى .الثانية : اختلف العلماء في هذا الأمر على ثلاثة أقوال ؛ فقال علماؤنا : يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت ، ومن عدم صبره ، ومن قوته على الصبر وزوال خشية العنت عنه . وإذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم . وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة فقال الشافعي : النكاح مباح . وقال مالك ، وأبو حنيفة : هو مستحب . [ ص: 222 ] تعلق الشافعي بأنه قضاء لذة فكان مباحا كالأكل والشرب . وتعلق علماؤنا بالحديث الصحيح : من رغب عن سنتي فليس مني .الثالثة : قوله تعالى : الأيامى منكم أي الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء ؛ واحدهم أيم . قال أبو عمرو : أيامى مقلوب أيايم . واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها ، بكرا كانت أو ثيبا ؛ حكى ذلك أبو عمرو ، والكسائي ، وغيرهما . تقول العرب : تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج . وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنا وامرأة سفعاء الخدين تأيمت على ولدها الصغار حتى يبلغوا أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة .وقال الشاعر :فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم أتأيمويقال : أيم بين الأيمة . وقد آمت هي ، وإمت أنا . قال الشاعر :لقد إمت حتى لامني كل صاحب رجاء بسلمى أن تئيم كما إمتقال أبو عبيد : يقال رجل أيم وامرأة أيم ؛ وأكثر ما يكون ذلك في النساء ، وهو كالمستعار في الرجال . وقال أمية بن أبي الصلت :لله در بني علي أيم منهم وناكحوقال قوم : هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين . وقد بيناه في أول السورة والحمد لله .الرابعة : المقصود من قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم الحرائر والأحرار ؛ ثم بين حكم المماليك فقال : والصالحين من عبادكم وإمائكم . وقرأ الحسن ( والصالحين من [ ص: 223 ] عبيدكم ) ، وعبيد اسم للجمع . قال الفراء : ويجوز ( وإماءكم ) بالنصب ، يرده على الصالحين يعني الذكور والإناث ؛ والصلاح الإيمان . وقيل : المعنى ينبغي أن تكون الرغبة في تزويج الإماء والعبيد إذا كانوا صالحين فيجوز تزويجهم ، ولكن لا ترغيب فيه ولا استحباب ؛ كما قال فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا . ثم قد تجوز الكتابة وإن لم يعلم أن في العبد خيرا ، ولكن الخطاب ورد في الترغيب والاستحباب ، وإنما يستحب كتابة من فيه خير .الخامسة : أكثر العلماء على أن للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح ؛ وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، وغيرهما . قال مالك : ولا يجوز ذلك إذا كان ضررا . وروي نحوه عن الشافعي ، ثم قال : ليس للسيد أن يكره العبد على النكاح . وقال النخعي : كانوا يكرهون المماليك على النكاح ويغلقون عليهم الأبواب . تمسك أصحاب الشافعي فقالوا : العبد مكلف فلا يجبر على النكاح ؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية ، وإنما تتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة ، بخلاف الأمة فإنه له حق المملوكية في بضعها ليستوفيه ؛ فأما بضع العبد فلا حق له فيه ، ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها . هذه عمدة أهل خراسان والعراق ، وعمدتهم أيضا الطلاق ، فإنه يملكه العبد بتملك عقده . ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد ؛ ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه بإجماع . والنكاح وبابه إنما هو من المصالح ، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد ، هو يراها ويقيمها للعبد .السادسة : قوله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله رجع الكلام إلى الأحرار ؛ أي لا تمتنعوا عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة ؛ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . وهذا وعد بالغنى للمتزوجين طلب رضا الله واعتصاما من معاصيه . وقال ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ؛ وتلا هذه الآية . وقال عمر - رضي الله عنه - : عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح ، وقد قال الله تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . وروي هذا المعنى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا . ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة كلهم حق على الله عونه المجاهد في سبيل الله ، والناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء . أخرجه ابن ماجه في سننه . فإن قيل : فقد نجد الناكح لا يستغني ؛ [ ص: 224 ] قلنا : لا يلزم أن يكون هذا على الدوام ، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد . وقد قيل : يغنيه ؛ أي يغني النفس . وفي الصحيح ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس . وقد قيل : ليس وعد لا يقع فيه خلف ، بل المعنى أن المال غاد ورائح ، فارجوا الغنى . وقيل : المعنى يغنهم الله من فضله إن شاء ؛ كقوله تعالى : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ، وقال تعالى : يبسط الرزق لمن يشاء . وقيل : المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنا .السابعة : هذه الآية دليل على تزويج الفقير ، ولا يقول كيف أتزوج وليس لي مال ؛ فإن رزقه على الله . وقد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد ، وليس لها بعد ذلك فسخ النكاح بالإعسار ؛ لأنها دخلت عليه ؛ وإنما يكون ذلك إذا دخلت على اليسار فخرج معسرا ، أو طرأ الإعسار بعد ذلك لأن الجوع لا صبر عليه ؛ قاله علماؤنا . وقال النقاش : هذه الآية حجة على من قال : إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة ؛ لأن الله تعالى قال : يغنهم الله ولم يقل يفرق . وهذا انتزاع ضعيف ، وليس هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة ، وإنما هي وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا . فأما من تزوج موسرا وأعسر بالنفقة فإنه يفرق بينهما ؛ قال الله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته . ونفحات الله تعالى مأمولة في كل حال موعود بها .
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
Et que ceux qui n'ont pas de quoi se marier, cherchent à rester chastes jusqu'à ce qu'Allah les enrichisse par Sa grâce. Ceux de vos esclaves qui cherchent un contrat d'affranchissement, concluez ce contrat avec eux si vous reconnaissez du bien en eux; et donnez-leur des biens d'Allah qu'Il vous a accordés. Et dans votre recherche des profits passagers de la vie présente, ne contraignez pas vos femmes esclaves à la prostitution, si elles veulent rester chastes. Si on les y contraint, Allah leur accorde après qu'elles aient été contraintes, Son pardon et Sa miséricorde
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيمقوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله .[ ص: 225 ] فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وليستعفف الذين الخطاب لمن يملك أمر نفسه ، لا لمن زمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه ؛ كالمحجور - قولا واحدا - والأمة والعبد ؛ على أحد قولي العلماء .الثانية : ( واستعفف ) وزنه استفعل ؛ ومعناه طلب أن يكون عفيفا ؛ فأمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف . ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله ؛ فيرزقه ما يتزوج به ، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق ، أو تزول عنه شهوة النساء . وروى النسائي ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة كلهم حق على الله - عز وجل - عونهم المجاهد في سبيل الله ، والناكح الذي يريد العفاف ، والمكاتب الذي يريد الأداء .الثالثة : قوله تعالى : لا يجدون نكاحا أي طول نكاح ؛ فحذف المضاف . وقيل : النكاح هاهنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة ؛ كاللحاف اسم لما يلتحف به . واللباس اسم لما يلبس ؛ فعلى هذا لا حذف في الآية ، قاله جماعة من المفسرين ؛ وحملهم على هذا قوله تعالى : حتى يغنيهم الله من فضله فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به . وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف ؛ وذلك ضعيف ، بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر ، كما قدمناه ، والله تعالى أعلم .الرابعة : من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج ، وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وجاء ؛ كما جاء في الخبر الصحيح . ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى . وفي الخبر [ ص: 226 ] ( خيركم الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد ) . وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في ( النساء ) والحمد لله . ولما لم يجعل الله له من العفة والنكاح درجة دل على أن ما عداهما محرم ولا يدخل فيه ملك اليمين ؛ لأنه بنص آخر مباح وهو قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم فجاءت فيه زيادة ويبقى على التحريم الاستمناء ردا على أحمد . وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه وقد تقدم هذا في ( المؤمنون ) .قوله تعالى : والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا .فيه ست عشرة مسألة :الأولى : والذين يبتغون الكتاب الذين في موضع رفع . وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على إضمار فعل ؛ لأن بعده أمرا . ولما جرى ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتاب فالمستحب كتابته ؛ فربما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوج إذا أراد ، فيكون أعف له . قيل : نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبح - وقيل صبيح - طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا فأداها ، وقتل بحنين في الحرب ؛ ذكره القشيري ، وحكاه النقاش . وقال مكي : هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة . وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه خيرا .الثانية : الكتاب والمكاتبة سواء ؛ مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين ، لأنها معاقدة بين السيد وعبده ؛ يقال : كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة ، كما يقال : قاتل قتالا ومقاتلة . فالكتاب في [ ص: 227 ] الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع . وقيل : الكتاب هاهنا هو الكتاب المعروف الذي يكتب فيه الشيء ؛ وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا . فالمعنى يطلبون العتق الذي يكتب به الكتاب فيدفع إليهم .الثالثة : معنى المكاتبة في الشرع : هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما عليه ؛ فإذا أداه فهو حر . ولها حالتان : الأولى : أن يطلبها العبد ويجيبه السيد ؛ فهذا مطلق الآية وظاهرها . الثانية : أن يطلبها العبد ويأباها السيد ؛ وفيها قولان : الأول : لعكرمة ، وعطاء ، ومسروق ، وعمرو بن دينار ، والضحاك بن مزاحم ، وجماعة أهل الظاهر أن ذلك واجب على السيد . وقال علماء الأمصار : لا يجب ذلك . وتعلق من أوجبها بمطلق الأمر ، وأفعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، واختاره الطبري . واحتج داود أيضا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه فأبى أنس ؛ فرفع عمر عليه الدرة ، وتلا : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ، فكاتبه أنس . قال داود : وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله . وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك ، ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن . وكذلك لو قال له أعتقني أو دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك بإجماع ، فكذلك الكتابة ؛ لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض . وقولهم : مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح ، لكن إذا عري عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب ، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه ؛ فعلق الوجوب على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية . وإذا قال العبد : كاتبني ؛ وقال السيد : لم أعلم فيك خيرا ؛ وهو أمر باطن ، فيرجع فيه إليه ويعول عليه . وهذا قوي في بابه .الرابعة : واختلف العلماء في قوله تعالى : خيرا فقال ابن عباس ، وعطاء : المال . مجاهد : المال والأداء . والحسن ، والنخعي : الدين والأمانة . وقال مالك : سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الاكتساب والأداء . وعن الليث نحوه ، وهو قول الشافعي . وقال عبيدة السلماني : إقامة الصلاة والخير . قال الطحاوي : وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا ؛ لأن العبد مال لمولاه ، فكيف يكون له مال . والمعنى عندنا : إن علمتم فيهم الدين والصدق ، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في [ ص: 228 ] المعاملة فكاتبوهم . وقال أبو عمر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا ، وإنما يقال : علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ؛ ولا يقال : علمت فيه المال ، وإنما يقال علمت عنده المال .قلت : وحديث بريرة يرد قول من قال : إن الخير المال ؛ على ما يأتي .الخامسة : اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له ؛ فكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة ، ويقول : أتأمرني أن آكل أوساخ الناس ؛ ونحوه عن سلمان الفارسي . وروى حكيم بن حزام فقال : كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد : أما بعد ! فانه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس . وكرهه الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . ورخص في ذلك مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي . وروي عن علي - رضي الله عنه - أن ابن التياح مؤذنه قال له : أكاتب وليس لي مال ؟ قال نعم ؛ ثم حض الناس على الصدقة علي ؛ فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي ، فأتيت عليا فقال : اجعلها في الرقاب . وقد روي عن مالك كراهة ذلك ، وأن الأمة التي لا حرفة لها يكره مكاتبتها لما يؤدي إليه من فسادها . والحجة في السنة لا فيما خالفها . روى الأئمة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : دخلت علي بريرة فقالت : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين كل سنة أوقية ، فأعينيني . . . الحديث . فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شيء معه ؛ ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها ، وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا ؛ كذلك ذكره ابن شهاب ، عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ؛ أخرجه البخاري ، وأبو داود . وفي هذا دليل على جواز كتابة الأمة ، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال ، ولم يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل لها كسب أو عمل واصب أو مال ، ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه ؛ لأنه بعث مبينا معلما - صلى الله عليه وسلم - . وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأول في قوله تعالى : إن علمتم فيهم خيرا أن المال الخير ، ليس بالتأويل الجيد ، وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة . والله أعلم .[ ص: 229 ] السادسة : الكتابة تكون بقليل المال وكثيره ، وتكون على أنجم ؛ لحديث بريرة . وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله . فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلا نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد . قال الشافعي : لا بد فيها من أجل ؛ وأقلها ثلاثة أنجم . واختلفوا إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد . وقال الشافعي : لا تجوز على نجم واحد ، ولا تجوز حالة البتة ، وإنما ذلك عتق على صفة ؛ كأنه قال : إذا أديت كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة . قال ابن العربي : اختلف العلماء والسلف في الكتابة إذا كانت حالة على قولين ، واختلف قول علمائنا كاختلافهم . والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة ؛ كما ورد بها الأثر في حديث بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية ، وكما فعلت الصحابة ؛ ولذلك سميت كتابة لأنها تكتب ويشهد عليها ، فقد استوسق الاسم والأثر ، وعضده المعنى ؛ فإن المال إن جعله حالا وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة لا عقد كتابة . وقال ابن خويز منداد : إذا كاتبه على مال معجل كان عتقا على مال ، ولم تكن كتابة . وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالة وسماها قطاعة ، وهو القياس ؛ لأن الأجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسب . ألا ترى أنه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل للمكاتب عتقه . وتجوز الكتابة الحالة ؛ قاله الكوفيون .قلت : لم يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة ؛ والأصحاب يقولون : إنها جائزة ، ويسمونها قطاعة . وأما قول الشافعي إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم فليس بصحيح ؛ لأنه لو كان صحيحا لجاز لغيره أن يقول : لا يجوز على أقل من خمسة نجوم ؛ لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بريرة ، وعلم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقضى فيها ، فكان بصواب الحجة أولى . روى البخاري عن عائشة أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين . . . الحديث . كذا قال الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين . وقال أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : جاءت بريرة فقالت : إني كاتبت أهلي على تسع أواق . . . الحديث . وظاهر الروايتين تعارض ، غير أن حديث هشام أولى [ ص: 230 ] لاتصاله وانقطاع حديث يونس ؛ لقول البخاري : وقال الليث حدثني يونس ؛ ولأن هشاما أثبت في حديث أبيه وجده من غيره ، والله أعلم .السابعة : المكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء ؛ لقوله - عليه السلام - : المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم . أخرج أبو داود ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده . وروي عنه أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد . وهذا قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، والطبري . وروي ذلك عن ابن عمر من وجوه ، وعن زيد بن ثابت ، وعائشة ، وأم سلمة ، لم يختلف عنهم في ذلك - رضي الله عنهم - . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وبه قال ابن المسيب ، والقاسم ، وسالم ، وعطاء . قال مالك : وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك . وفيها قول آخر روي عن علي أنه إذا أدى الشطر فهو غريم ؛ وبه قال النخعي . وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - ، والإسناد عنه بأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم خير من الإسناد عنه بأن المكاتب إذا أدى الشطر فلا رق عليه ؛ قاله أبو عمر . وعن علي أيضا يعتق منه بقدر ما أدى . وعنه أيضا أن العتاقة تجري فيه بأول نجم يؤديه . وقال ابن مسعود : إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم ؛ وهذا قول شريح . وعن ابن مسعود : لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة دينار فأدى العبد المائة التي هي قيمته عتق ؛ وهو قول النخعي أيضا . وقول سابع : إذا أدى الثلاثة الأرباع وبقي الربع فهو غريم ولا يعود عبدا ؛ قاله عطاء بن أبي رباح ، رواه ابن جريج عنه . وحكي عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة حر ، وهو غريم بالكتابة ولا يرجع إلى الرق أبدا . وهذا القول يرده حديث بريرة لصحته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفيه دليل واضح على أن المكاتب عبد ، ولولا ذلك ما بيعت بريرة ، ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك ؛ إذ من سنته المجمع عليها ألا يباع الحر . وكذلك كتابة سلمان وجويرية ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم لجميعهم بالرق حتى أدوا الكتابة . وهي حجة للجمهور في أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء . وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب ؛ فقال لعلي : أكنت راجمه لو زنى ، أو مجيزا شهادته لو شهد ؟ فقال علي لا . فقال زيد : هو عبد ما بقي عليه شيء . [ ص: 231 ] وقد روى النسائي ، عن علي ، وابن عباس - رضي الله عنهم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ويقام عليه الحد بقدر ما أدى ويرث بقدر ما عتق منه . وإسناده صحيح . وهو حجة لما روي عن علي ، ويعتضد بما رواه أبو داود عن نبهان مكاتب أم سلمة قال سمعت أم سلمة تقول : قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه . وأخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . إلا أنه يحتمل أن يكون خطابا مع زوجاته أخذا بالاحتياط والورع في حقهن ؛ كما قال لسودة : احتجبي منه مع أنه قد حكم بأخوتها له ، وبقوله لعائشة ، وحفصة : أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه يعني ابن أم مكتوم ، مع أنه قال لفاطمة بنت قيس : اعتدي عند ابن أم مكتوم وقد تقدم هذا المعنى .الثامنة : أجمع على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين .التاسعة : قال مالك : ليس للعبد أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر ، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه . وقال الأوزاعي : لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء . وقال الشافعي : له أن يعجز نفسه ، علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم ؛ فإذا قال : قد عجزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه . وقال مالك : إذا عجز المكاتب فكل ما قبضه منه سيده قبل العجز حل له ، كان من كسبه أو من صدقة عليه . وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى أو تحلل منه المكاتب . ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته فذلك [ ص: 232 ] إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت منه فضلة . فإن كان بمعنى الفكاك ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها . هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم . وقال أكثر أهل العلم : إن ما قبضه السيد منه من كتابته ، وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها فهو لسيده ، يطيب له أخذ ذلك كله . هذا قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وأحمد بن حنبل ، ورواية عن شريح . وقال الثوري : يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب ؛ وهو قول مسروق ، والنخعي ، ورواية عن شريح . وقالت طائفة : ما قبض منه السيد فهو له ، وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده ؛ وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك . وقال إسحاق : ما أعطي بحال الكتابة رد على أربابه .العاشرة : حديث بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدمت . واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك . وقد ترجم البخاري ( باب بيع المكاتب إذا رضي ) . وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزا ، ذهب ابن المنذر ، والداودي ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر ، وبه قال ابن شهاب ، وأبو الزناد ، وربيعة ؛ غير أنهم قالوا : لأن رضاه بالبيع عجز منه . وقال مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز ، ولا يجوز بيع كتابته بحال ؛ وهو قول الشافعي بمصر ، وكان بالعراق يقول : بيعه جائز ، وأما بيع كتابته فغير جائزة . وأجاز مالك بيع الكتابة ؛ فإن أداها عتق وإلا كان رقيقا لمشتري الكتابة . ومنع من ذلك أبو حنيفة ؛ لأنه بيع غرر . واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة . وقالت طائفة : يجوز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته ؛ فإن أدى عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه ، ولو عجز فهو عبد له . وبه قال النخعي ، وعطاء ، والليث ، وأحمد ، وأبو ثور . وقال الأوزاعي : لا يباع المكاتب إلا للعتق ، ويكره أن يباع قبل عجزه ؛ وهو قول أحمد ، وإسحاق . قال أبو عمر : في حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع ولم يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه ؛ بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز ؛ لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم ، ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها ، ولا قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم ؟ ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حل لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سألها : أعاجزة هي أم لا ، وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه - صلى الله عليه وسلم - أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها . وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا . ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح [ ص: 233 ] من حديث بريرة هذا ، ولم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء يعارضه ، ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها . استدل من منع من بيع المكاتب بأمور : منها أن قالوا إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت ، وأن قولها كاتبت أهلي معناه أنها راوضتهم عليها ، وقدروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها . وظاهر الأحاديث خلاف هذا إذا تؤمل مساقها . وقيل : إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة ، وحينئذ صح البيع ؛ إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد والسيد عليه ؛ لأن الحق لا يعدوهما ، وهو المذهب المعروف . وقال سحنون : لا بد من السلطان ؛ وهذا إنما خاف أن يتواطآ على ترك حق الله تعالى . ويدل على صحة أنها عجزت ما روي أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ؛ فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت . فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضها استحق عليها ؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به ، والله أعلم . هذه التأويلات أشبه ما لهم وفيها من الدخل ما بيناه . وقال ابن المنذر : ولا أعلم حجة لمن قال ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول لعل بريرة عجزت . قال الشافعي : وأظهر معانيه أن لمالك المكاتب بيعه .الحادية عشرة : المكاتب إذا أدى كتابته عتق ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السيد . وكذلك ولده الذين ولدوا في كتابته من أمته ، يعتقون بعتقه ويرقون برقه ؛ لأن ولد الإنسان من أمته بمثابته اعتبارا بالحر وكذلك ولد المكاتبة ، فإن كان لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط .الثانية عشرة : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة ؛ إما بأن يعطوهم شيئا مما في أيديهم - أعني أيدي السادة - أو يحطوا عنهم شيئا من مال الكتابة . قال مالك : يوضع عن المكاتب من آخر كتابته . وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفا . واستحسن علي - رضي الله عنه - أن يكون ذلك ربع الكتابة . قال الزهراوي : روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . واستحسن ابن مسعود ، والحسن بن أبي الحسن ثلثها . وقال قتادة : عشرها . ابن جبير : يسقط عنه شيئا ، ولم يحده ؛ وهو قول الشافعي ، واستحسنه الثوري . قال الشافعي : والشيء أقل شيء يقع عليه اسم شيء ، ويجبر عليه السيد ويحكم به الحاكم على [ ص: 234 ] الورثة إن مات السيد . ورأى مالك رحمه الله تعالى هذا الأمر على الندب ، ولم ير لقدر الوضعية حدا . احتج الشافعي بمطلق الأمر في قوله [ تعالى ] : وآتوهم ، ورأى أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب ؛ كما قال تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وما كان مثله . قال ابن العربي : وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق القاضي ، جعل الشافعي الإيتاء واجبا ، والكتابة غير واجبة ؛ فجعل الأصل غير واجب والفرع واجبا ، وهذا لا نظير له ، فصارت دعوى محضة . فإن قيل : يكون ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت أحكامه ، منها المتعة . قلنا : عندنا لا تجب المتعة فلا معنى لأصحاب الشافعي . وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ألا يحطه . . . ، في حديث طويل .قلت : وقد قال الحسن ، والنخعي ، وبريدة : إنما الخطاب بقوله : وآتوهم للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين ، وأن يعينوهم في فكاك رقابهم . وقال زيد بن أسلم : إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم ؛ وهو الذي تضمنه قوله تعالى : وفي الرقاب . وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئا عن مكاتبه . ودليل هذا أنه لو أراد حط شيء من نجوم الكتابة لقال وضعوا عنهم كذا .الثالثة عشرة : : إذا قلنا : إن المراد بالخطاب السادة فرأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه مبادرة إلى الخير خوفا ألا يدرك آخرها . ورأى مالك رحمه الله تعالى وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم . وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد فرجع هو وماله إلى السيد ، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة . وهذا قول عبد الله بن عمر ، وعلي . وقال مجاهد : يترك له من كل نجم . قال ابن العربي : والأقوى عندي أن يكون في آخرها ؛ لأن الإسقاط أبدا إنما يكون في أخريات الديون .الرابعة عشرة : المكاتب إذا بيع للعتق رضا منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئا ، سواء باعه لعتق أو لغير عتق ، وليس ذلك كالسيد يؤدي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها أو يضع عنه من آخرها نجما أو ما شاء ؛ على ما أمر الله به في كتابه ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئا ، وإن كانوا قد باعوها للعتق .[ ص: 235 ] الخامسة عشرة : اختلفوا في صفة عقد الكتابة ؛ فقال ابن خويز منداد : صفتها أن يقول السيد لعبده : كاتبتك على كذا وكذا من المال ، في كذا وكذا نجما ، إذا أديته فأنت حر . أو يقول له أد إلي ألفا في عشرة أنجم وأنت حر . فيقول العبد : قد قبلت ، ونحو ذلك من الألفاظ ؛ فمتى أداها عتق . وكذلك لو قال العبد كاتبني ، فقال السيد قد فعلت ، أو قد كاتبتك . قال ابن العربي : وهذا لا يلزم ؛ لأن لفظ القرآن لا يقتضيه والحال يشهد له ؛ فإن ذكره فحسن ، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه . ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة ، وقد ذكرنا من أصوله جملة ، فيها لمن اقتصر عليها كفاية ، والله الموفق للهداية .السادسة عشرة : في ميراث المكاتب ؛ واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : أن المكاتب إذا هلك وترك مالا أكثر مما بقي عليه من كتابته وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم ، ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته ؛ لأن حكمهم كحكمه ، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالا ، ولا يعتقون إلا بعتقه ، ولو أدى عنهم ما رجع بذلك عليهم ؛ لأنهم يعتقون عليه ؛ فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله .والقول الثاني : أنه يؤدي عنه من ماله جميع كتابته ، وجعل كأنه قد مات حرا ، ويرثه جميع ولده وسواء في ذلك من كان حرا قبل موته من ولده ، ومن كاتب عليهم ، أو ولدوا في كتابته لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدت عنهم كتابتهم . روي هذا القول عن علي ، وابن مسعود ، ومن التابعين عن عطاء ، والحسن ، وطاوس ، وإبراهيم ، وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والحسن بن صالح بن حي ، وإليه ذهب إسحاق .والقول الثالث : أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا ، وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده ، ولا يرثه أحد من أولاده ، لا الأحرار ولا الذين معه في كتابته ؛ لأنه لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا وماله لسيده ، فلا يصح عتقه بعد موته ؛ لأنه محال أن يعتق عبد بعد موته ، وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي الكتابة ، ويسقط عنهم منها قدر حصته ، فإن أدوا عتقوا لأنهم كانوا فيها تبعا لأبيهم ، وإن لم يؤدوا ذلك رقوا . هذا قول الشافعي ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو قول عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، وعمر بن عبد العزيز ، والزهري ، وقتادة .قوله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا روي عن جابر بن عبد الله ، وابن عباس - رضي الله عنهم - أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ، وكانت له جاريتان إحداهما [ ص: 236 ] تسمى معاذة ، والأخرى مسيكة ، وكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد ؛ فشكتا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين . ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي - صلى الله عليه وسلم - في زوجها . وفي صحيح مسلم ، عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على الزنا ، فشكتا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - عز وجل - ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إلى قوله ( غفور رحيم ) .قوله تعالى : إن أردن تحصنا راجع إلى الفتيات ، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مكرها ، ويمكن أن ينهى عن الإكراه . وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها ؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنا . فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه . وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال : إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه ؛ فأما إذا كانت هي راغبة في الزنا لم يتصور إكراه ، فحصلوه . وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين ؛ فقال بعضهم : قوله : إن أردن تحصنا راجع إلى الأيامى ، قال الزجاج ، والحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير ؛ أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنا . وقال بعضهم : هذا الشرط في قوله : ( إن أردن ) ملغى ، ونحو ذلك مما يضعف والله الموفق .قوله تعالى : لتبتغوا عرض الحياة الدنيا أي الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها والولد يسترق فيباع . وقيل : كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها .قوله تعالى : ومن يكرهن أي يقهرهن . فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن . وقرأ ابن مسعود ، وجابر بن عبد الله ، وابن جبير ( لهن غفور ) بزيادة لهن . وقد مضى الكلام في الإكراه في ( النحل ) والحمد لله .
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ
Nous avons effectivement fait descendre vers vous des versets clairs, donnant une parabole de ceux qui ont vécu avant vous, et une exhortation pour les pieux
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات ، وفيها ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه .
۞ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ
Allah est la Lumière des cieux et de la terre. Sa lumière est semblable à une niche où se trouve une lampe. La lampe est dans un (récipient de) cristal et celui-ci ressemble à un astre de grand éclat; son combustible vient d'un arbre béni: un olivier ni oriental ni occidental dont l'huile semble éclairer sans même que le feu la touche. Lumière sur lumière. Allah guide vers Sa lumière qui Il veut. Allah propose aux hommes des paraboles et Allah est Omniscient
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليمالنور في كلام العرب : الأضواء المدركة بالبصر . واستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح ؛ فيقال منه : كلام له نور . ومنه : الكتاب المنير ، ومنه قول الشاعر :نسب كأن عليه من شمس الضحا نورا ومن فلق الصباح عموداوالناس يقولون : فلان نور البلد ، وشمس العصر وقمره . وقال [ النابغة الذبياني ] :فإنك شمس والملوك كواكب [ إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ]وقال آخر :هلا خصصت من البلاد بمقصد قمر القبائل خالد بن يزيدوقال آخر :إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالهافيجوز أن يقال : لله تعالى نور ، من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها ، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وقد قال هشام الجوالقي ، وطائفة من المجسمة : هو نور لا كالأنوار ، وجسم لا كالأجسام . وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام . ثم إن قولهم متناقض ؛ فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك ، وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور ؛ وذلك متناقض ، وتحقيقه في علم الكلام . والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية ، وقوله - عليه السلام - إذا قام من [ ص: 238 ] الليل يتهجد اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض . وقال : عليه السلام - وقد سئل : هل رأيت ربك ؟ فقال : رأيت نورا . إلى غير ذلك من الأحاديث .واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ؛ فقيل : المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها ، واستقامت أمورها ، وقامت مصنوعاتها . فالكلام على التقريب للذهن ؛ كما يقال : الملك نور أهل البلد ؛ أي به قوام أمرها وصلاح جملتها ؛ لجريان أموره على سنن السداد . فهو في الملك مجاز ، وهو في صفة الله حقيقة محضة ، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورا هاديا ؛ لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات ، تبارك وتعالى لا رب غيره . قال معناه مجاهد ، والزهري ، وغيرهما . قال ابن عرفة : أي منور السماوات والأرض . وكذا قال الضحاك ، والقرظي . كما يقولون : فلان غياثنا ؛ أي مغيثنا . وفلان زادي ؛ أي مزودي . قال جرير :وأنت لنا نور وغيث وعصمة ونبت لمن يرجو نداك وريقأي ذو ورق . وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض . أبي بن كعب ، والحسن ، وأبو العالية : مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم ، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين . وقال ابن عباس ، وأنس : المعنى الله هادي أهل السماوات والأرض . والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل .قوله تعالى : مثل نوره أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن ؛ والدلائل تسمى نورا . وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال : وأنزلنا إليكم نورا مبينا وسمى نبيه نورا فقال : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين . وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين ، وكذلك [ ص: 239 ] الرسول . ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ، ومبينها ، وواضعها . وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به ، بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة ، وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة ، التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس ؛ فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر . والمشكاة الكوة في الحائط غير النافذة ؛ قاله ابن جبير ، وجمهور المفسرين ، وهي أجمع للضوء ، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها ، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء . والمشكاة وعاء من أدم كالدلو يبرد فيها الماء ؛ وهو على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة . قال الشاعر :كأن عينيه مشكاتان في حجر قيضا اقتياضا أطراف المناقيروقيل : المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة . وقال مجاهد : هي القنديل . وقال : ( في زجاجة ) لأنه جسم شفاف ، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج . والمصباح : الفتيل بناره كأنها كوكب دري أي في الإنارة والضوء . وذلك يحتمل معنيين : إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك ، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها ، وجودة جوهرها كذلك . وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور . قال الضحاك : الكوكب الدري هو الزهرة .قوله تعالى : يوقد من شجرة مباركة أي من زيت شجرة ، فحذف المضاف . والمباركة المنماة ؛ والزيتون من أعظم الثمار نماء ، والرمان كذلك . والمعنى يقتضي ذلك . وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس :ليت شعري مسافر بن أبي عمرو وليت يقولها المحزونبورك الميت الغريب كما بو رك نبع الرمان والزيتونوقيل : من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها . وقال ابن عباس : في الزيتونة منافع ، يسرج بالزيت ، وهو إدام ، ودهان ، ودباغ ، ووقود يوقد بحطبه وتفله ، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة ، حتى الرماد يغسل به الإبريسم . وهي أول شجرة نبتت في الدنيا ، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان ، وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ، ودعا لها سبعون نبيا [ ص: 240 ] بالبركة ؛ منهم إبراهيم ، ومنهم محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال : اللهم بارك في الزيت والزيتون . قاله مرتين .قوله تعالى : لا شرقية ولا غربية اختلف العلماء في قوله تعالى : لا شرقية ولا غربية فقال ابن عباس ، وعكرمة ، وقتادة ، وغيرهم : الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شرقت ، ولا تصيبها إذا غربت ؛ لأن لها سترا . والغربية عكسها ؛ أي أنها شجرة في صحراء ومنكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها ، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ، ولا للغرب فتسمى غربية ، بل هي شرقية غربية . وقال الطبري ، عن ابن عباس : إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها ؛ فهي غير منكشفة من جهة الشرق ، ولا من جهة الغرب . قال ابن عطية : وهذا قول لا يصح عن ابن عباس ؛ لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها ، وذلك مشاهد في الوجود . وقال الحسن : ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا ، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية . الثعلبي : وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا ؛ لأنها بدل من الشجرة ، فقال ( زيتونة ) . وقال ابن زيد : إنها من شجر الشأم ؛ فإن شجر الشأم لا شرقي ولا غربي ، وشجر الشأم هو أفضل الشجر ، وهي الأرض المباركة ، و ( شرقية ) نعت ل ( زيتونة ) و لا ليست تحول بين النعت والمنعوت ، ( ولا غربية ) عطف عليه .قوله تعالى : يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار مبالغة في حسنه وصفائه وجودته . نور على نور أي اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت فصار لذلك نور على نور . واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون فكذلك براهين الله تعالى واضحة ، وهي برهان بعد برهان ، وتنبيه بعد تنبيه ؛ كإرساله الرسل وإنزاله الكتب ، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر . ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده ، وذكر تفضله للعباد في ضرب الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان . وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، وأبو عبد الرحمن السلمي ( الله نور ) بفتح النون والواو المشددة . واختلف المتأولون في عود الضمير في نوره على من يعود ؛ فقال كعب الأحبار ، [ ص: 241 ] وابن جبير : هو عائد على محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي مثل نور محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن الأنباري : الله نور السماوات والأرض وقف حسن ، ثم تبتدئ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح على معنى نور محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقال أبي بن كعب ، وابن جبير أيضا ، والضحاك : هو عائد على المؤمنين . وفي قراءة أبي ( مثل نور المؤمنين ) . وروي أن في قراءته ( مثل نور المؤمن ) . وروي أن فيها ( مثل نور من آمن به ) . وقال الحسن : هو عائد على القرآن والإيمان . قال مكي : وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله : ( والأرض ) . قال ابن عطية : وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر ، وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل ؛ فعلى من قال : الممثل به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قول كعب الحبر ؛ فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المشكاة أو صدره ، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من عمله وهداه ، والزجاجة قلبه ، والشجرة المباركة هي الوحي ، والملائكة رسل الله إليه وسببه المتصل به ، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي . ومن قال : الممثل به المؤمن ، وهو قول أبي ؛ فالمشكاة صدره ، والمصباح الإيمان والعلم ، والزجاجة قلبه ، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها . قال أبي : فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات . ومن قال : إن الممثل به هو القرآن والإيمان ؛ فتقدير الكلام : مثل نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة ؛ أي كهذه الجملة . وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين ؛ لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان . وقالت طائفة : الضمير في ( نوره ) عائد على الله تعالى . وهذا قول ابن عباس فيما ذكر الثعلبي ، والماوردي ، والمهدوي ، وقد تقدم معناه . ولا يوقف على هذا القول على الأرض . قال المهدوي : الهاء لله - عز وجل - ؛ والتقدير : الله هادي أهل السماوات والأرض ، مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة ؛ وروي ذلك عن ابن عباس . وكذلك قال زيد بن أسلم ، والحسن : إن الهاء لله - عز وجل - . وكان أبي ، وابن مسعود يقرآنها ( مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة ) . قال محمد بن علي الترمذي : فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا ، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره في قلب المؤمن ، وتصديقه في آية أخرى يقول : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه . واعتل الأولون بأن قالوا : لا يجوز أن يكون الهاء لله - عز وجل - ؛ لأن الله - عز وجل - لا حد لنوره . وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمر الدوري الألف من ( مشكاة ) وكسر الكاف التي قبلها . وقرأ نصر بن عاصم ( زجاجة ) بفتح الزاي [ ص: 242 ] والزجاجة كذلك ، وهي لغة . وقرأ ابن عامر ، وحفص ، عن عاصم ( دري ) بضم الدال وشد الياء ، ولهذه القراءة وجهان : إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه ، وإما أن يكون أصله دريء مهموز ، فعيل من الدرء وهو الدفع ، وخففت الهمزة . ويقال للنجوم العظام التي لا تعرف أسماؤها : الدراري ، بغير همز ؛ فلعلهم خففوا الهمزة ، والأصل من الدرء الذي هو الدفع . وقرأ حمزة ، وأبو بكر ، عن عاصم ( دريء ) بالهمز والمد ، وهو فعيل من الدرء ؛ بمعنى أنها يدفع بعضها بعضا . وقرأ الكسائي ، وأبو عمرو ( دريء ) بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع ، مثل السكير والفسيق . قال سيبويه : أي يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه . قال النحاس : وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو ، والكسائي ، تضعيفا شديدا ، لأنه تأولها من درأت أي دفعت ؛ أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق . وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة ، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب ؛ ألا ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم . ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبي عمرو ، والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد ، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك : كوكب مندفع بالنور ؛ كما يقال : اندرأ الحريق إن اندفع . وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة . وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال : درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا . وقال الجوهري في الصحاح : ودرأ علينا فلان يدرأ دروءا أي طلع مفاجأة . ومنه كوكب دريء ، على فعيل ؛ مثل سكير ، وخمير لشدة توقده وتلألئه . وقد درأ الكوكب دروءا . قال أبو عمرو بن العلاء : سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت : هذا الكوكب الضخم ما تسمونه ؟ قال : الدريء ، وكان من أفصح الناس . قال النحاس : فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا قالوا : هي لحن لا تجوز ، لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعيل . وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال : ليس هو فعيل وإنما هو فعول ، مثل سبوح ، أبدل من الواو ياء ؛ كما قالوا : عتي . قال أبو جعفر النحاس : وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشده ؛ لأن هذا لا يجوز البتة ، ولو جاز ما قال لقيل في سبوح سبيح ، وهذا لا يقوله أحد ، وليس عتي من هذا ، والفرق بينهما واضح بين ؛ لأنه ليس يخلو عتي من إحدى جهتين : إما أن يكون جمع عات فيكون البدل فيه لازما ، لأن الجمع باب تغيير ، والواو لا تكون طرفا في الأسماء وقبلها ضمة ، فلما كان قبل هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس بحاجز حصين أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء . وإن كان عتي واحدا كان بالواو أولى ، وجاز قلبها لأنها طرف ، والواو في فعول ليست طرفا فلا يجوز قلبها . قال الجوهري : قال أبو عبيد إن ضممت الدال قلت دري ، يكون منسوبا إلى الدر ، على فعلي ولم تهمزه لأنه ليس في كلام العرب فعيل . ومن همزه من القراء فإنما أراد [ ص: 243 ] فعولا مثل سبوح فاستثقل فرد بعضه إلى الكسر . وحكى الأخفش عن بعضهم ( دريء ) من درأته ، وهمزها ، وجعلها على فعيل مفتوحة الأول . قال : وذلك من تلألئه . قال الثعلبي : وقرأ سعيد بن المسيب ، وأبو رجاء ( دريء ) بفتح الدال مهموزا . قال أبو حاتم : هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فعيل ؛ فإن صح عنهما فهما حجة . ( يوقد ) قرأ شيبة ، ونافع ، وأيوب ، وسلام ، وابن عامر ، وأهل الشام ، وحفص : يوقد بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال . وقرأ الحسن ، والسلمي ، وأبو جعفر ، وأبو عمرو بن العلاء البصري : ( توقد ) مفتوحة الحروف كلها مشددة القاف ، واختارها أبو حاتم ، وأبو عبيد . قال النحاس : وهاتان القراءتان متقاربتان ؛ لأنهما جميعا للمصباح ، وهو أشبه بهذا الوصف ؛ لأنه الذي ينير ويضيء ، وإنما الزجاجة وعاء له . و ( توقد ) فعل ماض من توقد يتوقد ، ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد . وقرأ نصر بن عاصم ( توقد ) والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين لأن الأخرى تدل عليها . وقرأ الكوفيون ( توقد ) بالتاء يعنون الزجاجة . فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة . من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية تقدم القول فيه . يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور على تأنيث النار . وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة . وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك ، عن ابن عباس أنه قرأ ( ولو لم يمسسه نار ) بالياء . قال محمد بن يزيد : التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي ، وكذا سبيل المؤنث عنده . وقال ابن عمر : المشكاة جوف محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والزجاجة قلبه ، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد من شجرة مباركة ؛ أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته ؛ فأوقد الله تعالى في قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - النور كما جعله في قلب إبراهيم - عليه السلام - . وقال محمد بن كعب : المشكاة إبراهيم ، والزجاجة إسماعيل ، والمصباح محمد صلوات الله عليهم أجمعين ؛ سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا فقال : وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا يوقد من شجرة مباركة وهي آدم - عليه السلام - ، بورك في نسله وكثر منه الأنبياء والأولياء . وقيل : هي إبراهيم - عليه السلام - ، سماه الله تعالى مباركا لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه . لا شرقية ولا غربية أي لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما كان حنيفا مسلما . وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق . يكاد زيتها يضيء أي يكاد محاسن محمد - صلى الله عليه وسلم - تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه . نور على نور نبي من نسل نبي . وقال الضحاك : شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمصباح كان في قلبهما ، فورث النبوة من إبراهيم . ( من شجرة ) أي شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان ، شجرة أصلها نبوة ، وفرعها مروءة ، وأغصانها تنزيل ، وورقها تأويل ، وخدمها جبريل ، وميكائيل . قال القاضي أبو بكر بن العربي : ومن غريب الأمر [ ص: 244 ] أن بعض الفقهاء قال إن هذا مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم ، ومحمد ولعبد المطلب ، وابنه عبد الله ؛ فالمشكاة هي الكوة بلغة الحبشة ، فشبه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو الزجاجة ، وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة ؛ ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما ، وكأنه كوكب دري وهو المشتري يوقد من شجرة مباركة يعني إرث النبوة من إبراهيم - عليه السلام - هو الشجرة المباركة ، يعني حنيفية ( لا شرقية ولا غربية ) ، لا يهودية ولا نصرانية . يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار يقول : يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه . نور على نور إبراهيم ثم محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال القاضي : وهذا كله عدول عن الظاهر ، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه .قلت : وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول ، وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلا تنبيها لخلقه إلا ببعض خلقه لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم ، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده ، قاله ابن العربي . قال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإن مسته النار زاد ضوءه ، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور ؛ كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة : هذا ربي ، من قبل أن يخبره أحد أن له ربا ؛ فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى ، فقال له ربه : أسلم قال أسلمت لرب العالمين . ومن قال إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال : كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص ؛ فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفهمه ، والشجرة المباركة شجرة الوحي . يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ . نور على نور يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه ، مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن ، فازدادوا بذلك نورا على نور . يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه فقال : يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس أي يبين الأشباه تقريبا إلى الأفهام . والله بكل شيء عليم أي بالمهدي والضال . وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا : يا محمد ، كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء ؛ فضرب الله تعالى ذلك مثلا لنوره .