Tafseer Al Qurtubi
Qurtubi
هود
Hud
123 versets
وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ
Sa femme était debout, et elle rit alors; Nous lui annonçâmes donc (la naissance d') Isaac, et après Isaac, Jacob
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : وامرأته قائمة ابتداء وخبر ، أي قائمة بحيث ترى الملائكة . قيل : كانت من وراء الستر . وقيل : كانت تخدم الملائكة وهو جالس . وقال محمد بن إسحاق : قائمة تصلي . وفي قراءة عبد الله بن مسعود " وامرأته قائمة وهو قاعد " .قوله تعالى : فضحكت قال مجاهد وعكرمة : حاضت ، وكانت آيسة ; تحقيقا للبشارة ; وأنشد على ذلك اللغويون :وإني لآتي العرس عند طهورها وأهجرها يوما إذا تك ضاحكاوقال آخر :وضحك الأرانب فوق الصفا كمثل دم الجوف يوم اللقاوالعرب تقول : ضحكت الأرنب إذا حاضت ; وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعكرمة ; أخذ من قولهم : ( ضحكت الكافورة - وهي قشرة الطلعة - إذا انشقت ) . وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت . وقال الجمهور : هو الضحك المعروف ، واختلفوا فيه ; فقيل : هو ضحك التعجب ; قال أبو ذؤيب :فجاء بمزج لم ير الناس مثله هو الضحك إلا أنه عمل النحلوقال مقاتل : ضحكت من خوف إبراهيم ، ورعدته من ثلاثة نفر ، وإبراهيم في حشمه وخدمه ; وكان إبراهيم يقوم وحده بمائة رجل . قال : وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم . وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك ; قال الفراء : لم أسمعه من ثقة ; وإنما هو كناية . وروي أن الملائكة مسحت العجل ، فقام من موضعه فلحق بأمه ، فضحكت سارة عند ذلك فبشروها بإسحاق . ويقال : كان إبراهيم - عليه السلام - إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة تخدمهم ، فذلك قوله : وامرأته قائمة أي قائمة في خدمتهم . ويقال : قائمة لروع إبراهيم فضحكت لقولهم : " لا تخف " سرورا بالأمن . وقال الفراء : فيه تقديم وتأخير ; المعنى : فبشرناها بإسحاق فضحكت ، أي ضحكت سرورا بالولد ، وقد هرمت ، والله أعلم أي ذلك كان . قال النحاس فيه أقوال : أحسنها - أنهم لما لم يأكلوا أنكرهم وخافهم ; فلما قالوا لا تخف ، وأخبروه أنهم رسل الله ، فرح بذلك ، فضحكت امرأته سرورا بفرحه . وقيل : إنها كانت قالت له : أحسب أن هؤلاء القوم سينزل بهم عذاب فضم لوطا إليك ، فلما جاءت الرسل بما قالته سرت به فضحكت ; قال النحاس : وهذا إن صح إسناده فهو حسن . والضحك انكشاف الأسنان . ويجوز أن يكون الضحك إشراق الوجه ; تقول : رأيت فلانا ضاحكا ; أي مشرقا . وأتيت على روضة تضحك ; أي مشرقة . وفي الحديث إن الله سبحانه يبعث السحاب فيضحك أحسن الضحك . جعل انجلاءه عن البرق ضحكا ; وهذا كلام مستعار . وروي عن رجل من قراء مكة يقال له محمد بن زياد الأعرابي . " فضحكت " بفتح الحاء ; قال المهدوي ; وفتح [ ص: 61 ] " الحاء " من فضحكت غير معروف . وضحك يضحك ضحكا وضحكا وضحكا وضحكا أربع لغات . والضحكة المرة الواحدة ، ومنه قول كثير :غلقت لضحكته رقاب المالقاله الجوهري .روى مسلم عن سهل بن سعد قال : دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عرسه ، فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس . قال سهل : أتدرون ما سقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور ، فلما أكل سقته إياه . وأخرجه البخاري وترجم له " باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس " . قال علماؤنا : فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها . وفيه أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه ، ويستخدمهن لهم . ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب . والله أعلم .ذكر الطبري أن إبراهيم - عليه السلام - لما قدم العجل قالوا : لا نأكل طعاما إلا بثمن ; فقال لهم : " ثمنه أن تذكروا الله في أوله وتحمدوه في آخره " فقال جبريل لأصحابه : بحق اتخذ الله هذا خليلا . قال علماؤنا : ولم يأكلوا لأن الملائكة لا تأكل . وقد كان من الجائز كما يسر الله للملائكة أن يتشكلوا في صفة الآدمي جسدا وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام ; إلا أنه في قول العلماء أرسلهم في صفة الآدمي وتكلف إبراهيم - عليه السلام - الضيافة حتى إذا رأى التوقف وخاف جاءته البشرى فجأة .ودل هذا على أن التسمية في أول الطعام ، والحمد في آخره مشروع في الأمم قبلنا ; وقد جاء في الإسرائيليات أن إبراهيم - عليه السلام - كان لا يأكل وحده ; فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه ; فلقي يوما رجلا ، فلما جلس معه على الطعام ، قال له إبراهيم : سم الله ، قال الرجل لا أدري ما الله ؟ فقال له : فاخرج عن طعامي ، فلما خرج نزل إليه جبريل فقال له : يقول الله إنه يرزقه على كفره مدى عمره وأنت بخلت عليه بلقمة ; فخرج [ ص: 62 ] إبراهيم فزعا يجر رداءه ، وقال : ارجع ، فقال : لا أرجع حتى تخبرني لم تردني لغير معنى ؟ فأخبره بالأمر ; فقال : هذا رب كريم ، آمنت ; ودخل وسمى الله وأكل مؤمنا .قوله تعالى : فبشرناها بإسحاق لما ولد لإبراهيم إسماعيل من هاجر تمنت سارة أن يكون لها ابن ، وأيست لكبر سنها ، فبشرت بولد يكون نبيا ويلد نبيا ، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها .قوله تعالى : ومن وراء إسحاق يعقوب قرأ حمزة وعبد الله بن عامر " يعقوب " بالنصب . ورفع الباقون ; فالرفع على معنى : ويحدث لها من وراء إسحاق يعقوب . ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في " من " كأن المعنى : وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب . ويجوز أن يرتفع بالابتداء ، ويكون في موضع الحال ; أي بشروها بإسحاق مقابلا له يعقوب . والنصب على معنى : ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب . وأجاز الكسائي والأخفش وأبو حاتم أن يكون " يعقوب " في موضع جر على معنى : وبشرناها من وراء إسحاق بيعقوب . قال الفراء : ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض ; قال سيبويه ولو قلت : مررت بزيد أول من أمس وأمس عمرو كان قبيحا خبيثا ; لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو ، كما فرقت بين الجار والمجرور ; لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور ، ولا بينه وبين الواو .
قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ
Elle dit: «Malheur à moi! Vais-je enfanter alors que je suis vieille et que mon mari, que voici, est un vieillard? C'est là vraiment une chose étrange!»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيبفيه مسألتان :الأولى : " يا ويلتا " قال الزجاج : أصلها يا ويلتي ; فأبدل من الياء ألف ; لأنها أخف من الياء والكسرة ; ولم ترد الدعاء على نفسها بالويل ; ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه ; وعجبت من ولادتها ومن كون بعلها شيخا لخروجه عن العادة ، وما خرج عن العادة مستغرب ومستنكر .و " أألد " استفهام معناه التعجب ." وأنا عجوز " أي شيخة . ولقد عجزت تعجز عجزا وعجزت تعجيزا ; أي طعنت في السن . وقد يقال : عجوزة أيضا . وعجزت المرأة بكسر الجيم ; عظمت عجيزتها عجزا وعجزا بضم العين وفتحها . قال مجاهد : كانت بنت تسع وتسعين سنة . وقال ابن إسحاق : كانت بنت تسعين سنة . وقيل غير هذا .[ ص: 63 ] الثانية : قوله تعالى : وهذا بعلي أي زوجي . شيخا نصب على الحال ، والعامل فيه التنبيه أو الإشارة . وهذا بعلي ابتداء وخبر . وقال الأخفش : وفي قراءة ابن مسعود وأبي " وهذا بعلي شيخ " قال النحاس : كما تقول هذا زيد قائم ; فزيد بدل من هذا ; وقائم خبر الابتداء . ويجوز أن يكون " هذا " مبتدأ " وزيد قائم " خبرين ; وحكى سيبويه : هذا حلو حامض . وقيل : كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة . وقيل : ابن مائة فكان يزيد عليها في قول مجاهد سنة . وقيل : إنها عرضت بقولها : وهذا بعلي شيخا أي عن ترك غشيانه لها . وسارة هذه امرأة إبراهيم بنت هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ ، وهي بنت عم إبراهيم .إن هذا لشيء عجيب أي الذي بشرتموني به لشيء عجيب .
قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ
Ils dirent: «T'étonnes-tu de l'ordre d'Allah? Que la miséricorde d'Allah et Ses bénédictions soient sur vous, gens de cette maison! Il est vraiment, digne de louange et de glorification!»
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيدفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : قالوا أتعجبين من أمر الله لما قالت : وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا وتعجبت ، أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله ، أي من قضائه . وقدره ، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد ، وهو إسحاق . وبهذه الآية استدل كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل ، وأنه أسن من إسحاق ; لأنها بشرت بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب . وسيأتي الكلام في هذا ; وبيانه في " الصافات " إن شاء الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : " رحمة الله وبركاته " مبتدأ ، والخبر " عليكم " . وحكى سيبويه عليكم بكسر الكاف لمجاورتها الياء . وهل هو خبر أو دعاء ؟ وكونه إخبارا أشرف ; لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم ، المعنى : أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت . وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد . نصب " أهل البيت " على الاختصاص ; وهذا مذهب سيبويه . وقيل : على النداء .الثالثة : هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت ; فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت ; فعائشة - رضي الله عنها - وغيرها من جملة أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ; ممن قال الله فيهم : ويطهركم تطهيرا وسيأتي[ ص: 64 ] الرابعة : ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام وبركاته كما أخبر الله عن صالحي عباده رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت . والبركة النمو والزيادة ; ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة . وروى مالك عن وهب بن كيسان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ; ثم زاد شيئا مع ذلك ; فقال ، ابن عباس - وهو يومئذ قد ذهب بصره - من هذا ؟ فقالوا اليماني الذي يغشاك ، فعرفوه إياه ، فقال : ( إن السلام انتهى إلى البركة ) . وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في عصبة من أصحابه ، فقلت : السلام عليكم ; فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك ) . قال : ودخلت الثانية ; فقلت : السلام عليكم ورحمة الله فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك ) . فدخلت الثالثة فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء ) .إنه حميد مجيد أي محمود ماجد . وقد بيناهما في " الأسماء الحسنى " .
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ
Lorsque l'effroi eut quitté Abraham et que la bonne nouvelle l'eut atteint, voilà qu'il discuta avec Nous (en faveur) du peuple de Lot
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
قوله تعالى : فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوطقوله تعالى : فلما ذهب عن إبراهيم الروع أي الخوف ; يقال : ارتاع من كذا إذا خاف ; قال النابغة :فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشوامت من خوف ومن صردوجاءته البشرى أي بإسحاق ويعقوب . وقال قتادة : بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب [ ص: 65 ] إلى قوم لوط ، وأنه لا يخاف ." يجادلنا " أي يجادل رسلنا ، وأضافه إلى نفسه ; لأنهم نزلوا بأمره . وهذه المجادلة رواها حميد بن هلال عن جندب عن حذيفة ; وذلك أنهم لما قالوا : إنا مهلكو أهل هذه القرية قال لهم : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم ؟ قالوا : لا . قال : فأربعون ؟ قالوا : لا . قال : فثلاثون ؟ قالوا : لا . قال : فعشرون ؟ قالوا : لا . قال : فإن كان فيها عشرة - أو خمسة " شك حميد " - قالوا : لا . قال قتادة : نحوا منه ; قال فقال يعني إبراهيم : قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم . وقيل إن إبراهيم قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا . فقال إبراهيم عند ذلك : إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين . وقال عبد الرحمن بن سمرة : كانوا أربعمائة ألف . ابن جريج . وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف . ومذهب الأخفش والكسائي " أن يجادلنا " في موضع " جادلنا " . قال النحاس : لما كان جواب لما يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه ; كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه . وفيه جواب آخر : أن يكون " يجادلنا " في موضع الحال ; أي أقبل يجادلنا ; وهذا قول الفراء .
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّـٰهٞ مُّنِيبٞ
Abraham était, certes, longanime, très implorant et repentant
Tafseer Al Qurtubi — Qurtubi
" إن إبراهيم لحليم أواه منيب " تقدم في " براءة " معنى " لأواه حليم " والمنيب الراجع ; يقال : أناب إذا رجع . وإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - كان راجعا إلى الله تعالى في أموره كلها . وقيل : الأواه المتأوه أسفا على ما قد فات قوم لوط من الإيمان .