Tafsir al-Tabari
Tabari
الأعراف
Al-A'raf
206 versets
سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ
J'écarterai de Mes signes ceux qui, sans raison, s'enflent d'orgueil sur terre. Même s'ils voyaient tous les miracles, ils n'y croiraient pas. Et s'ils voient le bon sentier, ils ne le prennent pas comme sentier. Mais s'ils voient le sentier de l'erreur, ils le prennent comme sentier. C'est qu'en vérité ils traitent de mensonges Nos preuves et ils ne leur accordaient aucune attention
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.فقال بعضهم: معناه: سأنـزع عنهم فهم الكتاب.* ذكر من قال ذلك:15122- حدثنا أحمد بن منصور المروزي قال، حدثني محمد بن عبد الله بن بكر قال: سمعت ابن عيينة يقول في قول الله: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق "، قال يقول: أنـزع عنهم فهم القرآن, وأصرفهم عن آياتي. (17)* * *قال أبو جعفر: وتأويل ابن عيينة هذا يدل على أن هذا الكلام كان عنده من الله وعيدًا لأهل الكفر بالله ممن بعث إليه نبينا صلى الله عليه وسلم، دون قوم موسى, لأن القرآن إنما أنـزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون، موسى عليه السلام .* * *وقال آخرون في ذلك: معناه: سأصرفهم عن الاعتبار بالحجج.* ذكر من قال ذلك:15123- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " سأصرف عن آياتي"، عن خلق السماوات والأرض والآيات فيها, سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا.* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه سيصرف عن آياته, وهي أدلته وأعلامه على حقيقة ما أمر به عباده وفرض عليهم من طاعته في توحيده وعدله، (18) وغير ذلك من فرائضه. والسماوات والأرض, وكل موجود من خلقه، فمن آياته, والقرآن أيضًا من آياته، (19) وقد عم بالخبر أنه يصرف عن آياته المتكبرين في الأرض بغير الحق, وهم الذين حقَّت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون, فهم عن فهم جميع آياته والاعتبار والادّكار بها مصروفون، لأنهم لو وفِّقوا لفهم بعض ذلك فهُدوا للاعتبار به، اتعظوا وأنابوا إلى الحق, وذلك غير كائن منهم, لأنه جلّ ثناؤه قال: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا ، فلا تبديل لكلمات الله.* * *القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن ير هؤلاء الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق و= " وتكبرهم فيها بغير الحق "، تجبرهم فيها, واستكبارهم عن الإيمان بالله ورسوله، والإذعان لأمره ونهيه, (20) وهم لله عبيدٌ يغذوهم بنعمته، (21) ويريح عليهم رزقه بكرة وعشيًّا، (22) = " كل آية "، يقول: كل حجة لله على وحدانيته وربوبيته, وكل دلالة على أنه لا تنبغي العبادة إلا له خالصة دون غيره. (23) = " لا يؤمنوا بها "، يقول: لا يصدقوا بتلك الآية أنها دالة على ما هي فيه حجة, ولكنهم يقولون: " هي سحر وكذب " = " وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا "، يقول: وإن ير هؤلاء الذين وصف صفتهم طريق الهدى والسداد الذي إن سلكوه نجوا من الهلكة والعطب، وصاروا إلى نعيم الأبد، لا يسلكوه ولا يتخذوه لأنفسهم طريقًا, جهلا منهم وحيرة (24) = " وإن يروا سبيل الغي"، يقول: وإن يروا طريق الهلاك الذي إن سلكوه ضلّوا وهلكوا.* * *وقد بينا معنى " الغي" فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. (25) " يتخذوه سبيلا "، يقول: يسلكوه ويجعلوه لأنفسهم طريقًا، لصرف الله إياهم عن آياته، وطبعه على قلوبهم, فهم لا يفلحون ولا ينجحون= " ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين "، يقول تعالى ذكره: صرفناهم عن آياتنا أن يعقلوها ويفهموها فيعتبروا بها و يذكروا فينيبوا، عقوبةً منا لهم على تكذيبهم بآياتنا = " وكانوا عنها غافلين "، يقول: وكانوا عن آياتنا وأدلتنا الشاهدة على حقيقة ما أمرناهم به ونهيناهم عنه= " غافلين "، لا يتفكرون فيها, لاهين عنها، لا يعتبرون بها, فحق عليهم حينئذ قول ربنا فعَطِبوا. (26)* * *واختلف القرأة في قراءة قوله: " الرشد ".فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض المكيين وبعض البصريين: (الرُّشْدِ)، بضم " الراء " وتسكين " الشين ".* * *وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة وبعض المكيين: (الرَّشَدِ)، بفتح " الراء " و " الشين ".* * *ثم اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك إذا ضمت راؤه وسكنت شينه, وفيه إذا فتحتا جميعًا.فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: معناه إذا ضمت راؤه وسكنت شينه: الصلاح, كما قال الله: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ، [سورة النساء: 6]، بمعنى: صلاحًا. وكذلك كان يقرؤه هو= ومعناه إذا فتحت راؤه وشينه: الرشد في الدين, كما قال جل ثناؤه: تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [سورة الكهف: 66]، (27) بمعنى الاستقامة والصواب في الدين.* * *وكان الكسائي يقول: هما لغتان بمعنى واحد, مثل: " السُّقم " و " السَّقَم ", و " الحُزْن " و " الحَزَن " وكذلك " الرُّشْد " و " الرَّشَد ".* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضةٌ القراءة بهما في قرأة الأمصار، متفقتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ بها.-------------------الهوامش :(17) (2) الأثر : 15122 - (( أحمد بن منصور بن سيار الرمادى )) ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 10260 ، 10521 . و (( محمد بن عبد الله بن بكر بن سليمان الخزاعى الصنعانى الخلنجى )) ، صدوق . روى عنه النسائى ، وأبو حاتم وغيرهما . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/2/295 .(18) (1) في المطبوعة : (( على حقيقة ما امر به عباده )) ، فعل بها ما فعل بسوابقها . انظر ما سلف ص : 68 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .(19) (2) انظر تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .(20) (1) انظر تفسير (( التكبر )) فيما سلف : 70 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(21) (2) في المطبوعة : (( يغدوهم )) بالدال المهملة ، والصواب ما أثبت .(22) (3) (( أراح عليه حقه )) ، رده عليه ، يقول الشاعر :إلا تريحــى علينــا الحـق طائعـةدُونَ القُضَـاةِ ، فَقَاضِينَـا إلَـى حَـكَمِ(23) (4) انظر تفسير (( آية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .(24) (5) انظر تفسير (( السبيل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) . = وتفسير (( الرشد )) فيما سلف 3 : 482 / 5 : 416 / 7 : 576 .(25) (6) انظر تفسير (( الغي )) فيما سلف 5 : 416 / 12 : 333 .(26) (1) انظر تفسير (( الغفلة )) فيما سلف ص : 75 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .(27) (2) قراءتنا وقراءة السبعة : (( رشدا )) ( بضم الراء وسكون الشين ) ، وقراءة أبي عمرو من السبعة كما ذكر أبو جعفر ، ولذلك استدل بها أبو عمرو في هذا الموضع . ولم يذكر هذه القراءة أبو جعفر في تفسير الآية من سورة الكهف .
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
Et ceux qui traitent de mensonges Nos preuves ainsi que la rencontre de l'au-delà, leurs œuvres sont vaines. Seraient-ils rétribués autrement que selon leurs œuvres?»
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء المستكبرون في الأرض بغير الحق, وكلّ مكذِّبٍ حججَ الله ورسله وآياته, وجاحدٍ أنه يوم القيامة مبعوث بعد مماته, ومنكرٍ لقاء الله في آخرته= ذهبت أعمالهم فبطلت, وحصلت لهم أوزارها فثبتت, لأنهم عملوا لغير الله، وأتعبوا أنفسهم في غير ما يرضى الله, فصارت أعمالهم عليهم وبَالا. يقول الله جل ثناؤه: " هل يجزون إلا ما كانوا يعملون "، يقول: هل يثابون إلا ثواب ما كانوا يعملون؟ (28) فصار ثواب أعمالهم الخلودَ في نار أحاط بهم سرادقها, إذ كانت أعمالهم في طاعة الشيطان، دون طاعة الرحمن، نعوذ بالله من غضبه. وقد بينا معنى " الحبوط" و " الجزاء " و " الآخرة "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (29)-----------------الهوامش :(28) (1) في المطبوعة : (( هل ينالون إلا ثواب )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(29) (2) انظر تفسير (( الحبوط )) فيما سلف 11 : 514 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . وتفسير (( الجزاء )) ، و(( الآخرة )) ، فيما سلف من فهارس اللغة ( جزى ) و ( أخر ) .
وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ
Et le peuple de Moïse adopta après lui un veau, fait de leurs parures: un corps qui semblait mugir. N'ont-ils pas vu qu'il ne leur parlait point et qu'il ne les guidait sur aucun chemin? Ils l'adoptèrent [comme divinité], et ils étaient des injustes
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتخذ بنو إسرائيل قومُ موسى، من بعد ما فارقهم موسى ماضيًا إلى ربه لمناجاته، ووفاءً للوعد الذي كان ربه وعده = " من حليهم عجلا ", وهو ولد البقرة, فعبدوه. (30) ثم بين تعالى ذكره ما ذلك العجل فقال: " جسدًا له خوار "= و " الخوار ": صوت البقر = يخبر جل ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل. وذلك أن الرب جلّ جلاله الذي له ملك السماوات والأرض، ومدبر ذلك, لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار, لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير. وقال هؤلاء الذين قص الله قصَصهم لذلك: " هذا إلهنا وإله موسى ", فعكفوا عليه يعبدونه، جهلا منهم، وذهابًا عن الله وضلالا.* * *وقد بينا سبب عبادتهم إياه، وكيف كان اتخاذ من اتخذ منهم العجل، فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (31)* * *وفي " الحلي" لغتان: ضم " الحاء " وهو الأصل = وكسرها, وكذلك ذلك في كل ما شاكله من مثل " صلى " و " جثّي" و " عتّي"، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب, لاستفاضة القراءة بهما في القراءة, ولا تفاق معنييهما. (32)* * *وقوله: " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا "، يقول: ألم ير الذين عكفوا على العجل الذي اتخذوه من حليهم يعبدونه، أن العجل لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا؟ يقول: ولا يرشدهم إلى طريق؟ (33) وليس ذلك من صفة ربهم الذي له العبادة حقًا, بل صفته أنه يكلم أنبياءه ورسله, ويرشد خلقه إلى سبيل الخير، وينهاهم عن سبيل المهالك والردى. يقول الله جل ثناؤه: " اتخذوه "، أي: اتخذوا العجل إلهًا، وكانوا باتخاذهم إياه ربًّا معبودًا ظالمين لأنفسهم, لعبادتهم غير من له العبادة, وإضافتهم الألوهة إلى غير الذي له الألوهة.* * *وقد بينا معنى " الظلم " فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (34)--------------------الهوامش :(30) (1) مضى ذكر (( العجل )) فيما سلف 2 : 63 ، 72 ، 354 ، 357 / 9 : 356 ، ولم يفسره إلا في هذا الموضع .(31) (2) انظر ما سلف 2 : 63 - 68 / ثم ص : 74 - 78 .(32) (3) في المطبوعة : (( لا تفارق بين معنييهما )) ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد الكلام ومسخه . والصواب ما في المخطوطة ، ولكنى زدت الواو ، لأنها حق الكلام .(33) (1) انظر تفسير (( سبيل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .(34) (2) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .
وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ
Et quand ils éprouvèrent des regrets, et qu'ils virent qu'ils étaient bel et bien égarés, ils dirent: «Si notre Seigneur ne nous fait pas miséricorde et ne nous pardonne pas, nous serons très certainement du nombre des perdants»
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولما سقط في أيديهم "، : ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف جل ثناؤه صفته، عند رجوع موسى إليهم, واستسلموا لموسى وحكمه فيهم.* * *وكذلك تقول العرب لكل نادم على أمر فات منه أو سلف، وعاجز عن شيء: " قد سُقِط في يديه " و " أسقط"، لغتان فصيحتان, وأصله من الاستئسار, وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه, فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره، فيكتفه. فالمرميّ به مسقوط في يدي الساقط به. فقيل لكل عاجز عن شيء، وضارع لعجزه، (35) متندِّمٍ على ما قاله: " سقط في يديه " و " أسقط". (36)* * *وعنى بقوله: " ورأوا أنهم قد ضلوا "، ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبيل، وذهبوا عن دين الله, وكفروا بربهم، قالوا تائبين إلى الله منيبين إليه من كفرهم به: " لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ".* * *ثم اختلفت القرأة في قرأة ذلك.فقرأه بعض قرأة أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة: ( لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ) بالرفع، على وجه الخبر.* * *وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: (لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا)، بالنصب، بتأويل: لئن لم ترحمنا يا ربنا= على وجه الخطاب منهم لربهم. واعتلّ قارئو ذلك كذلك بأنه في إحدى القراءتين: ( قَالُوا رَبَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا وتَغْفِرْ لَنَا ), وذلك دليل على الخطاب. (37)* * *قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القراءة في ذلك، القراءة على وجه الخبر بالياء في (يَرْحَمْنَا)، وبالرفع في قوله: (رَبُّنَا), لأنه لم يتقدم ذلك ما يوجب أن يكون موجَّهًا إلى الخطاب.* * *والقراءة التي حكيت على ما ذكرنا من قراءتها: ( قَالُوا رَبَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا)، (38) لا نعرف صحتها من الوجه الذي يجب التسليم إليه.* * *ومعنى قوله: (لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا)، : لئن لم يتعطف علينا ربنا بالتوبة برحمته, ويتغمد بها ذنوبنا, لنكونن من الهالكين الذين حبطت أعمالهم. (39)* * *------------------------الهوامش:(35) (1) في المطبوعة : (( ومضارع لعجزه )) ، والصواب من المخطوطة .(36) (2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 393 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 228 ، والذي قاله أبو جعفر تفصيل جيد ، وبيان عن أصل الحرف ، قلما تصيبه في كتب اللغة .(37) (3) في المطبوعة والمخطوطة : (( قالوا لئن ترحمنا ربنا وتغفر لنا )) كسياق الآية في مصحفنا ، وهذا لا دليل فيه على الخطاب . ولكن ما أثبته هو الذي فيه الدليل على الخطاب ، لتقديم قوله : (( ربنا )) ، وهي قراءة أبي بن كعب ، وهي كذلك في مصحف عبد الله بن مسعود ، كما ذكر الفراء في معاني القرآن 1 : 393 . فقوله : (( واعتل قارئو ذلك كذلك بأنه في إحدى القراءتين )) ، أرجح أنه يعني إحدى قراءتي عبد الله بن مسعود ، وأيضاً ، فإن الآية ستأتى بعد أسطر على الصواب في المخطوطة ، ولكن يغيرها ناشر المطبوعة ، كما في التعليق التالي .(38) (1) في المطبوعة : (( قالوا لئن ترحمنا ربنا )) ، بتأخير (( ربنا )) ، والصواب تقديمها كما في المخطوطة . وهو تصرف سيئ من الناشر . انظر التعليق لسالف .(39) (2) انظر تفسير (( الرحمة )) و (( المغفرة )) و(( الخسران )) فيما سلف ( رحم ) ( غفر ) ( خسر ) .
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ
Et lorsque Moïse retourna à son peuple, fâché, attristé, il dit: «Vous avez très mal agi pendant mon absence! Avez-vous voulu hâter le commandement de votre Seigneur?» Il jeta les tablettes et prit la tête de son frère, en la tirant à lui: «O fils de ma mère, dit (Aaron), le peuple m'a traité en faible, et peu s'en est fallu qu'ils ne me tuent. Ne fais donc pas que les ennemis se réjouissent à mes dépens, et ne m'assigne pas la compagnie des gens injustes»
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما رجع موسى إلى قومه من بني إسرائيل, رجع غضبان أسفًا, لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومه, وأن السامري قد أضلّهم, فكان رجوعه غضبان أسفًا لذلك.* * *و " الأسف " شدة الغضب، والتغيظ به على من أغضبه، كما:-15124- حدثني عمران بن بكار الكلاعي قال، حدثنا عبد السلام بن محمد الحضرمي قال، حدثني شريح بن يزيد قال، سمعت نصر بن علقمة يقول: قال أبو الدرداء: قول الله: " غضبان أسفًا "، قال: " الأسف "، منـزلة وراء الغضب، أشدُّ من ذلك, وتفسير ذلك في كتاب الله: ذهب إلى قومه غضبان, وذهب أسفًا. (1)* * *وقال آخرون في ذلك ما:-15125- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أسفًا "، قال: حزينًا.15126- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه , عن ابن عباس: " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا "، يقول: " أسفًا "، " حزينًا "، وقال في " الزخرف ": فَلَمَّا آسَفُونَا [سورة الزخرف: 55]، يقول: أغضبونا= و " الأسف "، على وجهين: الغضب، والحزن.15127- حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا سليمان بن سليمان قال، حدثنا مالك بن دينار قال، سمعت الحسن يقول في قوله: " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا "، قال: غضبان حزينًا.* * *وقوله: " قال بئسما خلفتموني من بعدي"، يقول: بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم وأوليتموني فيمن خلفت ورائي من قومي فيكم، وديني الذي أمركم به ربكم. يقال منه: " خلفه بخير "، و " خلفه بشر "، إذا أولاه في أهله أو قومه ومن كان منه بسبيل من بعد شخوصه عنهم، خيرًا أو شرًّا. (2)* * *وقوله: " أعجلتم أمر ربكم "، يقول: أسبقتم أمر ربكم في نفوسكم, وذهبتم عنه؟* * *يقال منه: " عجل فلان هذا الأمر "، إذا سبقه = و " عجل فلانٌ فلانًا "، إذا سبقه = " ولا تَعْجَلْني يا فلان "، لا تذهب عني وتدعني= و " أعجلته ": استحثثته.* * *القول في تأويل قوله : وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وألقى موسى الألواح.* * *ثم اختلف أهل العلم في سبب إلقائه إياها.فقال بعضهم: ألقاها غضبًا على قومه الذين عبدوا العجل.* ذكر من قال ذلك:15128- حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد, عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه, وألقى الألواح من الغضب.15129- وحدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا ابن عيينة قال، قال أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما رجع موسى إلى قومه, وكان قريبًا منهم, سمع أصواتهم، فقال: إني لأسمع أصواتَ قومٍ لاهين: فلما عاينهم وقد عكفوا على العجل، ألقى الألواح فكسرها, وأخذ برأس أخيه يجره إليه.15130- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أخذ موسى الألواح، ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا, فقال: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ، إلى قوله: فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [سورة طه: 86-87]، فألقى موسى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه= قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [سورة طه: 94].15131- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: لما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل, ألقى الألواح من يده, ثم أخذ برأس أخيه ولحيته، ويقول: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [سورة طه: 92، 93].* * *وقال آخرون: إنما ألقى موسى الألواح لفضائل أصابها فيها لغير قومه, فاشتدّ ذلك عليه.* ذكر من قال ذلك:15132- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة , قوله: أَخَذَ الأَلْوَاحَ ، قال: رب، إني أجد في الألواح أمةً خيرَ أمة أخرجت للناس, يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون= أي آخرون في الخلق= السابقون في دخول الجنة، (3) رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها,= وكان من قبلهم يقرأون كتابهم نظرًا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا، ولم يعرفوه. قال قتادة: وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا من الأمم = قال: ربِّ اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر, ويقاتلون فضول الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب, فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ثم يؤجرون عليها= وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه, بعث الله عليها نارًا فأكلتها, وإن ردَّت عليه تركت تأكلها الطير والسباع. قال: وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم= قال: رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة, فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة, رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها, فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة, فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفَّعون والمشفوع لهم, فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد! قال: فأعطي نبي الله موسى عليه السلام ثنتين لم يعطهما نبيٌّ، قال الله: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ، [سورة الأعراف: 144 ]. قال: فرضي نبي الله. ثم أعطي الثانية: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [سورة الأعراف: 159]، قال: فرضي نبي الله صلى الله عليه وسلم كل الرضى.15133- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: لما أخذ موسى الألواح قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم خير الأمم, يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة, فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد, ثم ذكر نحو حديث بشر بن معاذ= إلا أنه قال في حديثه: فألقى موسى عليه السلام الألواح، وقال: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليهما.* * *قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك، أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجل، لأن الله جل ثناؤه بذلك أخبر في كتابه فقال: " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ".* * *وذكر أن الله لما كتب لموسى عليه السلام في الألواح التوراة, (4) أدناه منه حتى سمع صريف القلم.* ذكر من قال ذلك:15134- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن السدي, عن أبي عمارة, عن علي عليه السلام قال: كتب الله الألواح لموسى عليه السلام، (5) وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح.15135- .... قال حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير قال: أدناه حتى سمع صريف الأقلام. (6)* * *وقيل: إن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى موسى الألواح تكسرت, فرفع منها ستة أسباعها, وكان فيما رفع " تفصيل كل شيء "، الذي قال الله: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وبقي الهدى والرحمة في السبع الباقي، وهو الذي قال الله: أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ، [سورة الأعراف: 154].* * *وكانت التوراة فيما ذكر سبعين وَقْر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة، كما:-15136- حدثني المثنى قال، حدثنا محمد بن خالد المكفوف قال، حدثنا عبد الرحمن, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس قال: أنـزلت التوراة وهي سبعون وَقْر بعير, يقرأ منها الجزء في سنة, لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى بن عمران, وعيسى, وعزير, ويوشع بن نون، صلوات الله عليهم.* * *واختلفوا في " الألواح ".فقال بعضهم: كانت من زُمرد أخضر.* * *وقال بعضهم: كانت من ياقوت.* * *وقال بعضهم: كانت من بَرَد.* * ** ذكر الرواية بما ذكرنا من ذلك.15137- حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقي قال، حدثنا حجاج بن محمد, عن ابن جريج قال، أخبرني يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: ألقى موسى الألواح فتكسرت, فرفعت إلا سدسها= قال ابن جريج: وأخبرني أن الألواح من زبرجد وزمرد من الجنة.15138- وحدثني موسى بن سهل الرملي، وعلي بن داود، وعبد الله بن أحمد بن شبويه، وأحمد بن الحسن الترمذي قالوا، أخبرنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: كانت ألواح موسى عليه السلام من بَرَد. (7)15139- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن أبي الجنيد, عن جعفر بن أبي المغيرة قال: سألت سعيد بن جبير عن الألواح، من أي شيء كانت؟ قال: كانت من ياقوتة، كتابة الذهب، كتبها الرحمن بيده, فسمع أهل السموات صريف القلم وهو يكتبها.15140- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا عبد الرحمن, عن محمد بن أبي الوضاح, عن خصيف, عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال: كانت الألواح زمردًا, فلما ألقى موسى الألواح بقي الهدى والرحمة, وذهب التفصيل.15141- قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الأشجعي, عن محمد بن مسلم , عن خصيف, عن مجاهد قال: كانت الألواح من زمرد أخضر.* * *وزعم بعضهم: أن الألواح كانت لوحين. فإن كان الذي قال كما قال, فإنه قيل: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ ، وهما لوحان, كما قيل: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [سورة النساء: 11]، وهما أخوان. (8)* * *أما قوله: " وأخذ برأس أخيه يجره إليه "، فإن ذلك من فعل نبي الله صلى الله عليه وسلم كان، لموجدته على أخيه هارون في تركه أتباعه، وإقامته مع بني إسرائيل في الموضع الذي تركهم فيه, كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل موسى عليه السلام له: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ؟ [سورة طه: 92، 93]، حين أخبره هارون بعذره فقبل عذره, وذلك قيله لموسى: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ، [سورة طه: 94]، وقال: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء "، الآية:* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: " يا ابن أم ".فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض أهل البصرة: ( يَا ابْنَ أُمَّ ) بفتح " الميم " من " الأم ".* * *وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ( يَا ابْنَ أُمِّ) بكسر " الميم " من الأم.* * *واختلف أهل العربية في فتح ذلك وكسره, مع إجماع جميعهم على أنهما لغتان مستعملتان في العرب.فقال بعض نحويي البصرة: قيل ذلك بالفتح، على أنهما اسمان جعلا اسمًا واحدًا, كما قيل: " يا ابن عمَّ", وقال: هذا شاذ لا يقاس عليه.وقال: من قرأ ذلك: " يا ابن أمِّ", فهو على لغة الذين يقولون: " هذا غلامِ قد جاء؟", جعله اسمًا واحدًا آخره مكسور, مثل قوله: " خازِ باز ". (9)* * *وقال بعض نحويي الكوفة: قيل: " يا ابن أمَّ" و " يا ابن عمَّ", فنصب كما ينصب المعرب في بعض الحالات, فيقال: " يا حسرتا ", " يا ويلتا ". قال: فكأنهم قالوا: " يا أماه "، و " يا عماه "، ولم يقولوا ذلك في " أخ ", ولو قيل ذلك لكان صوابًا. قال: والذين خفضوا ذلك، فإنه كثر في كلامهم حتى حذفوا الياء. قال: ولا تكاد العرب تحذف " الياء " إلا من الاسم المنادَى يضيفه المنادِي إلى نفسه, إلا قولهم: " يا ابن أمِّ" و " يا ابن عمِّ"، وذلك أنهما يكثر استعمالهما في كلامهم, فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا " الياء " فقالوا: " يا ابن أبي" و " يا ابن أختي، وأخي"، و " يا ابن خالتي", و " يا ابن خالي". (10)* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إذا فتحت " الميم " من " ابن أم ", فمرادٌ به الندبة: يا ابن أماه, وكذلك من " ابن عم ". فإذا كسرت فمرادٌ به الإضافة, ثم حذفت " الياء " التي هي كناية اسم المخبر عن نفسه. وكأن بعض من أنكر تشبيه كسر ذلك إذا كسر ككسر الزاي من " خاز باز "، (11) لأن " خاز باز " لا يعرف الثاني إلا بالأول، ولا الأول إلا بالثاني, فصار كالأصوات.وحكي عن يونس الجرمي تأنيث " أم " وتأنيث " عم ", (12) وقال: لا يجعل اسمًا واحدًا إلا مع " ابن " المذكر. قالوا: وأما اللغة الجيدة والقياسُ الصحيح، فلغة من قال: " يا ابن أمي" بإثبات " الياء ", كما قال أبو زبيد:يَـا ابْـنَ أُمِّـي, وَيَـا شُـقَيِّقَ نَفْسِـيأَنْــتَ خَــلَّفْتَني لِدَهْــرٍ شَــدِيدِ (13)وكما قال الآخر: (14)يَـا ابْـنَ أُمِّـي! وَلَـوْ شَـهِدْتُكَ إِذْ تَدْعُــو تَمِيمًـا وَأَنْـتَ غَـيْرُ مُجَـابِ (15)وإنما أثبت هؤلاء الياء في " الأم "، لأنها غير مناداة, وإنما المنادى هو " الابن " دونها. وإنما تسقط العرب " الياء " من المنادى إذا أضافته إلى نفسها, لا إذا أضافته إلى غير نفسها, كما قد بينا. (16)* * *وقيل: إن هارون إنما قال لموسى عليه السلام: " يا ابن أم ", ولم يقل: " يا ابن أبي" , وهما لأب واحد وأم واحدة, استعطافا له على نفسه برحم الأم. (17)* * *وقوله: " إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني"، يعني بالقوم، الذين عكفوا على عبادة العجل وقالوا: " هذا إلهنا وإله موسى ", وخالفوا هارون. وكان استضعافهم إياه: تركهم طاعته واتباع أمره= (18) = " وكادوا يقتلونني"، يقول: قاربوا ولم يفعلوا. (19)* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: " فلا تشمت ".فقرأ قرأة الأمصار ذلك: ( فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ )، بضم " التاء " من " تشمت " وكسر " الميم " منها, من قولهم: " أشمت فلان فلانًا بفلان ", إذا سره فيه بما يكرهه المشمت به.* * *وروي عن مجاهد أنه قرأ ذلك: ( فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ ).15142- حدثني بذلك عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال حميد بن قيس: قرأ مجاهد: ( فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعَدَاءُ ).15143- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن حميد قال: قرأ مجاهد: ( فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعَدَاءُ ).15144- حدثت عن يحيى بن زياد الفراء قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن رجل, عن مجاهد، أنه قال: (لا تُشْمِتْ). (20)* * *وقال الفراء: قال الكسائي: ما أدرى, فلعلهم أرادوا: فلا تشمت بي الأعداءُ، فإن تكن صحيحة فلها نظائر. العرب تقول: " فَرِغت وفَرَغت ", فمن قال: " فَرغت "، قال: " أنا أفرُغ ", ومن قال: " فرِغت "، قال: " أنا أفرَغُ", وكذلك: " ركِنت " " وركَنت "، و " شمِلهم أمرٌ" (21) " وشمَلهم ", (22) في كثير من الكلام. قال: " والأعداء " رفع، لأن الفعل لهم، لمن قال: " تشمَت " أو " تشمِت ". (23)* * *قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة إلا بها، قراءةُ من قرأ: (فَلا تُشْمِتْ): بضم " التاء " الأولى، وكسر " الميم " من: " أشمتُّ به عدوه أشمته به ", ونصبِ " الأعداء "، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليها، وشذوذ ما خالفها من القراءة, وكفى بذلك شاهدا على ما خالفها. هذا مع إنكار معرفة عامة أهل العلم بكلام العرب: " شمت فلان فلانًا بفلان ", و " شمت فلان بفلان يشمِت به ", وإنما المعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوِّه: " شمِت به " بكسر " الميم ": " يشمَت به "، بفتحها في الاستقبال.* * *وأما قوله: " ولا تجعلني مع القوم الظالمين "، فإنه قولُ هارون لأخيه موسى. يقول: لا تجعلني في موجدتك عليَّ وعقوبتك لي ولم أخالف أمرك، محلَّ من عصاك فخالف أمرك، وعبد العجل بعدك، فظلم نفسه، وعبد غيرَ من له العبادة, ولم أشايعهم على شيء من ذلك، كما:-15145- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ولا تجعلني مع القوم الظالمين "،) قال: أصحاب العجل.15146- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، بمثله.-------------------الهوامش :(1) الأثر : 15124 - (( عبد السلام بن محمد الحضرمى )) ، يعرف ب (( سليم )) ، مترجم في التهذيب ، وقال: (( وقد ذكره البخاري فلم يذكر فيه جرحاً )) ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 48 ، وذكره ابن حبان في الثقات . و (( شريح بن يزيد الحضرمى )) ، (( أبو حيوة )) ، لم يذكر فيه البخاري جرحاً ، ووثقه ابن حبان . ممترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/231 .و (( نصر بن علقمة الحضرمى )) ، (( أبو علقمة )) ، وثقه دحيم وابن حبان ، ولم يذكر فيه البخاري جرحاً . مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/102 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 469 ، وروايته عن أبي الدرداء مرسلة .(2) (1) انظر تفسير(( خلف )) فيما سلف ص : 88 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(3) (1) في المطبوعة : (( الآخرون السابقون = أي : آخرون في الخلق ، سابقون في دخول الجنة )) ، وأثبت ما في المخطوطة .(4) (1) في المطبوعة : (( وذلك أن الله لما كتب )) ، والصواب في المخطوطة .(5) (2) في المطبوعة : (( لما كتب الله الألواح )) ، والصواب حذف (( لما )) كما في المخطوطة .(6) (1) الأثر : 15135 - وضعت النقط في هذا الخبر ، للدلالة على أن هذا الإسناد ملحق بالإسناد السالف ، وصدره هكذا : (( حدثني الحارث قال ، حثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل .... )) .(7) (1) الأثر 15138 - انظر الأثر رقم 914 ، والتعليق عليه .(8) (2) انظر ما قال في الجمع ، والمراد به اثنان فيما سلف 8 : 41 - 44 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 394 .(9) (1) (( الخازباز )) ، هو ضرب من الذبان ، و (( خاز )) و (( باز )) صوتان من صوت الذباب ، فجعلا واحداً ، وبنيا على الكسر ، لا يتغير في الرفع والنصب والجر .(10) (1) هذه كلها مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 394 .(11) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( من أنكر نسبته كسر ذلك ... )) ، وصواب قراءته ما أثبته (( تشبيه )) .(12) (3) (( يونس الجرمى )) ، هكذا جاء هنا أيضاً ، وانظر ما سلف 10 : 120 ، تعليق : 1 ، ثم 11 : 544 ، تعليق : 3 ، وما سيأتي ص : 138 .(13) (4) أمالي اليزيدي 9 ، جمهرة أشعار العرب : 139 واللسان ( شقق ) ، وشواهد العينى ( هامش خزانة الأدب ) : 4 : 222 ، وغيرها . من قصيدة مختارة ، يرثى ابن أخته اللجلاج ، ويقال : يرثى أخاه اللجلاج ، ويروى البيت: يَا ابْنَ خَنْسَاء ، شِقَّ نَفْسِيَ يَا لَجْلاجُ ، خَلَّيْتَنِى لِدَهْرٍ شَدِيدِ وأما هذه الرواية ، فهي رواية النحاة جميعًا في كتبهم في باب النداء. يقول فيها:كُـلَّ مَيْـتٍ قَـدِ اغْتَفَـرْتُ ، فــلا أُوجــع مِــنْ وَالِــدٍ وَلا مَوْلُــودِغَــيْرَ أَنَّ اللَّجْــلاجَ هَـدَّ جَنَـاحِييَــوْمَ فَارَقْتُــهُ بِــأَعْلَى الصَّعِيـدِفِــي ضَـرٍيحٍ عَلَيْـهِ عِـبْءٌ ثَقِيـلٌمِــنْ تُـــرَابٍ وجَــنْدَلٍ مَنْضُـودِعَــنْ يَمِيـنِ الطَّـرِيقِ عِنْـدَ صَــدٍحَـرَّ انَ يَدْعُـو بِـاللَّيْلِ غَـيْرَ مَعُـودِصَادِيًــا يَسْــتَغِيثُ غَــيْرَ مُغَـاثٍوَلَقَــدْ كَــانَ عُصْــرة المَنْجُـودِوقوله : (( شقيق )) تصغير (( شقيق )) ، وهو الأخ .(14) (1) هو غلفاء بن الحارث ، وهو معد يكرب بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندى ، وهو عم امرئ القيس بن حجر إمام الشعراء . وسمى (( غلفاء )) ، لأنه كان يغلف رأسه بالمسك . ويقال: هو أول من فعل ذلك .(15) (2) النقائض : 457 ، 1077 ، الوحشيات رقم : 213 ، الأغاني : 12 : 213 ، من قصيدة يرثي بها أخاه شرحبيل بن الحارث ، قتيل يوم الكلاب الول ( انظر خبر ذلك في النقائض ، والأغاني ) ، يقول قبله ، وهو أول الشعر :إِنَّ جَــنْبِي عَــنِ الفِـرَاشِ لَنَـابِيكَتَاجَــافِي الأسَــرِّ فَـوْقَ الظِّـرَابِمِــنْ حَـدِيثٍ نَمَـى إلَـيّ فَـلا تَـرْقَــأُ عَيْنِــي، وَلا أُسِــيغُ شَـرَابِيمُــرَّةٌ كَالذِّعَــافِ أكْتُمُهَــا النَّـاسَ، عَــلَى حَــرِّ مَلَّـةٍ كالشِّـهَابِمِــنْ شُــرْحَبِيلَ إِذْ تَعَــاوَرُه الأرْمَــاحُ فِــي حَـالِ لَـذَّةٍ وشَــبَابِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . .يَــا ابْــنَ أُمِّــي................لَــتَرَكْتُ الحُسَــامَ تَجْــرِي ظُبَـاهُمِـنْ دِمَــاءِ الأعْـدَاءِ يَـوْمَ الكُـلابِثُــمَّ طَـاعَنْتُ مِـنْ وَرَائِـكَ حَــتَّىتَبْلُــغَ الرُّحْــبَ، أو تُــبَزَّ ثيَـابيوقوله : (( الأسر )) ، هو البعير تخرج في كركرته قرحة لا يقدر معها أن يبرك إلا على مستو من الأرض . وفي (( الظراب )) : جمع (( ظرب )) ( بفتح ثم كسر ) ، وهو من الحجارة ما كان ناتئاً في جبل أو أرض خربة ، وكان طرفه الناتئ محدداً . و(( الملة)) ( بفتح الميم ) : الرماد الحار.(16) (1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 394 .(17) (1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 394 .(18) (2) انظر تفسير (( استضعف )) فيما سلف ص : 76 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(19) (3) انظر تفسير (( كاد )) فيما سلف 2 : 218 .(20) (1) الأثر : 15144 - رواه الفراء في معاني القرآن 1 : 394 ، وقال عند قوله : (( عن رجل )) : (( أظنه الأعرج )) ، يعني : (( حميد بن قيس المكى )) المذكور في الإسنادين السالفين .(21) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( ركبت وركبت )) ، والصواب في معاني القرآن للفراء .(22) (3) في معاني القرآن : (( وشملهم شر )) .(23) (4) معاني القرآن للفراء 1 : 394 .