Tafsir al-Tabari
Tabari
المائدة
Al-Ma'idah
120 versets
يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ
Par ceci (le Coran), Allah guide aux chemins du salut ceux qui cherchent Son agrément. Et Il les fait sortir des ténèbres à la lumière par Sa grâce. Et Il les guide vers un chemin droit
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِقال أبو جعفر: يعني عز ذكره: يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله= ويعني بقوله: " يهدي به الله "، يرشد به الله ويسدِّد به، (16) = و " الهاء " في قوله: " به " عائدة على " الكتاب "=" من اتبع رضوانه "، يقول: من اتبع رِضَى الله. (17)* * *واختلف في معنى " الرضى " من الله جل وعز.فقال بعضهم: الرضى منه بالشيء "، القبول له والمدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيمان، ومُزَكّ له، ومثنٍ على المؤمن بالإيمان، وواصفٌ الإيمانَ بأنه نور وهُدًى وفصْل. (18)* * *وقال آخرون: معنى " الرضى " من الله جل وعز، معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني: " الرضى " الذي هو خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قولٌ، وإنما يثنى ويمدح ما قد رُضِي. قالوا: فالرضا معنًى، و " الثناء " و " المدح " معنًى ليس به.* * *ويعني بقوله: " سُبُل السلام "، طرق السلام (19) = و " السلام "، هو الله عزَّ ذكره.11612 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " من اتبع رضوانه سبل السلام "، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِقال أبو جعفر: يقول عز ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب المبين، من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام وشرائع دينه=" ويخرجهم "، يقول: ويخرج من اتبع رضوانه= و " الهاء والميم " في: " ويخرجهم " إلى من ذُكر=" من الظلمات إلى النور "، يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه (20) =" بإذنه "، يعني: بإذن الله جل وعز. و " إذنه في هذا الموضع: تحبيبه إياه الإيمان برفع طابَع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبُل السّلام. (21)* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)قال أبو جعفر: يعني عز ذكره بقوله: " ويهديهم "، ويرشدهم ويسددهم (22) =" إلى صراط مستقيم "، يقول: إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه. (23)----------------------الهوامش :(16) انظر تفسير"يهدي" فيما سلف من فهارس اللغة.(17) انظر تفسير"الرضوان" فيما سلف 6: 262/9: 480.(18) في المطبوعة والمخطوطة: "وفضل" بالضاد المعجمة ، و"الفصل" هنا هو حق المعنى ، لأنه يفصل بين الحق والباطل.(19) انظر تفسير"سبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.(20) انظر تفسير"من الظلمات إلى النور" فيما سلف 5: 424-426.(21) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 8: 516 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(22) انظر تفسير"يهدي" في فهارس اللغة.(23) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 8: 529 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ
Certes sont mécréants ceux qui disent: «Allah, c'est le Messie, fils de Marie!» - Dis: «Qui donc détient quelque chose d'Allah (pour L'empêcher), s'Il voulait faire périr le Messie, fils de Marie, ainsi que sa mère et tous ceux qui sont sur la terre?... A Allah seul appartient la royauté des cieux et de la terre et de ce qui se trouve entre les deux». Il crée ce qu'Il veut. Et Allah est Omnipotent
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله عز ذكره : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَقال أبو جعفر: هذا ذمٌّ من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية، الذين ضلُّوا عن سبل السلام= واحتجاجٌ منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فِرْيتهم عليه بادّعائهم له ولدًا.يقول جل ثناؤه: أقسم، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم= و " كفرهم " في ذلك، تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادِّعائهم أن المسيح هو الله، فرية وكذبًا عليه. (24)* * *وقد بينا معنى: " المسيح " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (25) .* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًاقال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، للنصارى الذين افتروا عليّ، وضلُّوا عن سواء السبيل بقيلهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم: " من يملك من الله شيئًا "، يقول: من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا، فيردّه إذا قضاه.* * *= من قول القائل: " ملكت على فلان أمره "، إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرًا إلا به. (26)* * *وقوله: " إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا "، يقول: من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئًا، إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم، بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا. (27)* * *يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح كما تزعمون= أنّه هو الله، وليس كذلك= لقدر أن يردَّ أمرَ الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه. وقد أهلك أمَّه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذْ نـزل ذلك. ففي ذلك لكم معتَبرٌ إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم: في أن المسيح، بَشَر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردُّ له &; 10-148 &; أمر، بل هو الحيُّ الدائم القيُّوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت.* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُقال أبو جعفر: يعني تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما في السماوات والأرض وما بينهما (28) = يعني: وما بين السماء والأرض= يهلك من يشاء من ذلك ويبقي ما يشاء منه، ويوجد ما أراد ويعدم ما أحبّ، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع، يُنْفِذ فيهم حكمه، ويُمضي فيهم قضاءه= لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربُّه وإهلاكَ أمّه، لم يملك دفع ما أراد به ربُّه من ذلك.* * *يقول جل وعز: كيف يكون إلهًا يُعبد من كان عاجزًا عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادرٍ على صرف ما نـزل به من الهلاك؟ بل الإله المعبود، الذي له ملك كل شيء، وبيده تصريف كل من في السماءِ والأرض وما بينهما.* * *فقال جل ثناؤه: " وما بينهما "، وقد ذكر " السموات " بلفظ الجمع، ولم يقل: " وما بينهن "، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي:طَرَقَــا, فَتِلْـكَ هَمَـاهِمِي, أَقْرِيهِمَـاقُلُصًــا لَــوَاقِحَ كَالقِسِـيِّ وَحُـولا (29)فقال: " طرقا "، مخبًرا عن شيئين، ثم قال: " فتلك هَمَاهمي"، فرجع إلى معنى الكلام.* * *وقوله: " يخلق ما يشاء "، يقول جل ثناؤه: وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار. وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ. يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: الله المعبودُ، هو القادر على كل شيء، والمالك كلَّ شيء، الذي لا يعجزُه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدرُ على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا = لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضُرّ نـزل به من الله، ولا منْعِ أمّه من الهلاك. (30)* * *-----------------------الهوامش :(24) انظر تفسير"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة.(25) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف 9: 417 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(26) هذا بيان قلما تصيبه في كتب اللغة.(27) انظر تفسير"الإهلاك" فيما سلف 4: 239 ، 240/9: 430.(28) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 8: 48 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(29) من قصيدته في جمهرة أشعار العرب: 173 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 118 ، 160 ، يقول لابنته خليدة:لَمَّــا رَأَتْ أَرَقِــي وَطُـولَ تَلَـدُّدِيذَاتَ الْعِشَــاء وَلَيْــلَيِ الْمَوْصُــولاقَـالَتْ خُـلَيْدَةُ: مَـا عَـرَاكَ، وَلَمْ تَكُنْأَبَــدًا إِذَا عَــرَتِ الشُّـئُونُ سَـؤُولاأَخُــلَيْدَ، إِنَّ أَبَــاكِ ضَـافَ وِسَـادَهُهَمَّــان باتَـــا جَنْبَــةً وَدَخِــيلاطَرَقَــا، فَتِلْــكَ هَمَــا هِــي..... . . . . . . . . . . . . . . . . . . ."الهماهم": الهموم. و"قلص" جمع"قلوص": الفتية من الإبل."لواقح": حوامل ، جمع"لاقح". و"الحول" ، جمع"حائل" ، وهي الناقة التي لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات ، وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل. يقول: أجعل قرى هذه الهموم ، نوقًا هذه صفاتها ، كأنها قسى موترة من طول أسفارها ، فأضرب بها الفيافي.والشاهد الذي أراده الطبري أنه قال: "فتلك هماهمي" ، وقد ذكر قبل"همان" ، ثم عاد بعد يقول: "أقريهما" ، وقد قال: "فتلك هماهمي" جمعًا. وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 118 ، 160.(30) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ
Les Juifs et les Chrétiens ont dit: «Nous sommes les fils d'Allah et Ses préférés.» Dis: «Pourquoi donc vous châtie-t-Il pour vos péchés?» En fait, vous êtes des êtres humains d'entre ceux qu'Il a créés. Il pardonne à qui Il veut et Il châtie qui Il veut. Et à Allah seul appartient la royauté des cieux et de la terre et de ce qui se trouve entre les deux. Et c'est vers Lui que sera la destination finale
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْقال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول.* * *وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود.11613 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعمانُ بن أضَاء (1) وبحريّ بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تُخَوّفنا، &; 10-151 &; يا محمد!! نحن والله أبناء الله وأحبَّاؤه!! (2) = كقول النصارى، فأنـزل الله جل وعز فيهم: " وقالت اليهودُ والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "، إلى آخر الآية. (3)* * *وكان السدي يقول في ذلك بما:11614 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "، أما " أبناء الله "، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، (4) أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [سورة آل عمران: 24]. وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله. (5)* * *والعرب قد تخرج الخبرَ، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: " نحن الأجواد الكرام "، وإنما الجواد فيهم واحدٌ منهم، وغير المتكلِّم الفاعلُ ذلك، كما قال جرير:نَدَسْــنَا أَبَـا مَنْدُوسَـةَ القَيْـنَ بِالقَنَـاوَمَــارَ دَمٌ مِـنْ جَـارِ بَيْبَـةَ نَـاقعُ (6)&; 10-152 &; فقال: " نَدَسْنَا "، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك، على هذا الوجه إن شاء الله.* * *وقوله: " وأحباؤه "، وهو جمع " حبيب ".* * *يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل " لهؤلاء الكذبة المفترين على ربهم=" فلم يعذبكم " ربكم، يقول: فلأي شيء يعذبكم ربكم بذنوبكم، إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحبّاؤه، فإن الحبيب لا يعذِّب حبيبه، وأنتم مقرُّون أنه معذبكم؟ وذلك أن اليهود قالت: إن الله معذبنا أربعين يومًا عَدَد الأيام التي عبدنا فيها العجل، (7) ثم يخرجنا جميعًا منها، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتم، كما تقولون، أبناءُ الله وأحباؤه، فلم يعذبكم بذنوبكم؟ يعلمهم عز ذكره أنَّهم أهل فرية وكذب على الله جل وعز.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُقال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه=" بل أنتم بشر ممن خلق "، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، (8) إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها.* * *وقد بينا معنى " المغفرة "، في موضع غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (9) .* * *=" ويعذب من يشاء " يقول: ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رءوس الأشهاد فلا يسترها عليه.* * *وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى المتّكلين على منازل سَلَفهم الخيارِ عند الله، الذين فضلهم الله جل وعز بطاعتهم إياه، واجتباهم لمسارعتهم إلى رضاه، (10) واصطبارهم على ما نابهم فيه. (11) يقول لهم: لا تغتروا بمكان أولئك مني ومنازلهم عندي، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منّي بالطاعة لي، وإيثار رضاي على محابِّهم= (12) لا بالأماني، فجدُّوا في طاعتي، وانتهوا إلى أمري، وانـزجروا عما نهيتُهم عنه، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي= (13) لا لمن قرَّبتْ زُلْفَةُ آبائه مني، وهو لي عدوّ، ولأمري ونهيي مخالفٌ.* * *وكان السدي يقول في ذلك بما:-11615 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء "، يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)قال أبو جعفر يقول: لله تدبيرُ ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفُه، وبيده أمره، وله ملكه، (14) يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف أحبّ، (15) لا شريك له في شيء منه، ولا لأحدٍ معهُ فيه ملك. فاعلموا أيها القائلون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، أنه إن عذبكم بذنوبكم، لم يكن لكم منه مانع، ولا لكم عنه دافع، لأنه لا نسب بين أحد وبينه فيحابيه لسبب ذلك، ولا لأحد في شيء دونه ملك، فيحول بينه وبينه إن أراد تعذيبه بذنوبه، (16) وإليه مصير كل شيء ومرجعه. فاتَّقوا أيها المفترون، عقابَه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالأمانيّ وفضائل الآباء والأسلاف.-------------------------الهوامش :(1) في المطبوعة: "نعمان بن أحي ، ويحرى بن عمرو.." ، وفي المخطوطة: "عثمان بن أصار ويحوى بن عمرو..." ، وكلاهما خطأ ، وصوابه من سيرة ابن هشام.(2) في المخطوطة: "نحن أبناء الله وأحباءه ، بل أنتم بشر ممن خلق" ، وهو من عجلة الناسخ لا شك في ذلك.(3) الأثر: 11613- سيرة ابن هشام 2: 212 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11557.(4) في المخطوطة: "إلى بني إسرائيل إن ولدك من الولد فأدخلهم النار" ، وهو خلط بلا معنى ، صوابه ما في المطبوعة على الأرجح.(5) الأثر: 11614- لم يمض هذا الأثر في تفسير آية سورة البقرة: 80 (2: 274-278) ، ولا آية سورة آل عمران: 24 (6: 292 ، 293). وهذا أيضا من الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره.(6) ديوانه: 372 ، والنقائض: 693 ، واللسان (بيب) (مور) (ندس). و"ندس": طعن طعنًا خفيفًا. و"أبو مندوسة" ، هو مرة بن سفيان بن مجاشع ، جد الفرزذق. قتلته بنو يربوع -قوم جرير- في يوم الكلاب الأول. و"القين" لقب لرهط الفرزدق ، يهجون به. و"جاربيبة" ، هو الصمة بن الحارث الجشمي ، قتله ثعلبة بن حصبة ، وهو في جوار الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع ، من رهط الفرزدق. و"مار الدم على وجه الأرض": جرى وتحرك فجاء وذهب. و"دم ناقع" ، أي: طري لم ييبس.(7) انظر ما سلف 6: 292.(8) انظر تفسير"بشر" فيما سلف 6: 538.(9) انظر ما سلف 2: 109 ، 110 ، ثم سائر فهارس اللغة.(10) في المطبوعة: "واجتنابهم معصيته لمسارعتهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، وزاد"معصيته" لتستقيم له قراءته. و"الاجتباء": الاصطفاء والاختيار.(11) في المخطوطة: "إلى ما نابهم فيه" ، والجيد ما في المطبوعة.(12) يقول: "نالوا ما نالوا مني بالطاعة لي.. لا بالأماني". هكذا السياق.(13) يقول: "فإني أغفر ذنوب من أشاء.. لا لمن قربت زلفة آبائه مني" ، هكذا السياق.(14) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف قريبا ص: 148 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(15) في المطبوعة: "كيف أحبه" ، وأثبت الجيد من المخطوطة.(16) في المطبوعة: "بذنبه" ، وفي المخطوطة: "بدونه" ، ورجحت ما أثبت.
يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ
O gens du Livre! Notre Messager (Muhammad) est venu pour vous éclairer après une interruption des messagers afin que vous ne disiez pas: «Il ne nous est venu ni annonciateur ni avertisseur». Voilà, certes, que vous est venu un annonciateur et un avertisseur. Et Allah est Omnipotent
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أهل الكتاب "، اليهودَ الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نـزلت هذه الآية. وذلك أنهم= أو: بعضهم، فيما ذكر= لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وبما جاءهم به من عند الله، قالوا: ما بعثَ الله من نبيّ بعد موسى، ولا أنـزل بعد التوراة كتابًا!11616 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله! لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مَبعثه، وتصفونه لنا بصفته! فقال رافع بن حُرَيملة ووهب بن يهودا (17) ما قلنا هذا لكم، وما أنـزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده! (18) فأنـزل الله عز وجل في [ذلك من] قولهما (19) " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ والله على كل شيء قدير ". (20)* * *ويعني بقوله جل ثناؤه: " قد جاءكم رسولنا "، قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم رسولنا=" يبين لكم "، يقول: يعرفكم الحقَّ، ويوضح لكم أعلام الهدى، ويرشدكم إلى دين الله المرتضى، (21) كما:-11617 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل "، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بالفرقان الذي فرَق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به.* * *=" على فترة من الرسل "، يقول: على انقطاع من الرسل= و " الفترة " في هذا الموضع الانقطاع= يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى، على انقطاع من الرسل.* * *و " الفترة "" الفعلة " من قول القائل: " فتر هذا الأمر يفتُر فُتورًا "، وذلك إذا هدأ وسكن. وكذلك " الفترة " في هذا الموضع، معناها: السكون، يراد به سكون مجيء الرسل، وذلك انقطاعها.* * *ثم اختلف أهل التأويل في قدر مدة تلك الفترة، فاختلف في الرواية في ذلك عن قتادة. فروى معمر عنه ما:-11618 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " على فترة من الرسل " قال: كان بين عيسى ومحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خمسمائة وستون سنة.* * *وروى سعيد بن أبي عروبة عنه ما:-11619 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمّدٍ صلى الله عليهما، ذكر لنا أنها كانت ستمائة سنة، أو ما شاء من ذلك، والله أعلم. (22)11620 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه قوله: " قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل "، قال: كان بين عيسى ومحمد صلى لله عليهما خمسمائة سنة وأربعون سنة= قال معمر، قال قتادة: خمسمائة سنة وستون سنة.* * *وقال آخرون بما:-11621 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " على فترة من الرسل "، قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، أربعمائة سنة وبضعًا وثلاثين سنة.ويعني بقوله: " أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير " أن لا تقولوا، وكي لا تقولوا، كما قال جل ثناؤه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: 176]، بمعنى: أن لا تضلوا، وكي لا تضلوا.* * *فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل، كي لا تقولوا ما جاءَنا من بشير ولا نذير. يعلمهم عز ذكره أنه قد قطَع عذرهم برسوله صلى الله عليه وسلم، وأبلغ إليهم في الحجة. (23)ويعني بـ" البشير "، المبشر من أطاع الله وآمن به وبرسوله، وعمل بما آتاه من عند الله، بعظيم ثوابه في آخرته (24) = وبـ" النذير "، المنذر من عصاه وكذّب رسولَه صلى الله عليه وسلم وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه، بما لا قبل له به من أليم عقابه في معاده، وشديد عذابه في قِيامته.* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء اليهود الذين وصفنا صفتهم: قد أعذرنا إليكم، واحتججنا عليكم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إليكم، وأرسلناه إليكم ليبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا: " لم يأتنا من عندك رسولٌ يبيِّن لنا ما نحن عليه من الضلالة "، فقد جاءكم من عندي رسول يبشر من آمن بي وعمل بما أمرته وانتهى عما نهيته عنه، وينذر من عصاني وخالف أمري، وأنا القادر على كل شيء، أقدر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني، فاتقوا عقابي على معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولي، واطلبوا ثوابي على طاعتكم إياي وتصديقكم بشيري ونذيري، فإني أنا الذي لا يعجزه شيء أرادَه، ولا يفوته شيء طلبه. (25)-------------------الهوامش :(17) في المطبوعة: "رافع بن حرملة" ، وفي المخطوطة: "نافع بن حرملة" ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.(18) في المخطوطة: "ولا أرسل بشيرًا ونذيرًا" ، والصواب ما في المطبوعة كما في سيرة ابن هشام.(19) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام.(20) سيرة ابن هشام 2: 212 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11613.(21) انظر تفسير"التبيين" فيما سلف من فهارس اللغة ، مادة (بين).(22) كان في المطبوعة: "وما شاء الله" بالواو ، وفي المطبوعة والمخطوطة: "الله أعلم" بغير واو. والصواب ما أثبت.(23) انظر ما سلف 9: 445 ، 446.(24) وانظر تفسير"البشارة" فيما سلف 9: 318 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(25) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ
(Souvenez-vous) Lorsque Moïse dit à son peuple: «O, mon peuple! Rappelez-vous le bienfait d'Allah sur vous, lorsqu'Il a désigné parmi vous des prophètes. Et Il a fait de vous des rois. Et Il vous a donné ce qu'Il n'avait donné à nul autre aux mondes
Tafsir al-Tabari — Tabari
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْقال أبو جعفر: وهذا أيضا من الله تعريفٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قديمَ تمادي هؤلاء اليهود في الغيّ، وبعدِهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم، وبطء إنابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع أياديه وآلائه عليهم= مسلِّيًا بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عما يحلّ به من علاجهم، وينـزل به من مقاساتهم في ذات الله. يقول الله له صلى الله عليه وسلم: لا تأسَ على ما أصابك منهم، فإن الذهابَ عن الله، والبعد من الحق، وما فيه لهم الحظ في الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم= وتعزَّ بما لاقى منهم أخوك موسى صلى الله عليه وسلم= واذْكُر إذ قال موسى لهم: " يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم "، يقول: اذكروا أيادِي الله عندكم، وآلاءه قبلكم، (26) كما:-11622 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة: " اذكروا نعمة الله عليكم "، قال: أيادي الله عندكم وأيَّامه. (27)11623 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " اذكروا نعمة الله عليكم " يقول: عافية الله عز وجل.* * *قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما قلنا، لأن الله لم يخصص من النعم شيئًا، بل عمَّ ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت " العافية " أحد معاني" النعم ".القول في تأويل قوله جل ثناؤه : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًاقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنَّ موسى ذكَّر قومه من بني إسرائيل بأيَّام الله عندهم، وبآلائه قبلهم، مُحَرِّضهم بذلك على اتباع أمر الله في قتال الجبارين، (28) فقال لهم: اذكروا نعمة الله عليكم أنْ فضّلكم، بأن جعل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيه، ويخبرونكم بأنباء الغيب، (29) ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا. (30)=فقيل: إن الأنبياء الذين ذكَّرهم موسى أنهم جُعلوا فيهم: هم الذين اختارهم موسى إذ صار إلى الجبل، وهم السبعون الذين ذكرهم الله فقال: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا [سورة الأعراف: 155].* * *=" وجعلكم ملوكًا " سخر لكم من غيركم خدمًا يخدمونكم.* * *وقيل: إنما قال ذلك لهم موسى، لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحدٌ سواهم يخدُمه أحد من بني آدم.ذكر من قال ذلك:11624 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياءَ وجعلكم ملوكًا "، قال: كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدَم من بني آدم ومَلَكوا.* * *وقال آخرون: كل من ملك بيتًا وخادمًا وامرأةً، فهو " ملك "، كائنًا من كان من الناس.ذكر من قال ذلك:11625 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا أبو هانئ: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إنّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك. (31)11626 - حدثنا الزبير بن بكار قال، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: " وجعلكم ملوكًا " فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له بيتٌ وخادم فهو ملك. (32)11627 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: أنه تلا هذه الآية: " وجعلكم ملوكًا "، فقال: وهل المُلْك إلا مركبٌ وخادمٌ ودار؟فقال قائلو هذه المقالة: إنما قال لهم موسى ذلك، لأنهم كانوا يملكون الدّور والخدم، ولهم نساءٌ وأزواج.ذكر من قال ذلك:11628 - حدثنا سفيان بن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور= قال: أراه عن الحكم=: " وجعلكم ملوكًا "، قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان للرجل منهم بيتٌ وامرأة وخادم، عُدَّ ملكًا.11629 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان= عن منصور، عن الحكم: " وجعلكم ملوكًا " قال: الدار والمرأة، والخادم= قال سفيان: أو اثنتين من الثلاثة. (33)11630 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: البيت والخادم.11631 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: الزوجة والخادم والبيت.11632 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وجعلكم ملوكًا " قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.11633 - حدثنا المثنى قال، حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قول الله: " وجعلكم ملوكًا " قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمَّى مَلِكًا. (34)11634 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: مُلْكُهم الخدم= قال قتادة: كانوا أوَّل من مَلك الخدم.11635 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد: " وجعلكم ملوكًا " قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.* * *وقال آخرون: إنما عنى بقوله: " وجعلكم ملوكًا " أنهم يملكون أنفُسَهم وأهلِيهم وأموالهم.ذكر من قال ذلك:11636 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وجعلكم ملوكًا " يملك الرجل منكم نفسَه وأهلَه ومالَه.القول في تأويل قوله عز ذكره : وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)قال أبو جعفر: اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب.فقال بعضهم: عني به أمة محمد صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:11637 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، قالا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.* * *وقال آخرون: عُنِي به قوم موسى صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:11638 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، هم قوم موسى.11639 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، قال: هم بين ظهرانيه يومئذٍ. (35)* * *ثم اختلفوا في الذي آتاهمُ الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين.فقال بعضهم: هو المنّ والسلوى والحجر والغمام. (36)ذكر من قال ذلك:11640 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " قال: المنّ والسلوى والحجر والغمام.11641 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، يعني: أهل ذلك الزمان، المنَّ والسلوى والحجر والغمام.* * *وقال آخرون: هو الدَّار والخادِم والزوجة.ذكر من قال ذلك:11642 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بشر بن السري، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة. (37)11643 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، المنّ والسلوى والحجر والغمام.* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، في سياق قوله: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، ومعطوفٌ عليه. (38)ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " مصروف عن خطاب الذين ابتدئَ بخطابهم في أوّل الآية. فإذ كان ذلك كذلك، فأنْ يكون خطابًا لهم، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم.فإن ظن ظان أن قوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، لا يجوز أن يكون لهم خطابًا، (39) إذ كانت أمة محمَّد قد أوتيت من كرامة الله جلّ وعزّ بنبيِّها عليه السلام محمّدٍ، ما لم يُؤتَ أحدٌ غيرهم، (40) =وهم من العالمين= (41) فقد ظنَّ غير الصواب. وذلك أن قَوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه، لا عالمي كل زمان. ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نِعَم الله وكرامته، ما أوتي قومُه صلى الله عليه وسلم، أحد من العالمين. (42) فخرج الكلام منه صلى الله عليه على ذلك، لا على جميع [عالم] كلِّ زمان. (43)----------------------الهوامش :(26) انظر تفسير"النعمة" فيما سلف من فهارس اللغة.(27) الأثر: 11622-"عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة الأسدي الحميدي". روى عن ابن عيينة ، والشافعي وهذه الطبقة. روى عن البخاري. ومضى برقم: 9914.(28) في المطبوعة: "فحرضهم بذلك" ، وأثبت ما في المخطوطة.(29) في المطبوعة: "ويخبرونكم بآياته الغيب" ، وهو كلام فارغ من المعنى ، وفي المخطوطة هكذا"بآياتنا الغيب" ، وصواب قراءتها ما أثبت.(30) انظر تفسير"نبي" فيما سلف 2: 140-142/6: 380 ، وغيرها في فهارس اللغة.(31) الأثر: 11625-"أبو هانئ" ، هو: "حميد بن هانئ الخولاني المصري" من ثقات التابعين ، مضى: 6039 ، 6657.و"أبو عبد الرحمن الحبلي" ، هو: "عبد الله بن يزيد المعافري" ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 6657 ، 9483.وهذا حديث صحيح ، رواه مسلم في صحيحه 18: 109 ، 110 ، من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح ، عن ابن وهب ، بإسناده ، مطولا.وقصر السيوطي في الدر المنثور 1: 270 فقال"أخرجه سعيد بن منصور" ، واقتصر عليه.(32) الأثر: 11626-"الزبير بن بكار" شيخ الطبري ، مضى برقم: 7855."وأنس بن عياض بن ضمرة" ، ثقة. مضى برقم: 7 ، 1679.والحديث خرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 270 ، ولم ينسبه لابن جرير ، ونسبه للزبير بن بكار في الموفقيات ، ولأبي داود في مراسيله. وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 112 ، 113 ، وقال: "وهذا مرسل غريب".(33) في المطبوعة: "واثنتين" بالواو ، والصواب من المخطوطة.(34) الأثر: 11633-"علي بن محمد بن إسحق الطنافسي" ، روى عن أبي معاوية الضرير. ثقة صدوق. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/202. وكان في المخطوطة"الطيالسي" ، وهو خطأ من الناسخ.و"أبو معاوية" الضرير ، هو: "محمد بن خازم التميمي". ثقة كثير الحديث ، كان يدلس. مضى برقم: 2783.و"حجاج بن تميم الجزري". روى عن ميمون بن مهران ، وروى عنه أبو معاوية الضرير. قال النسائي: "ليس بثقة" ، وقال الأزدي: "ضعيف". وقال العقيلي: "روى عن ميمون بن مهران أحاديث لا يتابع عليها". وقال ابن حبان في الثقات: "روى عن ميمون بن مهران. روى عنه أبو معاوية الضرير". مترجم في التهذيب. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "حجاج بن نعيم" ، وهو خطأ محض كما ترى.(35) الأثر 11639- هذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2: 311 ، 312 ، من طريق مصعب بن المقدام ، عن سفيان بن سعيد ، عن الأعمش ، مطولا. ونصه: "الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ". وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.والذي في نص الطبري"هم بين ظهرانيه يومئذ" ، الضمير بالإفراد ، كأنه يعني"العالم" الذي هم بين ظهرانيه يومئذ.والخبر خرجه السيوطه في الدر المنثور 1: 269 ، وزاد نسبته للفريابي ، وابن المنذر ، والبيهقي في شعب الإيمان.(36) "الحجر" ، يعني الحجر الذي ضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا. وانظر ما سلف 2: 119-122.(37) الأثر: 11642-"بشر بن السري البصري" ، أبو عمرو الأفوه ، ثقة كثير الحديث. روى له الجماعة ، وهو من شيوخ أحمد. مترجم في التهذيب.و"طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي" ، روى عن عطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن جبير وغيرهما. ضعيف جدًا ، قال أحمد: "لا شيء ، متروك الحديث". وقال ابن عدي: "روى عنه قوم ثقات ، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه". وقال ابن حبان: "لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه ، إلا على جهة التعجب". مترجم في التهذيب.(38) لم يفهم ناشر المطبوعة عربية أبي جعفر ، فجعل الكلام هكذا: "وآتاكم ما لم يوت أحدا من العالمين ، خطاب لبني إسرائيل حيث جاء في سياق قوله: اذكروا نعمة الله عليكم = ومعطوفًا عليه" ، فغير وزاد وأساء وخان الأمانة!!(39) في المطبوعة: "لا يجوز أن تكون خطابًا لبني إسرائيل" بزيادة"لبني إسرائيل" ، وفي المخطوطة: "أن تكون له خطابا" ، وصواب قراءتها ما أثبت.(40) في المطبوعة والمخطوطة: "من كرامة الله نبيها عليه السلام محمدًا ما لم يؤت أحدًا غيرهم" ، فأثبت زيادة المخطوطة ، وجعلت"نبيها""بنبيها" ، بزيادة الباء في أوله ، وجعلت"أحدًا""أحد" ، وذلك الصواب المحض.(41) السياق: "فإن ظن ظان.. فقد ظن غير الصواب".(42) السياق: "ولم يكن أوتي في ذلك الزمان.. أحد من العالمين".(43) انظر تفسير"العالمين" فيما سلف 1: 143-146/2: 23-26/5: 375/6: 393.