Tafsirs/Tafsir al-Tabari/Al-Baqarah
Arabe

Tafsir al-Tabari

Tabari

البقرة

Al-Baqarah

286 versets

Versets 251255 sur 286Page 51 / 58
251S02V251

فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ

Ils les mirent en déroute, par la grâce d'Allah. Et David tua Goliath; et Allah lui donna la royauté et la sagesse, et lui enseigna ce qu'Il voulut. Et si Allah ne neutralisait pas une partie des hommes par une autre, la terre serait certainement corrompue. Mais Allah est Détenteur de la Faveur pour les mondes

Tafsir al-TabariTabari

فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوتالقول في تأويل قوله تعالى : { فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت } يعني تعالى ذكره بقوله : فهزم طالوت وجنوده أصحاب جالوت , وقتل داود جالوت . وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر منه عليه . وذلك أن معنى الكلام : ولما برزوا لجالوت وجنوده , قالوا : ربنا أفرغ علينا صبرا , وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ! فاستجاب لهم ربهم , فأفرغ عليهم صبره , وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين , فهزموهم بإذن الله . ولكنه ترك ذكر ذلك اكتفاء بدلالة قوله : { فهزموهم بإذن الله } على أن الله قد أجاب دعاءهم الذي دعوه به . ومعنى قوله : { فهزموهم بإذن الله } قتلوهم بقضاء الله وقدره , يقال منه : هزم القوم الجيش هزيمة وهزيمي . { وقتل داود جالوت } وداود هذا هو داود بن إيشا نبي الله صلى الله عليه وسلم . وكان سبب قتله إياه كما : 4477 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا بكار بن عبد الله , قال : سمعت وهب بن منبه يحدث , قال : لما خرج , أو قال : لما برز طالوت لجالوت , قال جالوت : أبرزوا لي من يقاتلني , فإن قتلني , فلكم ملكي , وإن قتلته فلي ملككم ! فأتي بداود إلى طالوت , فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله . فألبسه طالوت سلاحا , فكره داود أن يقاتله , وقال : إن الله لم ينصرني عليه لم يغن السلاح . فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار , ثم برز له , قال له جالوت : أنت تقاتلني ؟ قال داود : نعم . قال : ويلك أما تخرج إلي إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة ؟ لأبددن لحمك , ولأطعمنه اليوم الطير والسباع ! فقال له داود : بل أنت عدو الله شر من الكلب . فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع , فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه , فصرع جالوت , وانهزم من معه , واحتز داود رأسه . فلما رجعوا إلى طالوت ادعى الناس قتل جالوت , فمنهم من يأتي بالسيف وبالشيء من سلاحه أو جسده , وخبأ داود رأسه , فقال طالوت : من جاء برأسه فهو الذي قتله . فجاء به داود . ثم قال لطالوت : أعطني ما وعدتني ! فندم طالوت على ما كان شرط له , وقال : إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق , وأنت رجل جريء شجاع , فاحتمل صداقها ثلثمائة غلفة من أعدائنا ! وكان يرجو بذلك أن يقتل داود . فغزا داود وأسر منهم ثلثمائة , وقطع غلفهم وجاء بها , فلم يجد طالوت بدا من أن يزوجه . ثم أدركته الندامة , فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل , فنهض إليه طالوت فحاصره . فلما كان ذات ليلة سلط النوم على طالوت وحرسه , فهبط إليهم داود , فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب منه ويتوضأ , وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه , ثم رجع داود إلى مكانه , فناده أن حرسك , فإني لو شئت أقتلك البارحة فعلت , فإنه هذا إبريقك وشيء من شعر لحيتك وهدب ثيابك , وبعث إليه . فعلم طالوت أنه لو شاء قتله , فعطفه ذلك عليه فأمنه , وعاهده بالله لا يرى منه بأسا . ثم انصرف . ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدس لقتله , وكان طالوت لا يقاتل عدوا إلا هزم , حتى مات . قال بكار : وسئل وهب وأنا أسمع : أنبيا كان طالوت يوحى إليه ؟ فقال : لم يأته وحي , ولكن كان معه نبي يقال له أشمويل , يوحى إليه , وهو الذي ملك طالوت . 4478 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : كان داود النبي وإخوة له أربعة , معهم أبوهم شيخ كبير , فتخلف أبوهم وتخلف معه داود من بين إخوته في غنم أبيه يرعاها له , وكان من أصغرهم وخرج إخوته الأربعة مع طالوت , فدعاه أبوه وقد تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض . قال ابن إسحاق : وكان داود فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه رجلا قصيرا أزرق قليل شعر الرأس , وكان طاهر القلب نقيه , فقال له أبوه : يا بني إنا قد صنعنا لإخوتك زادا يتقوون به على عدوهم , فاخرج به إليهم , فإذا دفعته إليهم فأقبل إلي سريعا ! فقال : أفعل . فخرج وأخذ معه ما حمل لإخوته , ومعه مخلاته التي يحمل فيها الحجارة ومقلاعه الذي كان يرمي به عن غنمه . حتى إذا فصل من عند أبيه , فمر بحجر , فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت , فإني حجر يعقوب ! فأخذه فجعله في مخلاته , ومشى . فبينا هو يمشي إذ مر بحجر آخر , فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت , فإني حجر إسحاق ! فأخذه فجعله في مخلاته , ثم مضى . فبينا هو يمشي إذ مر بحجر , فقال : يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت , فإني حجر إبراهيم ! فأخذه فجعله في مخلاته . ثم مضى بما معه حتى انتهى إلى القوم , فأعطى إخوته ما بعث إليهم معه . وسمع في العسكر خوض الناس بذكر جالوت , وعظم شأنه فيهم , وبهيبة الناس إياه , ومما يعظمون من أمره , فقال لهم : والله إنكم لتعظمون من أمر هذا العدو شيئا ما أدري ما هو , والله إني لو أراه لقتلته , فأدخلوني على الملك ! فأدخل على الملك طالوت , فقال : أيها الملك إني أراكم تعظمون شأن هذا العدو , والله إني لو أراه لقتلته ! فقال : يا بني ما عندك من القوة على ذلك ؟ وما جربت من نفسك ؟ قال : قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي , فأدركه فآخذ برأسه , فأفك لحييه عنها , فآخذها من فيه , فادع لي بدرع حتى ألقيها علي ! فأتي بدرع , فقذفها في عنقه ومثل فيها فملأ عين طالوت ونفسه ومن حضر من بني إسرائيل , فقال طالوت : والله لعسى الله أن يهلكه به ! فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت , فلما التقى الناس قال داود : أروني جالوت ! فأروه إياه على فرس عليه لامته ; فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تواثب من مخلاته , فيقول هذا : خذني ! ويقول هذا : خذني ! ويقول هذا : خذني ! فأخذ أحدها فجعله في مقذافه , ثم قتله به , ثم أرسله فصك بين عيني جالوت فدمغه , وتنكس عن دابته فقتله . ثم انهزم جنده , وقال الناس : قتل داود جالوت , وخلع طالوت . وأقبل الناس على داود مكانه , حتى لم يسمع لطالوت بذكر ; إلا أن أهل الكتاب يزعمون أنه لما رأى انصراف بني إسرائيل عنه إلى داود , هم بأن يغتال داود وأراد قتله فصرف الله ذلك عنه وعن داود وعرف خطيئته , والتمس التوبة منها إلى الله . وقد روي عن وهب بن منبه في أمر طالوت وداود قول خلاف الروايتين اللتين ذكرنا قبل , وهو ما : 4479 - حدثني به المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم , قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه , قال : لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت أوحى إلى نبي بني إسرائيل أن قل لطالوت : فليغز أهل مدين , فلا يترك فيها حيا إلا قتله , فإني سأظهره عليهم ! فخرج بالناس حتى أتى مدين , فقتل من كان فيها إلا ملكهم , فإنه أسره , وساق مواشيهم . فأوحى الله إلى أشمويل : ألا تعجب من طالوت إذ أمرته فاختان فيه , فجاء بملكهم أسيرا , وساق مواشيهم , فالقه فقل له : لأنزعن الملك من بيته , ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة , فإني إنما أكرم من أطاعني , وأهين من هان عليه أمري ! فلقيه , فقال ما صنعت ؟ لم جئت بملكهم أسيرا , ولم سقت مواشيهم ؟ قال : إنما سقت المواشي لأقربها . قال له أشمويل : إن الله قد نزع من بيتك الملك , ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة . فأوحى الله إلى أشمويل أن انطلق إلى إيشا , فيعرض عليك بنيه , فادهن الذي آمرك بدهن القدس يكن ملكا على بني إسرائيل ! فانطلق حتى أتى إيشا , فقال : اعرض علي بنيك ! فدعا إيشا أكبر ولده , فأقبل رجل جسيم حسن المنظر , فلما نظر إليه أشمويل أعجبه , فقال : الحمد لله إن الله لبصير بالعباد ! فأوحى الله إليه : إن عينيك تبصران ما ظهر , وإني أطلع على ما في القلوب ليس بهذا , اعرض علي غيره , فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول : ليس بهذا , فقال : هل لك من ولد غيرهم ؟ فقال : بني لي غلام وهو راع في الغنم . فقال : أرسل إليه ! فلما أن جاء داود جاء غلام أمعر , فدهنه بدهن القدس , وقال لأبيه : اكتم هذا , فإن طالوت لو يطلع عليه قتله ; فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل , فعسكر وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر , وتهيئوا للقتال , فأرسل جالوت إلى طالوت : لم تقتل قومي وأقتل قومك ؟ ابرز لي أو أبرز لي من شئت , فإن قتلتك كان الملك لي , وإن قتلتني كان الملك لك ! فأرسل طالوت في عسكره صائحا من يبرز لجالوت , فإن قتله , فإن الملك ينكحه ابنته , ويشركه في ملكه . فأرسل إيشا داود إلى إخوته وكانوا في العسكر , فقال : اذهب فرد إخوتك , وأخبرني خبر الناس ماذا صنعوا . فجاء إلى إخوته , وسمع صوتا : إن الملك يقول : من يبرز لجالوت فإن قتله أنكحه الملك ابنته . فقال داود لإخوته : ما منكم رجل يبرز لجالوت فيقتله , وينكح ابنة الملك ؟ فقالوا : إنك غلام أحمق , ومن يطيق جالوت وهو من بقية الجبارين ؟ فلما لم يرهم رغبوا في ذلك , قال : فأنا أذهب فأقتله ! فانتهروه وغضبوا عليه . فلما غفلوا عنه , ذهب حتى جاء الصائح , فقال : أنا أبرز لجالوت . فذهب به إلى الملك , فقال له : لم يجبني أحد إلا غلام من بني إسرائيل هو هذا ؟ قال : يا بني أنت تبرز لجالوت فتقاتله ؟ قال : نعم . قال : وهل آنست من نفسك شيئا ؟ قال : نعم , كنت راعيا في الغنم , فأغار علي الأسد , فأخذت بلحييه ففككتهما . فدعا له بقوس وأداة كاملة , فلبسها وركب الفرس , ثم سار منهم قريبا . ثم صرف فرسه , فرجع إلى الملك , فقال الملك ومن حوله : جبن الغلام ! فجاء فوقف على الملك , فقال : ما شأنك ؟ قال داود : إن لم يقتله الله لي لم يقتله هذا الفرس وهذا السلاح , فدعني فأقاتل كما أريد . فقال : نعم يا بني . فأخذ داود مخلاته , فتقلدها وألقى فيها أحجارا , وأخذ مقلاعه الذي كان يرعى به . ثم مضى نحو جالوت ; فلما دنا من عسكره , قال : أين جالوت يبرز لي ؟ فبرز له على فرس عليه السلاح كله , فلما رآه جالوت قال : إليك أبرز ؟ قال نعم . قال : فأتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى إلى الكلب ؟ قال : هو ذاك . قال : لا جرم إني سوف أقسم لحمك بين طير السماء وسباع الأرض . قال داود : أو يقسم الله لحمك . فوضع داود حجرا في مقلاعه , ثم دوره فأرسله نحو جالوت , فأصاب أنف البيضة التي على جالوت حتى خالط دماغه , فوقع من فرسه , فمضى داود إليه , فقطع رأسه بسيفه , فأقبل به في مخلاته , وبسلبه يجره , حتى ألقاه بين يدي طالوت , ففرحوا فرحا شديدا , وانصرف طالوت . فلما كان داخل المدينة , سمع الناس يذكرون داود , فوجد في نفسه , فجاءه داود , فقال : أعطني امرأتي ! فقال : أتريد ابنة الملك بغير صداق ؟ فقال داود : ما اشترطت علي صداقا , وما لي من شيء . قال : لا أكلفك إلا ما تطيق , أنت رجل جريء , وفي جبالنا هذه جراجمة يحتربون الناس وهم غلف , فإذا قتلت منهم مائتي رجل , فأتني بغلفهم . فجعل كلما قتل منهم رجلا نظم غلفته في خيط , حتى نظم مائتي غلفة , ثم جاء بهم إلى طالوت , فألقى إليه , فقال : ادفع لي امرأتي قد جئت بما اشترطت ! فزوجه ابنته . وأكثر الناس ذكر داود , وزاده عند الناس عجبا , فقال طالوت لابنه : لتقتلن داود ! قال : سبحان الله ليس بأهل ذلك منك ! قال : إنك غلام أحمق , ما أراه إلا سوف يخرجك وأهل بيتك من الملك . فلما سمع ذلك من أبيه , انطلق إلى أخته , فقال لها : إني قد خفت أباك أن يقتل زوجك داود , فمريه أن يأخذ حذره , ويتغيب منه . فقالت له امرأته ذلك فتغيب . فلما أصبح أرسل طالوت من يدعو له داود , وقد صنعت امرأته على فراشه كهيئة النائم ولحفته . فلما جاء رسول طالوت قال : أين داود ؟ ليجب الملك ! فقالت له : بات شاكيا ونام الآن ترونه على الفراش . فرجعوا إلى طالوت فأخبروه ذلك , فمكث ساعة ثم أرسل إليه , فقالت : هو نائم لم يستيقظ بعد . فرجعوا إلى الملك فقال : ائتوني به وإن كان نائما ! فجاءوا إلى الفراش , فلم يجدوا عليه أحدا . فجاءوا الملك فأخبروه , فأرسل إلى ابنته فقال : ما حملك على أن تكذبيني ؟ قالت : هو أمرني بذلك , وخفت إن لم أفعل أمره أن يقتلني . وكان داود فارا في الجبل حتى قتل طالوت , وملك داود بعده . 4480 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : كان طالوت أميرا على الجيش , فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته , فقال داود لطالوت : ماذا لي فأقتل جالوت ؟ قال : لك ثلث مالي , وأنكحك ابنتي . فأخذ مخلاته , فجعل فيها ثلاث مروات , ثم سمى حجارته تلك إبراهيم وإسحاق ويعقوب , ثم أدخل يده فقال : باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ! فخرج على إبراهيم , فجعله في مرجمته , فخرقت ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه , وقتلت ثلاثين ألفا من ورائه . 4481 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : عبر يومئذ النهر مع طالوت أبو داود فيمن عبر مع ثلاثة عشر ابنا له , وكان داود أصغر بنيه . فأتاه ذات يوم فقال : يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته . فقال : أبشر يا بني , فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك ! ثم أتاه مرة أخرى قال : يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال , فوجدت أسدا رابضا , فركبت عليه , فأخذت بأذنيه , فلم يهجني . قال : أبشر يا بني , فإن هذا خير يعطيكه الله ! ثم أتاه يوما آخر فقال : يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال , فأسبح , فما يبقى جبل إلا سبح معي . فقال : أبشر يا بني , فإن هذا خير أعطاكه الله ! . وكان داود راعيا , وكان أبوه خلفه يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام . فأتى النبي بقرن فيه دهن وبثوب من حديد , فبعث به إلى طالوت , فقال : إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه , يكون على رأسه كهيئة الإكليل , ويدخل في هذا الثوب فيملؤه . فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم , فلم يوافقه منهم أحد . فلما فرغوا , قال طالوت لأبي داود : هل بقي لك من ولد لم يشهدنا ؟ قال : نعم , بقي ابني داود , وهو يأتينا بطعامنا . فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار , فكلمنه , وقلن له : خذنا يا داود تقتل بنا جالوت ! قال : فأخذهن فجعلهن في مخلاته . وكان طالوت قال : من قتل جالوت زوجته ابنتي , وأجريت خاتمه في ملكي . فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه , فغلى حتى ادهن منه , ولبس الثوب فملأه , وكان رجلا مسقاما مصفارا , ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه . فلما لبسه داود تضايق الثوب عليه حتى تنقض . ثم مشى إلى جالوت , وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم ; فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه , فقال له : يا فتى ارجع فإني أرحمك أن أقتلك ! قال داود : لا , بل أنا أقتلك . فأخرج الحجارة فجعلها في القذافة , كلما رفع حجرا سماه , فقال : هذا باسم أبي إبراهيم , والثاني باسم أبي إسحاق , والثالث باسم أبي إسرائيل . ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا , ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت , فنقب رأسه فقتله . ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ منه , حتى لم يكن بحيالها أحد . فهزموهم عند ذلك , وقتل داود جالوت . ورجع طالوت , فأنكح داود ابنته , وأجرى خاتمه في ملكه ; فمال الناس إلى داود فأحبوه . فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده , فأراد قتله . فعلم به داود أنه يريد به ذلك , فسجى له زق خمر في مضجعه , فدخل طالوت إلى منام داود , وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه , فسالت الخمر منه , فوقعت قطرة من خمر في فيه , فقال : يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر ! ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم , فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين ; فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها , فقال : يرحم الله داود هو خير مني , ظفرت به فقتلته , وظفر بي فكف عني . ثم إنه ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس , فقال طالوت : اليوم أقتل داود ! وكان داود إذا فزع لا يدرك , فركض على أثره طالوت , ففزع داود , فاشتد فدخل غارا , وأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا ; فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت , فقال : لو كان دخل ها هنا لخرق بيت العنكبوت , فخيل إليه فتركه . 4482 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذكر لنا أن داود حين أتاهم كان قد جعل معه مخلاة فيها ثلاثة أحجار . وإن جالوت برز لهم , فنادى : ألا رجل لرجل ! فقال طالوت : من يبرز له , وإلا برزت له . فقام داود فقال : أنا فقام له طالوت فشد عليه درعه , فجعل يراه يشخص فيها ويرتفع . فعجب من ذلك طالوت , فشد عليه أداته كلها . وإن داود رماهم بحجر من تلك الحجارة فأصاب في القوم , ثم رمى الثانية بحجر فأصاب فيهم , ثم رمى الثالثة فقتل جالوت . فآتاه الله الملك والحكمة , وعلمه مما يشاء , وصار هو الرئيس عليهم , وأعطوه الطاعة . 4483 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني ابن زيد في قول الله تعالى ذكره : { ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل } فقرأ حتى بلغ : { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين } قال : أوحى الله إلى نبيهم إن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت , ومن علامته هذا القرن تضعه على رأسه , فيفيض ماء . فأتاه فقال : إن الله أوحى إلي أن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت , فقال : نعم يا نبي الله , قال : فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري , وفيهم رجل بارع عليهم , فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا , فيقول لذلك الجسيم : ارجع فيرده عليه , فأوحى الله إليه : إنا لا نأخذ الرجال على صورهم , ولكن نأخذهم على صلاح قلوبهم , قال : يا رب قد زعم أنه ليس له ولد غيره , فقال : كذب , فقال : إن ربي قد كذبك , وقال : إن لك ولدا غيرهم , فقال : صدق يا نبي الله , لي ولد قصير استحييت أن يراه الناس , فجعلته في الغنم , قال : فأين هو ؟ قال في شعب كذا وكذا من جبل كذا وكذا , فخرج إليه , فوجد الوادي قد سال بينه وبين التي كان يريح إليها قال : ووجده يحمل شاتين يجيز بهما , ولا يخوض بهما السيل , فلما رآه قال : هذا هو لا شك فيه , هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم , قال : فوضع القرن على رأسه ففاض , فقال له : ابن أخي هل رأيت ها هنا من شيء يعجبك ؟ قال : نعم إذا سبحت , سبحت معي الجبال , وإذا أتى النمر أو الذئب أو السبع أخذ شاة قمت إليه , فافتح لحييه عنها فلا يهيجني , وألفى معه صفنه , قال : فمر بثلاثة أحجار يأثر بعضها على بعض : كل واحد منها يقول : أنا الذي يأخذ , ويقول هذا : لا بل إياي يأخذ , ويقول الآخر مثل ذلك , قال : فأخذهن جميعا , فطرحهن في صفنه ; فلما جاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا قال لهم نبيهم : { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } فكان من قصة نبيهم وقصتهم ما ذكر الله في كتابه , وقرأ حتى بلغ : { والله مع الصابرين } قال : واجتمع أمرهم وكانوا جميعا , وقرأ : { وانصرنا على القوم الكافرين } وبرز جالوت على برذون له أبلق , في يده قوس ونشاب , فقال : من يبرز ؟ أبرزوا إلي رأسكم , قال : ففظع به طالوت , قال : فالتفت إلى أصحابه فقال : من رجل يكفيني اليوم جالوت , فقال داود أنا , فقال تعال , قال : فنزع درعا له , فألبسه إياها , قال : ونفخ الله من روحه فيه حتى ملأه , قال : فرمى بنشابة , فوضعها في الدرع , قال : فكسرها داود ولم تضره شيئا ثلاث مرات , ثم قال له : خذ الآن , فقال داود : اللهم اجعله حجرا واحدا , قال : وسمى واحدا إبراهيم , وآخر إسحاق , وآخر يعقوب , قال : فجمعهن جميعا فكن حجرا واحدا , قال : فأخذهن وأخذ مقلاعا , فأدارها ليرمي بها , فقال : أترميني كما ترمي السبع والذئب , ارمني بالقوس , قال : لا أرميك اليوم إلا بها , فقال له مثل ذلك أيضا , فقال نعم , وأنت أهون علي من الذئب , فأدارها وفيها أمر الله وسلطان الله , قال : فخلى سبيلها مأمورة , قال : فجاءت مظلة فضربت بين عينيه حتى خرجت من قفاه , ثم قتلت من أصحابه وراءه كذا وكذا , وهزمهم الله . 4484 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : لما قطعوا ذلك يعني النهر الذي قال الله فيه مخبرا عن قيل طالوت لجنوده : { إن الله مبتليكم بنهر } وجاء جالوت وشق على طالوت قتاله , فقال طالوت للناس : لو أن جالوت قتل أعطيت الذي يقتله نصف ملكي , وناصفته كل شيء أملكه , فبعث الله داود , وداود يومئذ في الجبل راعي غنم , وقد غزا مع طالوت تسعة إخوة لداود , وهم أند منه وأعتى منه , وأعرف في الناس منه , وأوجه عند طالوت منه , فغزا وتركوه في غنمهم , فقال داود حين ألقى الله في نفسه ما ألقى وأكرمه : لأستودعن ربي غنمي اليوم , ولآتين الناس فلأنظرن ما الذي بلغني من قول الملك لمن قتل جالوت , فأتى داود إخوته , فلاموه حين أتاهم , فقالوا : لم جئت ؟ قال : لأقتل جالوت , فإن الله قادر أن أقتله , فسخروا منه . قال ابن جريج : قال مجاهد : كان بعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته , فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات , ثم سماهن إبراهيم وإسحاق ويعقوب . قال ابن جريج : قالوا : وهو ضعيف رث الحال , فمر بثلاثة أحجار , فقلن له : خذنا يا داود فقاتل بنا جالوت . فأخذهن داود وألقاهن في مخلاته , فلما ألقاهن سمع حجرا منهن يقول لصاحبه : أنا حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا وكذا ; وقال الثاني : أنا حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا ; وقال الثالث : أنا حجر داود الذي أقتل جالوت , فقال الحجران : يا حجر داود نحن أعوان لك , فصرن حجرا واحدا ; وقال الحجر : يا داود اقذف بي فإني سأستعين بالريح , وكانت بيضته فيما يقولون والله أعلم فيها ستمائة رطل , فأقع في رأس جالوت فأقتله . قال ابن جريج : وقال مجاهد : سمى واحدا إبراهيم , والآخر إسحاق , والآخر يعقوب , وقال : باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب , وجعلهن في مرجمته . قال ابن جريج : فانطلق حتى نفذ إلى طالوت , فقال : إنك قد جعلت لمن قتل جالوت نصف ملكك ونصف كل شيء تملك . أفلي ذلك إن قتلته ؟ قال : نعم , والناس يستهزءون بداود , وإخوة داود أشد من هنالك عليه , وكان طالوت لا ينتدب إليه أحد زعم أنه يقتل جالوت إلا ألبسه درعا عنده , فإذا لم تكن قدرا عليه نزعها عنها , وكانت درعا سابغة من دروع طالوت , فألبسها داود ; فلما رأى قدرها عليه أمره أن يتقدم , فتقدم داود , فقام مقاما لا يقوم فيه أحد وعليه الدرع , فقال له جالوت : ويحك من أنت إني أرحمك , ليتقدم إلي غيرك من هذه الملوك , أنت إنسان ضعيف مسكين , فارجع , فقال داود : أنا الذي أقتلك بإذن الله , ولن أرجع حتى أقتلك , فلما أبى داود إلا قتاله , تقدم جالوت إليه ليأخذه بيده مقتدرا عليه , فأخرج الحجر من المخلاة , فدعا ربه , ورماه بالحجر , فألقت الريح بيضته عن رأسه , فوقع الحجر في رأس جالوت حتى دخل في جوفه , فقتله . قال ابن جريج : وقال مجاهد : لما رمى جالوت بالحجر خرق ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه , وقتلت من ورائه ثلاثين ألفا , قال الله تعالى : { وقتل داود جالوت } فقال داود لطالوت : وف بما جعلت , فأبى طالوت أن يعطيه ذلك , فانطلق داود , فسكن مدينة من مدائن بني إسرائيل , حتى مات طالوت ; فلما مات عمد بنو إسرائيل إلى داود , فجاءوا به , فملكوه , وأعطوه خزائن طالوت , وقالوا : لم يقتل جالوت إلا نبي , قال الله : { وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء }وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاءالقول في تأويل قوله تعالى : { وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء } يعني تعالى ذكره بذلك : وأعطى الله داود الملك والحكمة وعلمه مما يشاء . والهاء في قوله : { وآتاه الله } عائدة على داود والملك السلطان والحكمة النبوة . وقوله : { وعلمه مما يشاء } يعني علمه صنعة الدروع , والتقدير في السرد , كما قال الله تعالى ذكره : { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } 21 80 وقد قيل : إن معنى قوله : { وآتاه الله الملك والحكمة } أن الله آتى داود ملك طالوت ونبوة أشمويل . ذكر من قال ذلك : 4485 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : ملك داود بعدما قتل طالوت , وجعله الله نبيا , وذلك قوله : { وآتاه الله الملك والحكمة } قال : الحكمة : هي النبوة , آتاه نبوة شمعون , وملك طالوت .ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمينالقول في تأويل قوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين } يعني تعالى ذكره بذلك : ولولا أن الله يدفع ببعض الناس , وهم أهل الطاعة له والإيمان به , بعضا وهم أهل المعصية لله , والشرك به , كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداء من بعثة ملك عليهم ليجاهدوا معه في سبيله بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر , جالوت وجنوده , لفسدت الأرض , يعني لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم , ففسدت بذلك الأرض , ولكن الله ذو من على خلقه , وتطول عليهم بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر , وبالمطيع عن العاصي منهم , وبالمؤمن عن الكافر . وهذه الآية إعلام من الله تعالى ذكره أهل النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن مشاهده والجهاد معه للشك الذي في نفوسهم ومرض قلوبهم والمشركين وأهل الكفر منهم , وأنه إنما يدفع عنهم معاجلتهم العقوبة , على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله , الذين هم أهل البصائر والجد في أمر الله , وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعده على جهاد أعدائه , وأعداء رسوله من النصر في العاجل , والفوز بجناته في الآخرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 4486 - حدثني محمد بن عمر , قال : ثنا أبو عاصم عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول : ولولا دفع الله بالبار عن الفاجر , ودفعه ببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأرض بهلاك أهلها . * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا سبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول : ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر , وببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لهلك أهلها . 4487 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن حنظلة , عن أبي مسلم , قال : سمعت عليا يقول : لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم . 4488 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } يقول : لهلك من في الأرض . 4489 - حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا حفص بن سليمان , عن محمد بن سوقة , عن وبرة بن عبد الرحمن , عن ابن عمر , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " ثم قرأ ابن عمر : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } 4490 - حدثني أحمد أبو حميد الحمصي , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا عثمان بن عبد الرحمن , عن محمد بن المنكدر , عن جابر بن عبد الله , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله , ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " . وقد دللنا على قوله العالمين , وذكرنا الرواية فيه . وأما القراء فإنها اختلفت في قراءة قوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } . فقرأته جماعة من القراء : { ولولا دفع الله } على وجه المصدر من قول القائل : دفع الله عن خلقه , فهو يدفع دفعا . واحتجت لاختيارها ذلك بأن الله تعالى ذكره , هو المتفرد بالدفع عن خلقه , ولا أحد يدافعه فيغالبه . وقرأت ذلك جماعة أخرى من القراء : " ولولا دفاع الله الناس " على وجه المصدر من قول القائل : دافع الله عن خلقه , فهو يدافع مدافعة ودفاعا . واحتجت لاختيارها ذلك بأن كثيرا من خلقه يعادون أهل دين الله , وولايته والمؤمنين به , فهو بمحاربتهم إياهم ومعاداتهم لهم لله مدافعون بباطلهم , ومغالبون بجهلهم , والله مدافعهم عن أوليائه وأهل طاعته والإيمان به . والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القراء وجاءت بهما جماعة الأمة , وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالة معنى الآخر . وذلك أن من دافع غيره عن شيء , فمدافعه عنه دافع , ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع , فهو لمدافعه مدافع ; ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده , محاولين مغالبة حزب الله وجنده , وكان في محاولتهم ذلك محاولة مغالبة الله ودفاعه عما قد تضمن لهم من النصرة , وذلك هو معنى مدافعة الله عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه . فتبين إذا أن سواء قراءة من قرأ : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } وقراءة من قرأ : " ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض " في التأويل والمعنى .

252S02V252

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ

Voilà les versets d'Allah, que Nous te (Muhammad) récitons avec la vérité. Et tu es, certes parmi les Envoyés

Tafsir al-TabariTabari

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " تلك آيات الله " (135) هذه الآيات التي اقتص الله فيها أمر الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وأمر الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى الذين سألوا نبيهم أن يبعث لهم طالوت ملكا وما بعدها من الآيات إلى قوله : وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ .ويعني بقوله : " آيات الله "، حججه وأعلامه وأدلته. (136) .* * *يقول الله تعالى ذكره: فهذه الحجج التي أخبرتك بها يا محمد، وأعلمتك= من قدرتي على إماتة من هرب من الموت في ساعة واحدة وهم ألوف، وإحيائي إياهم بعد ذلك، وتمليكي طالوت أمر بني إسرائيل، بعد إذ كان سقاء أو دباغا من غير أهل بيت المملكة، وسلبي ذلك إياه بمعصيته أمري، وصرفي ملكه إلى داود لطاعته إياي، ونصرتي أصحاب طالوت، مع قلة عددهم، وضعف شوكتهم على جالوت وجنوده، مع كثرة عددهم، وشدة بطشهم= (137) حججي على من جحد نعمتي، وخالف أمري، وكفر برسولي من أهل الكتابين التوراة والإنجيل، العالمين بما اقتصصت عليك من الأنباء الخفية، التي يعلمون أنها من عندي، (138) .لم تتخرصها ولم تتقولها أنت يا محمد، لأنك أمي، ولست ممن قرأ الكتب، فيلتبس عليهم أمرك، ويدعوا أنك قرأت ذلك فعلمته من بعض أسفارهم= ولكنها حججي عليهم أتلوها عليك يا محمد، بالحق اليقين كما كان، لا زيادة فيه، ولا تحريف، ولا تغيير شيء منه عما كان=" وإنك " يا محمد " لمن المرسلين " ، يقول: إنك لمرسل متبع في طاعتي، وإيثار مرضاتي على هواك، فسالكٌ في ذلك من أمرك سبيل من قبلك من رسلي الذين أقاموا على أمري، وآثروا رضاي على هواهم، ولم تغيرهم الأهواء، ومطامع الدنيا، كما غير طالوت هواه، وإيثاره ملكه، على ما عندي لأهل ولايتي، ولكنك مؤثر أمري كما آثره المرسلون الذين قبلك.* * *---------------------------الهوامش :(135) انظر مجيء"ذلك"و"تلك" بمعنى : "هذا ، وهذه" ، فيما سلف 1 : 225 -227/ 3 : 335 .(136) انظر تفسير"الآية" فيما سلف 1 : 106 ، ثم هذا الجزء : 337 والمراجع في التعليق هناك .(137) في المطبوعة : "حجج على من جحد" ، وأثبت ما في المخطوطة . والسياق : "فهذه الحجج... حججي" .(138) في المخطوطة : "من الأنباء الحصه" غير منقوطة ولا بينة ، وما في المطبوعة صحيح المعنى .

253S02V253

۞تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ

Parmi ces messagers, Nous avons favorisé certains par rapport à d'autres. Il en est à qui Allah a parlé; et Il en a élevé d'autres en grade. A Jésus fils de Marie Nous avons apporté les preuves, et l'avons fortifié par le Saint-Esprit. Et si Allah avait voulu, les gens qui vinrent après eux ne se seraient pas entretués, après que les preuves leur furent venues; mais ils se sont opposés: les uns restèrent croyants, les autres furent infidèles. Si Allah avait voulu, ils ne se seraient pas entretués; mais Allah fait ce qu'Il veut

Tafsir al-TabariTabari

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " تلك "، الرسل الذين قص الله قصصهم في هذه السورة، كموسى بن عمران وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وشمويل وداود، وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة. يقول تعالى ذكره: هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض، فكلمت بعضهم = والذي كلمته منهم موسى صلى الله عليه وسلم = ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنـزلة، كما:-5755 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض "، قال: يقول: منهم من كلم الله، ورفع بعضهم على بعض درجات. يقول: كلم الله موسى، وأرسل محمدا إلى الناس كافة.5756 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.* * *&; 5-379 &;ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك:=5757 - قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب، فإن العدو ليرعب مني على مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وقيل لي: سل تعطه، فاختبأتها شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا " (1) .* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِقال أبو جعفر :يعني تعالى ذكره بقوله: (2) " وآتينا عيسى ابن مريم البينات "، وآتينا عيسى ابن مريم الحجج والأدلة على نبوته: (3) من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وما أشبه ذلك، مع الإنجيل الذي أنـزلته إليه، فبينت فيه ما فرضت عليه.* * *ويعني تعالى ذكره بقوله: " وأيدناه "، وقويناه وأعناه= (4) " بروح القدس "، يعني بروح الله، وهو جبريل. وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم في معنى روح القدس والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (5) .* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولو أراد الله=" ما اقتتل الذين من بعدهم "، (6) يعني من بعد الرسل الذين وصفهم بأنه فضل بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وبعد عيسى ابن مريم، وقد جاءهم من الآيات بما فيه مزدجر لمن هداه الله ووفقه.* * *ويعني بقوله: " من بعد ما جاءتهم البينات "، يعني: من بعد ما جاءهم من آيات الله ما أبان لهم الحق، وأوضح لهم السبيل.* * *وقد قيل: إن " الهاء " و " الميم " في قوله: " من بعدهم "، من ذكر موسى وعيسى. * ذكر من قال ذلك:5758 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات "، يقول: من بعد موسى وعيسى.&; 5-381 &;5759 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات " يقول: من بعد موسى وعيسى.* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولكن اختلف هؤلاء الذين من بعد الرسل، لما لم يشأ الله منهم تعالى ذكره أن لا يقتتلوا، فاقتتلوا من بعد ما جاءتهم البينات من عند ربهم بتحريم الاقتتال والاختلاف، وبعد ثبوت الحجة عليهم بوحدانية الله ورسالة رسله ووحي كتابه، فكفر بالله وبآياته بعضهم، وآمن بذلك بعضهم. فأخبر تعالى ذكره: أنهم أتوا ما أتوا من الكفر والمعاصي، (7) بعد علمهم بقيام الحجة عليهم بأنهم على خطأ، تعمدا منهم للكفر بالله وآياته.ثم قال تعالى ذكره لعباده: " ولو شاء الله ما اقتتلوا "، يقول: ولو أراد الله أن يحجزهم - بعصمته وتوفيقه إياهم- عن معصيته فلا يقتتلوا، ما اقتتلوا ولا اختلفوا=" ولكن الله يفعل ما يريد "، بأن يوفق هذا لطاعته والإيمان به فيؤمن به ويطيعه، ويخذل هذا فيكفر به ويعصيه.----------------الهوامش :(1) الأثر : 5757 -ساقه بغير إسناد ، وقد اختلف ألفاظه ، وهو من حديث ابن عباس في المسند رقم : 2742 ، والمسند 5 : 145 ، 147 ، 148 ، 161 ، 162 (حلبي) والمستدرك 2 : 424 ورواه مسلم بغير اللفظ 5 : 3 ، والبخاري ، (الفتح 1 : 369 ، 444) مواضع أخرى . وهو حديث صحيح .(2) في المطبوعة والمخطوطة : "يعنى تعالى ذكره بذلك" ، وهو لا يستقيم .(3) انظر تفسير"البينات"فيما سلف 2 : 328/ 4 : 271 ، والمراجع هناك ، وانظر فهرس اللغة .(4) انظر تفسير"أيد"فيما سلف 2 : 319 ، 320 .(5) انظر ما سلف 2 : 320- 323 .(6) في المطبوعة ، أتم الآية : "من بعد ما جاءتهم البينات" ، وأثبت ما في المخطوطة .(7) في المخطوطة : "أتوا ما أنزل من الكفر" ، وهو سهو فاحش من شدة عجلة الكاتب ، كما تتبين ذلك جليا من تغيُّر خطه في هذا الموضع أيضًا .

254S02V254

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ

O les croyants! Dépensez de ce que Nous vous avons attribué, avant que vienne le jour où il n'y aura ni rançon ni amitié ni intercession. Et ce sont les mécréants qui sont les injustes

Tafsir al-TabariTabari

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا في سبيل الله مما رزقناكم من أموالكم، وتصدقوا منها، وآتوا منها الحقوق التي فرضناها عليكم. وكذلك كان ابن جريج يقول فيما بلغنا عنه:5760 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم "، قال: من الزكاة والتطوع.* * *=" من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة "، يقول: ادخروا لأنفسكم عند الله في دنياكم من أموالكم، بالنفقة منها في سبيل الله، والصدقة على أهل المسكنة والحاجة، وإيتاء ما فرض الله عليكم فيها، وابتاعوا بها ما عنده مما أعده لأوليائه من الكرامة، بتقديم ذلك لأنفسكم، ما دام لكم السبيل إلى ابتياعه، بما ندبتكم إليه، وأمرتكم به من النفقة من أموالكم=" من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه "، يعني من قبل مجيء يوم لا بيع فيه، يقول: لا تقدرون فيه على ابتياع ما كنتم على ابتياعه- بالنفقة من أموالكم التي رزقتكموها- بما أمرتكم به، أو ندبتكم إليه في الدنيا قادرين، (8) لأنه يوم جزاء وثواب وعقاب، لا يوم عمل واكتساب وطاعة ومعصية، فيكون لكم إلى ابتياع منازل أهل الكرامة بالنفقة حينئذ- أو &; 5-383 &; بالعمل بطاعة الله، سبيل (9) .ثم أعلمهم تعالى ذكره أن ذلك اليوم = مع ارتفاع العمل الذي ينال به رضى الله أو الوصول إلى كرامته بالنفقة من الأموال، (10) إذ كان لا مال هنالك يمكن إدراك ذلك به = يوم لا مخالة فيه نافعة كما كانت في الدنيا، فإن خليل الرجل في الدنيا قد كان ينفعه فيها بالنصرة له على من حاوله بمكروه وأراده بسوء، والمظاهرة له على ذلك. فآيسهم تعالى ذكره أيضا من ذلك، لأنه لا أحد يوم القيامة ينصر أحدا من الله، بل الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ كما قال الله تعالى ذكره، (11) وأخبرهم أيضا أنهم يومئذ= مع فقدهم السبيل إلى ابتياع ما كان لهم إلى ابتياعه سبيل في الدنيا بالنفقة من أموالهم، والعمل بأبدانهم، وعدمهم النصراء من الخلان، والظهراء من الإخوان (12) = لا شافع لهم يشفع عند الله كما كان ذلك لهم في الدنيا، فقد كان بعضهم يشفع في الدنيا لبعض بالقرابة والجوار والخلة، وغير ذلك من الأسباب، فبطل ذلك كله يومئذ، كما أخبر تعالى ذكره عن قيل أعدائه من أهل الجحيم في الآخرة إذا صاروا فيها: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100-101]* * *وهذه الآية مخرجها في الشفاعة عام والمراد بها خاص، وإنما معناه: " من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة "، لأهل الكفر بالله، لأن أهل &; 5-384 &; ولاية الله والإيمان به، يشفع بعضهم لبعض. وقد بينا صحة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (13) .* * *وكان قتادة يقول في ذلك بما:-5761 - حدثنا به بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة "، قد علم الله أن ناسا يتحابون في الدنيا، ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين.* * *وأما قوله: " والكافرون هم الظالمون "، فإنه يعني تعالى ذكره بذلك: والجاحدون لله المكذبون به وبرسله=" هم الظالمون "، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله، والقائلون ما ليس لهم قوله.* * *وقد دللنا على معنى " الظلم " بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته (14) .* * *قال أبو جعفر: وفي قوله تعالى ذكره في هذا الموضع: " والكافرون هم الظالمون "، دلالة واضحة على صحة ما قلناه، وأن قوله: " ولا خلة ولا شفاعة "، إنما هو مراد به أهل الكفر، فلذلك أتبع قوله ذلك: " والكافرون هم الظالمون " . فدل بذلك على أن معنى ذلك: حرمنا الكفار النصرة من الأخلاء، والشفاعة من الأولياء والأقرباء، ولم نكن لهم في فعلنا ذلك بهم ظالمين، إذ كان ذلك جزاء منا لما سلف منهم من الكفر بالله في الدنيا، بل الكافرون هم الظالمون أنفسهم بما أتوا من الأفعال التي أوجبوا لها العقوبة من ربهم.* * *&; 5-385 &;فإن قال قائل: وكيف صرف الوعيد إلى الكفار والآية مبتدأة بذكر أهل الإيمان؟قيل له: إن الآية قد تقدمها ذكر صنفين من الناس: أحدهما أهل كفر، والآخر أهل إيمان، وذلك قوله: وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ . ثم عقب الله تعالى ذكره الصنفين بما ذكرهم به، بحض أهل الإيمان به على ما يقربهم إليه من النفقة في طاعته (15) وفي جهاد أعدائه من أهل الكفر به، قبل مجيء اليوم الذي وصف صفته. وأخبر فيه عن حال أعدائه من أهل الكفر به، إذ كان قتال أهل الكفر به في معصيته ونفقتهم في الصد عن سبيله، فقال تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا أنتم مما رزقناكم في طاعتي، إذ كان أهل الكفر بي ينفقون في معصيتي= من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه فيدرك أهل الكفر فيه ابتياع ما فرطوا في ابتياعه في دنياهم= ولا خلة لهم يومئذ تنصرهم مني، ولا شافع لهم يشفع عندي فتنجيهم شفاعته لهم من عقابي. وهذا يومئذ فعلي بهم جزاء لهم على كفرهم، (16) وهم الظالمون أنفسهم دوني، لأني غير ظلام لعبيدي. وقد:-5762 - حدثني محمد بن عبد الرحيم، قال: حدثني عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت عمر بن سليمان، يحدث عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: " والكافرون هم الظالمون "، ولم يقل: " الظالمون هم الكافرون ".---------------الهوامش :(8) في المطبوعة والمخطوطة : "بالنفقة من أموالكم التي أمرتكم به" ، وهو كلام مختل ، سقط فيما أرجح ما أثبته : "رزقتكموها ، بما" . وسياق العبارة : ما كنتم على ابتياعه...بما أمرتكم به... قادرين" . والذي بينهما فواصل .(9) في المطبوعة و المخطوطة : "فيكون لهم إلى ابتياع..." والصواب في هذا السياق : "لكم وقوله : "سبيل" اسم كان في"فيكون لكم إلى ابتياع..." .(10) ارتفاع العمل : انقضاؤه وذهابه . يقال : "ارتفع الخصام بينهما" ، و"ارتفع الخلاف" أي انقضى وذهب ، فلم يبق ما يختلفان عليه أو يختصمان . وهو مجاز من"ارتفع الشيء ارتفاعا" : إذا علا . وهذا معنى لم تقيده المعاجم ، وهو عربى صحيح كثير الورود في كتب العلماء ، ن وقد سلف في كلام أبي جعفر ، وشرحته ولا أعرف موضعه الساعة .(11) هى آية"سورة الزخرف" : 67 .(12) النصراء جمع نصير . والخلان جمع خليل : والظهراء جمع ظهير : وهو المعين الذي يقوى ظهرك ويشد أزرك .(13) انظر ما سلف 2 : 23 ، 33 .(14) انظر معنى"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة / ومعنى"الظلم" فيما سلف 1 : 523 ، 524 ، وفي فهارس اللغة .(15) في المطبوعة : "يحض" بالياء في أوله ، فعلا . وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها بباء الجر ، اسما . وقوله : "بحض" ، متعلق بقوله : "ثم عقب الله" .(16) في المخطوطة والمطبوعة : "وهذا يومئذ فعل بهم" ، وصواب السياق يقتضى ما أثبت .

255S02V255

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ

Allah! Point de divinité à part Lui, le Vivant, Celui qui subsiste par lui-même «Al-Qayyûm». Ni somnolence ni sommeil ne Le saisissent. A Lui appartient tout ce qui est dans les cieux et sur la terre. Qui peut intercéder auprès de Lui sans Sa permission? Il connaît leur passé et leur futur. Et, de Sa science, ils n'embrassent que ce qu'Il veut. Son Trône «Kursiy», déborde les cieux et la terre, dont la garde ne Lui coûte aucune peine. Et Il est le Très Haut, le Très Grand

Tafsir al-TabariTabari

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُقال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على تأويل قوله: " الله " (17) .* * *وأما تأويل قوله: " لا إله إلا هو " فإن معناه: النهي عن أن يعبد شيء غير الله الحي القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية. يقول: " الله " الذي له عبادة الخلق=" الحي القيوم "، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئا سوى الحي القيوم الذي لا يأخذه سِنة ولا نوم، (18) والذي صفته ما وصف في هذه الآية.* * *وهذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله عما جاءت به أقوال المختلفين في البينات= (19) من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالى ذكره أنه فضل بعضهم على بعض= واختلفوا فيه، فاقتتلوا فيه كفرا به من بعض، وإيمانا به من بعض. فالحمد لله الذي هدانا للتصديق به، ووفقنا للإقرار.* * *وأما قوله: " الحي" فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخر له بأمد، (20) إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود، وآخر ممدود، ينقطع بانقطاع أمدها، (21) وينقضي بانقضاء غايتها.* * *وبما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:5763 - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " الحي" حي لا يموت.5764 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.* * *قال أبو جعفر: وقد اختلف أهل البحث في تأويل ذلك (22) .فقال بعضهم: إنما سمى الله نفسه " حيا "، لصرفه الأمور مصارفها وتقديره الأشياء مقاديرها، فهو حي بالتدبير لا بحياة.وقال آخرون: بل هو حي بحياة هي له صفة.وقال آخرون: بل ذلك اسم من الأسماء تسمى به، فقلناه تسليما لأمره (23) .* * *وأما قوله: " القيوم "، فإنه " الفيعول " من " القيام " وأصله " القيووم "،: سبق عين الفعل، وهي" واو " ،" ياء " ساكنة، فأدغمتا فصارتا " ياء " مشددة.وكذلك تفعل العرب في كل " واو " كانت للفعل عينا، سبقتها " ياء " ساكنة. ومعنى قوله: " القيوم "، القائم برزق ما خلق وحفظه، كما قال أمية: (24) .لــم تخــلق الســماء والنجــوموالشــمس معهــا قمــر يعــوم (25)قــــدره المهيمـــن القيـــوموالجســـر والجنـــة والجحــيم (26)إلا لأمــر شـأنه عظيــم* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:5765 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " القيوم "، قال: القائم على كل شيء.5766 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " القيوم "، قيم كل شيء، يكلؤه ويرزقه ويحفظه.5767 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " القيوم " وهو القائم.&; 5-389 &;5768 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " الحي القيوم "، قال: القائم الدائم.* * *القول في تأويل قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " لا تأخذه سنة "، لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما.* * *" والوسن " خثورة النوم، (27) ومنه قول عدي بن الرقاع:وســنان أقصـده النعـاس فـرنقتفــي عينــه ســنة وليس بنـائم (28)ومن الدليل على ما قلنا: من أنها خثورة النوم في عين الإنسان، قول الأعشى ميمون بن قيس:تعـــاطى الضجــيع إذا أقبلــتبعيــد النعــاس وقبــل الوســن (29)وقال آخر: (30)باكرتهـا الأغـراب فـي سـنة النـوم فتجــري خـلال شـوك السـيال (31)&; 5-391 &;يعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها، يقال منه: " وسن فلان فهو يوسن وسنا وسنة وهو وسنان "، إذا كان كذلك.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:5769 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله تعالى: " لا تأخذه سنة " قال: السنة: النعاس، والنوم: هو النوم (32) .5770 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لا تأخذه سنة " السنة: النعاس.5771 - حدثنا الحسن بن يحيي، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله: " لا تأخذه سنة " قالا نعسة.5772 - حدثني المثنى، قال، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال: السنة: الوسنة، وهو دون النوم، والنوم: الاستثقال،5773 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن &; 5-392 &; جويبر، عن الضحاك: " لا تأخذه سنة ولا نوم " السنة: النعاس، والنوم: الاستثقال.5774 - حدثني يحيي بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله سواء.5775 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " لا تأخذه سنة ولا نوم " أما " سنة "، فهو ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان (33) .5776 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال: " السنة "، الوسنان بين النائم واليقظان.5777 - حدثني عباس بن أبي طالب، قال: حدثنا منجاب بن الحرث، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن إسماعيل عن يحيى بن رافع: " لا تأخذه سنة " قال: النعاس (34) .5778 - حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال: " الوسنان ": الذي يقوم من النوم لا يعقل، حتى &; 5-393 &; ربما أخذ السيف على أهله.* * *قال أبو جعفر: وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " لا تحله الآفات، ولا تناله العاهات. وذلك أن " السنة " و " النوم "، معنيان يغمران فهم ذي الفهم، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه.* * *فتأويل الكلام، إذ كان الأمر على ما وصفنا: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الذي لا يموت= الْقَيُّومُ على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة والتدبير والتصريف من حال إلى حال=" لا تأخذه سنة ولا نوم "، لا يغيره ما يغير غيره، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأحوال وتصريف الليالي والأيام، بل هو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، لو نام كان مغلوبا مقهورا، لأن النوم غالب النائم قاهره، ولو وسن لكانت السماوات والأرض وما فيهما دكا، لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس مانع المقدر عن التقدير بوسنه. (35) كما:5779 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر= قال: أخبرني الحكم بن أبان، (36) عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: " لا يأخذه سنة ولا نوم " أن موسى سأل الملائكة: هل ينام الله؟ فأوحى الله إلى الملائكة، وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام. ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكوه، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما. قال: فجعل ينعس وهما في يديه، &; 5-394 &; في كل يد واحدة. قال: فجعل ينعس وينتبه، وينعس وينتبه، حتى نعس نعسة، فضرب بإحداهما الأخرى فكسرهما= قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله، يقول: فكذلك السماوات والأرض في يديه.5780 - حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال: وقع في نفس موسى: هل ينام الله تعالى ذكره؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرّقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، أمره أن يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، ثم نام نومة فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان. قال: ضرب الله مثلا له أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض (37) .* * *القول في تأويل قوله تعالى : لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " له ما في السماوات وما في الأرض " أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود (38) .وإنما يعنى بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه، لأن المملوك إنما هو طوع يد مالكه، وليس له خدمة غيره إلا بأمره. يقول: فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه.* * *وأما قوله: " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " يعني بذلك: من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم، إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم. (39) وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى! (40) فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي.* * *القول في تأويل قوله تعالى : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:5781 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم: " يعلم ما بين أيديهم "، الدنيا=" وما خلفهم "، الآخرة.5782 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يعلم ما بين أيديهم "، ما مضى من الدنيا=" وما خلفهم " من الآخرة.5783 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج قوله: " يعلم ما بين أيديهم " ما مضى أمامهم من الدنيا=" وما خلفهم " ما يكون بعدهم من الدنيا والآخرة.5784 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " يعلم ما بين أيديهم "، قال: [ وأما ]" ما بين أيديهم "، فالدنيا=" وما خلفهم "، فالآخرة (41) .* * *وأما قوله: " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء "، فإنه يعني تعالى ذكره: أنه العالم الذي لا يخفي عليه شيء محيط بذلك كله، (42) &; 5-397 &; محص له دون سائر من دونه= وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه، فأراد فعلمه، وإنما يعني بذلك: أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلا فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم ؟! يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها، (43) يعلمها، لا يخفي عليه صغيرها وكبيرها.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:5786 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا يحيطون بشيء من علمه " يقول: لا يعلمون بشيء من علمه =" إلا بما شاء "، هو أن يعلمهم (44) .* * *القول في تأويل قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " الكرسي" الذي أخبر الله تعالى ذكره في هذه الآية أنه وسع السماوات والأرض.فقال بعضهم: هو علم الله تعالى ذكره.* ذكر من قال ذلك:5787 - حدثنا أبو كريب وسلم بن جنادة، قالا حدثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " وسع كرسيه " قال: كرسيه علمه.5788 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مطرف، &; 5-398 &; عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله= وزاد فيه: ألا ترى إلى قوله: وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ؟* * *وقال آخرون: " الكرسي": موضع القدمين.* ذكر من قال ذلك:5789 - حدثني علي بن مسلم الطوسي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن عمارة بن عمير، عن أبي موسى، قال: الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل (45) .5790 - حدثني موسى بن هاوون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " وسع كرسيه السماوات والأرض "، فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش، وهو موضع قدميه.5791 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله: " وسع كرسيه السماوات والأرض "، قال: كرسيه الذي يوضع تحت العرش، الذي يجعل الملوك عليه أقدامهم،5792 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، قال: الكرسي: موضع القدمين (46) .&; 5-399 &;5793 - حدثني عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وسع كرسيه السماوات والأرض "، قال: لما نـزلت: " وسع كرسيه السماوات والأرض " قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذا الكرسي وسع السموات والأرض، فكيف العرش؟ فأنـزل الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى قوله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: 67] (47) .5794 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " وسع كرسيه السماوات والأرض " قال ابن زيد: فحدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس "= قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض (48) .* * *وقال آخرون: الكرسي: هو العرش نفسه.* ذكر من قال ذلك:5795 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: كان الحسن يقول: الكرسي هو العرش.* * *قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:-&; 5-400 &;5796 - حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة! فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: " إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع- ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، إذا ركب، من ثقله " (49) .5797 - حدثني عبد الله بن أبى زياد، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.5798 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: جاءت امرأة، فذكر نحوه (50) .* * *وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عنه أنه قال: " هو علمه " (51) . وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حفظ ما علم، وأحاط به مما في السماوات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: 7]، &; 5-402 &; فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: " وسع كرسيه السماوات والأرض ".* * *قال أبو جعفر: وأصل " الكرسي" العلم. (52) ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب " كراسة "، ومنه قول الراجز في صفة قانص:* حتى إذا ما احتازها تكرسا * (53).يعني علم. ومنه يقال للعلماء " الكراسي"، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: " أوتاد الأرض ". يعني بذلك أنهم العلماء الذي تصلح بهم الأرض، (54) ومنه قول الشاعر: (55)يحـف بهـم بيـض الوجـوه وعصبةكراســي بــالأحداث حـين تنـوب (56)يعني بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها. والعرب تسمي أصل كل شيء " الكرس "، يقال منه: " فلان كريم الكرس "، أي كريم الأصل، قال العجاج:&; 5-403 &;قــد علـم القـدوس مـولى القـدسأن أبـــا العبـــاس أولــى نفس* بمعدن الملك الكريم الكِرْس * (57)يعني بذلك: الكريم الأصل، ويروى:* في معدن العز الكريم الكِرْس ** * *القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولا يئوده حفظهما "، ولا يشق عليه ولا يثقله.* * *يقال منه: " قد آدني هذا الأمر فهو يؤودني أودا وإيادا "، (58) ويقال: " ما آدك فهو لي آئد "، يعني بذلك: ما أثقلك فهو لي مثقل.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:5799 - حدثنا المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: &; 5-404 &; حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولا يؤوده حفظهما " يقول: لا يثقل عليه.5800 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يثقل عليه حفظهما.5801 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولا يؤوده حفظهما " لا يثقل عليه لا يجهده حفظهما.5802 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يثقل عليه شيء.5803 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يوسف بن خالد السمتي، قال: حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " ولا يؤود حفظهما " قال: لا يثقل عليه حفظهما.5804 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة= وحدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد= قالا جميعا: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يثقل عليه.5805 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، عن عبيد، عن الضحاك، مثله.5806 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته = يعني خلادا = يقول: سمعت أبا عبد الرحمن المديني يقول في هذه الآية: " ولا يؤوده حفظهما "، قال: لا يكبر عليه (59) .5807 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن &; 5-405 &; ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يكرثه (60) .5808 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يثقل عليه.5809 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولا يؤوده حفظهما " يقول: لا يثقل عليه حفظهما.5810 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يعز عليه حفظهما.* * *قال أبو جعفر: " والهاء "، و " الميم " و " الألف " في قوله: " حفظهما "، من ذكر السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ . فتأويل الكلام: وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يثقل عليه حفظ السموات والأرض.* * *وأما تأويل قوله: " وهو العلي" فإنه يعني: والله العلي.* * *و " العلي" " الفعيل " من قولك: " علا يعلو علوا "، إذا ارتفع،" فهو عال وعلي"،" والعلي" ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته.* * *وكذلك قوله: " العظيم "، ذو العظمة، الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه. كما:-5811 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " العظيم "، الذي قد كمل في عظمته.* * *&; 5-406 &;قال أبو جعفر: واختلف أهل البحث في معنى قوله: (61) ." وهو العلي".فقال بعضهم: يعني بذلك; وهو العلي عن النظير والأشباه، (62) وأنكروا أن يكون معنى ذلك: " وهو العلي المكان ". وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان، ولا معنى لوصفه بعلو المكان، لأن ذلك وصفه بأنه في مكان دون مكان.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه وخلقه دونه، كما وصف به نفسه أنه على العرش، فهو عال بذلك عليهم.* * *وكذلك اختلفوا في معنى قوله: " العظيم ".فقال بعضهم: معنى " العظيم " في هذا الموضع: المعظم، صرف " المفعل " إلى " فعيل "، كما قيل للخمر المعتقة،" خمر عتيق "، كما قال الشاعر: (63) .وكــأن الخـمر العتيـق مـن الإسفنـــط ممزوجـــة بمــاء زلال (64)وإنما هي" معتقة ". قالوا: فقوله " العظيم " معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه. قالوا: وإنما يحتمل قول القائل: " هو عظيم "، أحد معنين: أحدهما: ما وصفنا من أنه معظم، والآخر: أنه عظيم في المساحة والوزن. قالوا: وفي بطول القول بأن يكون معنى ذلك: أنه عظيم في المساحة والوزن، صحة القول بما قلنا.* * *وقال آخرون: بل تأويل قوله: " العظيم " هو أن له عظمة هي له صفة.وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، (65) .وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد. لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك. وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة التي قدمنا ذكرها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه " معظم "، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظم له في هذه الأحوال.* * *وقال آخرون: بل قوله: إنه " العظيم " وصف منه نفسه بالعظم. وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته.------------------الهوامش :(17) انظر تفسير"الله" فيما سلف 1 : 122- 126 .(18) في المطبوعة : "ولا تعبدوا شيئا سواه الحي القيوم" ، والصواب من المخطوطة .(19) في المطبوعة : "المختلفين في البينات" ، بزيادة"في" ، وهو خطأ مخل بالكلام ، والصواب ما في المخطوطة ، و"البينات"فاعل"جاءت به" ، و"المختلفين"مفعوله . والجملة التي بين الخطين ، معترضة ، وقةله : بعد"واختلفوا فيه فاقتتلوا فيه..." ، عطف على قوله : "عما جاءت به..." .(20) في المطبوعة : "لا أول له يحد" بالياء ، فعلا ، ثم جعل التي تليها"ولا آخر له يؤمد" ، فأتى بفعل عجيب لا وجود له في العربية ، وفي المخطوطة : "بحد" غير منقوطة وصواب قراءتها بباء الجر في أوله . وفيها"بأمد" كما أثبت ، والأمد : الغاية التي ينتهى إليها . بقول : ليس له أول له حد يبدأ منه وليس له آخر له أمد ينتهى إليه .(21) في المطبوعة : "وآخر مأمود" ، أتى أيضًا بالعجب في تغيير المخطوطة ، وباستخراج كلمة لا يجيزها اشتقاق العربية ، ولم تستعمل في كلام قط . وفي المخطوطة"ممدود"كما أثبتها . وهي من قولهم : "مد له في كذا" أي طويل له فيه . بل أولى من ذلك أن يقال إنها من"المد" ، وهي الطائفة من الزمان .وقد استعملو من المدة : "ماددت القوم" . أي جعلت لهم مدة ينهون إليها . وفي الحديث : "يا ويح قريش ، لقد نهكتهم الحرب! ما ضرهم لو ماددناهم مدة" ، أي جعلنا لهم مدة ، وهي زمان الهدنة . وقال ابن حجر في مقدمته الفتح : 182"قوله : (في المدة التي فيها أبا سفيان) : أي جعل بينه وبينه مدة صلح ، ومنه : (إن شاؤوا ماددتهم) . فهو"فاعل" من"المد" . ولا شك أن الثلاثى منه جائز أن يقال : " مد له مدة" أي جعل له مدة ينتهى من عند آخرها . وكأتى قرأتها في بعض كتب السير ، فأرجو أن أظفر بها فأقيدها إن شاء الله ، فمعنى قوله : "وآخر ممدود ينقطع بانقطاع أمدها" أي : آخر قد ضربت له مدة ينقطع بانقطاع غايتها .(22) هذه أول مرة يستعمل فيها الطبري : "أهل البحث" ، ويعنى بذلك أهل النظر من المتكلمين .(23) في المطبوعة : "فقلناه" ، وما في المخطوطة صواب أيضًا جيد .(24) هو : أمية بن أبي الصلت الثقفى .(25) ديوانه : 57 ، والقرطبي 3 : 271 ، وتفسير أبي حيان 25 : 277 . وفي المطبوعة والقرطبي"قمر يقوم" ، وهو لا معنى له ، والصواب في المخطوطة وتفسير أبي حيان . عامت النجوم تعوم عوما : جرب ، مثل قولهم : "سبحت النجوم في الفلك تسبح سبحا"(26) في المراجع كلها"والحشر" ، وهو خطأ وتصحيف لا ريب فيه عندي ، وهو في المخطوطة"والحسر" غير منقوطة ، وصواب قراءتها"الجسر" كما أثبت . وفي حديث البخاري : "ثم يؤتى بالجسر" قال ابن حجر : أي الصراط ، وهو كالقنطرة بين الجنة والنار ، يمر عليها المؤمنون . ولم يذكر في بابه في كتب اللغة ، فليقيد هناك ، فإن هذا هو سبب تصحيف هذه الكلمة . وفي بعض المراجع : "والجنة والنعيم" ، والذي في الطبري هو الصواب . هذا وشعر أمية كثير خلطه .(27) الخثورة : نقيض الرقة ، يقال : "خثر اللبن والعسل ونحوهما" ، إذا ثقل وتجمع ، والمجاز منه قولهم : "فلان خاثر النفس" أي ثقيلها ، غير طيب ولا نشيط ، قد فتر فتورا . واستعمله الطبري استعمالا بارعا ، فجعل للنوم"خثورة" ، وهي شدة الفتور ، كأنه زالت رقته واستغلط فثقل ، وهذا تعبير لم أجده قبله .(28) من أبيات له في الشعر والشعراء : 602 ، والأغانى 9 : 311 ، ومجاز القرآن 1 : 78 ، واللسان (وسن) (رنق) ، وفي جميعها مراجع كثيرة ، وقبل البيت في ذكرها صاحبته"أم القاسم" :وكأنهــا وســط النسـاء أعارهـاعينيــه أحـور مـن جـاذر جاسـموسـنان أقصـده النعـاس ........... . . . . . . . . . . . . . . . . . .يصطــاد يقظـان الرجـال حديثهـاوتطــير بهجتهــا بـروح الحـالموالجآذر بقر الوحش ، وهي حسان العيون . وجاسم : موضع تكثر فيه الجآذر . و" أقصده النعاس" قتله النعاس وأماته . يقال : "عضته حبة فإقصدته" ، أي قتلته على المكان -أي من فوره . و"رفقت" أي خالطت عينه . وأصله من ترنيق الماء ، وهو تكديره بالطين حتى يغلب على الماء . وحسن أن يقال هو من ترنيق الطائر بجناحيه ، وهو رفرفته إذا خفق بجناحيه في الهواء فثبت ولم يطر ، وهذا المجازأعجب إلى في الشعر .(29) ديوانه : 15 ، وهو يلي البيت الذي سلف 1 : 345 ، 346 ، وفي ذكر نساء استمع بهن :إذا هـــن نـــازلن أقـــرانهنوكـان المصـاع بمـا فـي الجـونتعـــاطى الضجـــيع............ . . . . . . . . . . . . . . . . . .صريفيـــة طيبـــا طعمهـــالهــا زبــد بيــن كــوب ودنوقوله"تعاطى" من قولهم للمرأة : "هى تعاطى خلها" أي صاحبها -أن تناوله قبلها وريقها .وقوله : "أقبلت" ، هو عندي بمعنى : سامحت وطاوعت وانقادت ، من"القبول" وهو الرضا . ولم يذكر ذلك أصحاب اللغة ، ولكنه جيد في العربية ، شبيه بقولهم : "أسمحت" ، من السماح ، إذا أسهلت وانقادت ووافقت ما يطلبه صاحبها . وذلك هو الجيد عندي . ليس من الإقبال على الشيء . بل من القبول . ويروي مكمان ذلك : "إذا سامها" ، ورواية الديوان :"بعيد الرقـــاد وعنــد الوســن"والصريفية : الخمر الطيبة ، جعلها صريفية ، لأنها أخذت من الدن ساعتئذ ، كاللبن الصريف وهو اللبن الذي ينصرف من الضرع حارا إذا حلب . وفي الديون : "صليفية" ، باللام ، والصواب بالراء يقول : إذا انقادت لصاحبها بعيد رقادها ، أو قبل وسنها ، عاطته من ريقها خمرا صرفا تفور بالزبد بين الكوب و الدن ، ولم يمض وقت عليها فتفسد . يقول : ريفها هو الخمر ، في يقظتها قبل الوسن -وذلك بدء فتور الفس وتغير الطباع -وبعد لومها ، وقد تغيرت أفواه البشر واستكرهت روائحها ينفي عنها العيب في الحالين . وذلك قل أن يكون في النساء أو غيرهن .(30) هو الاعشى أيضًا(31) ديوانه : 5 ، واللسان (غرب) ، من قصيدة جليلة ، أفضى فيها إلى ذكر صاحبته له يقول قبله :وكـأن الخـمر العتيـق مـن الإسفنطممزوجــــة بمــاء زلالباكرتها الأغراب ......................................................الإسفنط : أجود أنواع الخمر وأغلاها . وباكرتها ، أي في أول النهار مبادرة إليها .والأغراب جمع غرب (بفتح فسكمون) ، وهو القدح . والسيال : شجر سبط الأغصان ، عليه شوك أبيض أصوله أمثال ثنايا اعذارى ، وتشبه به أسنانهن يقول : إذا نامت لم يتغير طيب ثغرها ، بل كأن الخمر تجرى بين ثناياها طيبة الشذا . وقوله : "باكرتها الأغراب" ، وهو كفوله في الشعر السالف أنها"صريفية" أي أخذت من دنها لسعتها . يقول : ملئت الأقداح منها بكرة ، يعنى تبادرت إليها الأقداح من دنها ، وذلك أطيب لها .هذا ، وقد جاء في شرح الديوان : الأغراب : حد الأسنان وبياضها ، وأظال في شرحه ، ولكنى لا أرتضيه ، والذي شرحته موجود في اللسان ، وهو أعرق في الشعر ، وفي فهمه .(32) يعنى أن النوم معروف ، والسنة غير النوم ، وانظر الأثر الآتي : 5772 وما بعده .(33) في المخطوطة"ريح" غير منقوطة . والريح هنا : الغلبة والقوة ، كما جاء في شعر أعشى فهو أو سليك بن السلكة .أتنظران قليلا ريث غفلتهمأوتعدوان فإن الريح للعادىأي الغلبة . وربما قرئت أيضًا : "الرنح" (بفتح الراء وسكون النون) وهو الدوار . ومنه : "ترنح من السكر" إذا تمايل ، و"رنح به" (بالبناء للمجهول مشددة النون) إذا دير به كالمغشى عليه ، أو اعتراه وهن في عظامه من ضرب أو فزع أو سكر .(34) الأثر : 5777 -"عباس بن أبي طالب" ، هو : "عباس جعفر بن الزبرقان" مضت ترجمته في رقم : 880 ، و"المنجاب بن الحارث" ، مضت ترجمته في رقم : 322 -328 ، و"على بن مسهر القرشي" الكوفي الحافظ ، روي عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وهشام بن عروة ، واسماعيل بن أبي خلد . ثقة ، مات سنة 189 . مترجم في التهذيب . و" اسناعيل" هو" اسماعيل بن أبي خالد الأحمس" روي عن أبيه ، وأبيجحيفة ، ن وعبدالله بن أبي أوفى ، وعمرو بن حريث ، وأبي كاهل ، وهؤلاء صحابة . وعن زيد بن وهب والشعبي وغيرهما من كبار التابعين . كان ثقة ثبتا . مات سنه 146 . مترجم في التهذيب . و"يحيى بن رافع" أبو عيسى الثقفى . روي عن عثمان وأبي هريرة ، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد . مترجم في الكبير 4/ 2/ 273 ، وابن أبي حاتم 4/2/ 143 .(35) في المطبوعة : "يمانع" بالياء في أوله ، وهو خطأ لا خير فيه . وإنما أخطأ قراءة المخطوطة للفتحة على الميم ، اتصلت بأولها .(36) في المطبوعة والمخطوطة"وأخبرنى الحكم" ، وكأن الصواب حذف الواو"أخبرنا معمر قال ، أخبرنى الحكم بن أبان" كما أثبته فإن معمرا يروي عن الحكم بن أبان . انظر ترجمته في التهذيب ، وكما جاء في ابن كثير 2 : 11 على الصواب . وقال بمقبه : "وهو من أخبار بني إسرائيل ، وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل ، وهو منزه عنه" . وأصاب ابن كثير الحق ، فإن أهل الكتاب ينسبون إلى أنبياء الله ، ما لو تركوه لكان خيرا لهم .(37) الأثر : 5780 -"إسحق بن أبى إسرائيل-واسمه إبراهيم- بن كما مجرا ، أبو يعقوب المروزي" نزيل بغداد . روى عنه البخاري في الأدب المفرد ، وأبو داود والنسائى وغيرهم . قال ابن معين : "من ثقات المسلمين ، ما كتب حديثا قط عن أحد من الناس ، إلا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه" .وكرهه أحمد لوقفه في أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، فتركه الناس حتى كان الناس يمرون بمسجده ، وهو فيه وحيد لا يقربه أحد . وقال أبو زرعة : "عندي أنه لا يكذب ، وحدث بحديث منكر" . مات سنه 240 . مترجم في التهذيب .و"هشام بن يوسف الصنعائي"قاضي صنعاء ، ثقة . روى عنه الأئمة كلهم . روي عن معمر ، وابن جريج ، والقاسم بن فياض ، والثوري ، وغيرهم . قال عبد الرزاق : "إن حدثكم القاضي -يعنى هشام بن يوسف- فلا عليكم أن لا تكتبوا عن غيره" . مترجم في التهذيب .و"أمية بن شبل الصنعائي" ، سمع الحكم بن أبان طاوس . روى عنه هشام بن يوسف وعبدالرزاق ، وثقه ابن معين ، مترجم في الكبير 1/2/ 12 ، ولم يذكر فيه جرحا ، وابن أبي حاتم 1/ 1/ 302 ، ولسان الميزان 1 : 467 . وقال الحافظ في لسان الميزان : "له حديث منكر ، رواه عن الحكم بن أبان عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، مرفوعا ، قال"وقع في نفس موسى عليه السلام ، هل ينام الله" ، الحديث ، رواه عنه هشام بن يوسف ، وخالفه معمر ، عن الحكم ، عن عكمرمة ، فوقفة ، وهو أقرب . ولا يسوغ أن يكون هذا وقعا في نفس موسى عليه السلام ، وإنما روي أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك" .وساق ابن كثير في تفسير 1 : 11 ، هذه الآثار ، ثم قال : "وأغرب من هذا كله ، الحديث الذي رواه ابن جرير : حدثنا إسحق بن أبي إسرائيل..." ، وساق الخبر ، ثم قال : " وهذا حديث غريب ، والأظهر أنه إسرائيل لا مرفوع ، والله أعلم" . والذي قاله ابن حجر قاطع في أمر هذا الخبر .(38) انظر ما سلف في تفسير : "له ما في السموات..." ، 2 : 537 .(39) انظر معنى"شفع" فيما سلف 2 : 31 - 33 ، وما سلف قريبا : 382 - 384 . ومعنى"الإذن" فيما سلف 2 : 449 ، 450/ ثم4 : 286 ، 370/ ثم هذا 352 ، 355 .(40) هذا تأويل آية"سورة الزمر" : 3 .(41) زيادة ما بين القوسين ، لاغنى عنها .(42) انظر تفسير"الإحاطة" فيما سلف 2 : 284 .(43) في المطبوعة : "أخلصوا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب .(44) سقط من الترقيم : 5785 ، سهوا .(45) الأثر : 5789 -"علي بن مسلم بن سعيد الطوسي" نزيل بغداد . روى عنه البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، ثقة ، مات سنة 253 ، مترجم في التهذيب . و"عمارة بن عمير التيمي" ، رأى عبدالله لابن عمرو ، وروي عن الأسود بن يزيد النخعي ، والحارث بن سويد التيمي ، وإبراهيم بن أبي موسى الأشعري . لم يدرك أبا موسى . والحديث منقطع . وخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 327 ، ونسبه لابن المنذر ، وأبي الشيخ ، والبيهقى في الأسماء والصفات .الأطيط : صوت الرحل والنسع الجديد ، وصوت الباب ، وهو صوت متمدد خشن ليس كالصرير بل أخشن .(46) الأثر : 5792 -خرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 13 من طريق سفيان عن عمار الدهني ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، ونسبه لوكيع في تفسيره . ورواه الكاكم في المستدرك 2 : 282 مثله ، موقوفا علي ابن عباس ، وقال : "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" . ووافقه الذهبى قال ابن كثير : " وقد رواه ابن مردويه ، من طريق الحاكم بن ظهير الفزارى الكوفي ، وهو متروك ، عن السدى عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ، ولا يصح أيضًا" . وانظر مجمع الزوائد 6 : 323 : والفتح 8 : 149 .(47) الأثر : 5793 - لم يرد في تفسير الآية من"سورة الزمر" .(48) الأثر : 5794 -أثر أبي ذر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 328 ، ونسبه لأبي الشيخ في العظمة ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وخرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 13 وساق لفظ ابن مردويه وإسناده ، من طريق محمد بن عبدالتميمي ، عن القاسم بن محمد الثقفي ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر .(49) الأثر : 5796 -"عبدالله بن أبي زياد القطواني" ، هو"عبدالله بن الحكم بن أبي زيادة" سلفت ترجمته برقم : 2247 . و"عبيدالله بن موسي بن أبي المختار ، وأسمه باذام ، العبسى مولاهم" ، روى عنه البخاري ، وروى عنه هو والباقون بواسطة أحمد بن أبي سريج الرازى ، وأحمد بن إسحق البخاري ، وأبي بكر بن أبي شبية ، وعبدالله بن الحكم القطواني وغيرهم . ثقة صدوق حسن الحديث ، كان عالما بالقرآن رأسا فيه ، وأثبت أصحاب إسرائيل . مترجم في التهذيب .و"عبدالله بن خليفة الهمداني الكوفي" روي عن عمر وجابر ، روى عنه أبو إسحق السبيعى ذكره ابن حبان في الثقات . مترجم في التهذيب . وهكذا روى الطبري هذا الأثر موقوفا ، وخرجه ابن كثير وفي تفسيره 2 : 13 من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحق ، عن عبدالله بن خليفة ، عن عمر رضي الله عنه .قال ابن كثير : "وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور ، وعبد بن بن حميد ، وابن جرير في تفسيريهما ، والطبراني ، وابن أبي عاصم في كتابي السنة ، لها ، والحافظ الضياء في كتابه المختار من حديث أبي إسحق السبيعي ، عن عبدالله بن خليفة ، وليس بذاك المشهور . وفي سماعه من عمر نظطر : ثم منهم من يرويه عنه ، عن عمر موقوفا -قلت : كما رواه الطبري هنا -ومنهم من يرويه عن عمر مرسلا ، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غربية -قلت : وهي زيادة الطبري في هذا الحديث -ومنهم من يحذفها . وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش ، كما رواه أبو داود في كتاب السنة من سنته (رقم : 4726) ، والله أعلم" .قال بيده : أشار بها ، وانظر ما سلف من تفسير الطبري لذلك في 2 : 546 -548 .(50) الأثران : 5797 ، 5798 -يحيى بن أبي بكير ، واسمه نسر ، الأسدي" ، أبو زكريا الكرماني الأصل . سكن بغداد ، روي عن بن عثمان ، وإبراهيم بن طهمان ، وإسرائيل ، وزائدة .روى عنه الستة ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ، ومحمد بن أحمد بن أحمد بن أبي خلف ، وغيرهم . ذكره ابن حبان في الثقات . مات سنة 208 أو 209 . مترجم في التهذيب . وكان في المطبوعة"يحيى بن أبي بكر" وهو خطأ .وهذا الأثر ، والذي يليه ، إسنادان آخران للأثر السالف رقم : 5796 ، فانظر التعليق عليهما .(51) العجب لأبي جعفر ، كيف تناقض قوله في هذا الموضع ! فإنه بدأ فقال : إن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، من الحديث في صفة الكرسي ، ثم عاد في هذا الموضع يقول : وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن ، فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه . فإما هذا وإما هذا ، وغير ممكن أن يكون أولى التأويلات في معنى"الكرسي" هو الذي جاء في الحديث الأول ، ويكون معناه أيضًا "العلم" ، كما زعم أنه دل على صحته ظاهر القرآن . وكيف يجمع في تأويل واحد ، معنيان مختلفان في الصفة والجوهر ! ! وإذا كان خبر جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، صحيح الإسناد ، فإن الخبر الآخر الذي رواه مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، صحيح الإسناد علىشرط الشيخين ، كما قال الحاكم ، وكما في مجمع الزوائد 6 : 323" رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح" ، كما بينته في التعليق على الأثر : 5792 . ومهما قيل فيها ، فلن يكون أحدهما أرجح من الآخر إلا بمرجح يجب التسليم له . وأما أبو منصور الأزهري فقد قال في ذكر الكرسي : "والصحيح عن ابن عباس ما رواه عمار الدهنى ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال : "الكرسي موضع القدمين ، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره . قال : وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها . قال : ومن روى عنه في الكرسي أنه العلم ، فقد أبطل" ، وهذا هو قول أهل الحق إن شاء الله .وقد أراد الطبري أن يستدل بعد بأن الكرسي هو"العلم" ، بقوله تعالى : "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما" ، فلم لم يجعل"الكرسي" هو"الرحمة" ، وهما في آية واحدة؟ ولم يجعلها كذلك لقوله تعالى في سورة الأعراف : 156 : "قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء"؟ واستخراج معنى الكرسي من هذه الآية كما فعل الطبري ، ضعيف جدا ، يجل عنه من كان مثله حذرا ولطفا ودقة .وأما ما ساقه بعد من الشواهد في معنى"الكرسي" ، فإن أكثره لا يقوم على شيء ، وبعضه منكر التأويل ، كما سأبينه بعد إن شاء الله . وكان يحسبه شاهدا ودليلا أنه لم يأت في القرآن في غير هذا الموضع ، بالمعنى الذي قالوه ، وأنه جاء في الآية الأخرى بما ثبت في صحيح اللغة من معنى"الكرسي" ، وذلك قوله تعالى في"سورة ص" : "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب" . وكتبه محمود محمد شاكر .(52) أخشى أن يكون الصواب : "وأصل الكرس : العلم" (بفتح الكاف وسكون الراء) مما رواه ابن العرابى من قولهم : "كرس الرجل" (بفتح ثم كسر) : إذا ازدحم علمه على قلبه . وجعل أبي جعفر هذا أصلا ، عجب أي عجب! فمادة اللغة تشهد على خلافه ، وتفسير ابن الأعرابى هذا أيضًا شاهد على خلافه . وأنما أصل المادة (كرس) من تراكم الشيء وتلبد بعضه على وتجمعه . وقوله بعد : " ومنه قيل للصحيفة كراسة" ، والأجود أن يقال : إنه من تجمع أوراقه بعضها على بعض ، أو ضم بعضها إلى بعض .(53) لم أجد الرجز ، وقوله : "احتازها" ، أي حازها وضمها إلى نفسه . ولا أدرى إلى أي شيء يعود الضمير : إلى القانص أم إلى كلبه؟ والاستدلال بهذا الرجز على أنه يعنى بقوله : "تكرس" ، علم ، لا دليل عليه ، حتى نجد سائر الشعر ، ولم يذكره أحد من أصحاب اللغة .(54) هذا التفسير مأخوذ من قول قطرب كما سيأتى ، أنهم العلماء ، ولكن أصل مادة اللغة يدل على أن أصل ذلك هو ذلك هو الشيء الثابت الذي يعتمد عليه ، كالكرسي الذي يجلس عليه ، وتسمية العلماء بذلك مجاز محض .(55) لم أعرف قائله .(56) لم أجد البيت ، إلا فيمن نقل عن الطبري ، وفي أساس البلاغة (كرس) أنشده بعد قوله : "ويقال للعلماء الكراسي -عن قطرب" وأنشد البت . ولم أجد من ذكر ذلك من ثقات أهل اللغة .(57) ديوانه : 78 ، واللسان (قدس) (كرس) . و"القدس" هو الله -سبحانه الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص . والقدس . ومولاها : ربها . وقد سلف تفسير معنى"القدس" و"القدس" في هذا التفسير 1 : 475 ، 476/ 2 : 322 ، 323 . و"أبو العباس" هو أبو العباس السفاح ، الخليفة العباسي . وروى صاحب اللسان" القديم الكرس" ، و"المعدن" (بفتح الميم وكسر الدال) : مكان كل شيء وأصله الثابت ، ومنه : "معدن الذهب والفضة" ، وهو الموضع الذي ينبت الل فيه الذهب والفضة ، ثم تستخرج منه ، وهو المسمى في زماننا"المنجم" . يقول : أبو العباس أولى نفس بالخلافة ، الثابتة الأصل الكريمته .(58) قوله : "إيادا" مصدر لم أجده في كتب اللغة ، زادناه الطبري .(59) في المخطوطة والمطبوعة : "يكثر عليه" والصواب ما أثبت : "كبر عليه" ، ثقل عليه .(60) كرثه الأمر يكرثه : اشتد عليه وبلغ منه المشقة .(61) انظر ما سلف في ذكره" أهل البحث" فيما سلف قريبا : 387 ، التعليق : 2 .(62) في المخطوطة : "النظر" ، بغير ياء . و"النظر" (بكسر فسكون) ، مثل"النظير" ، مثل : "ند ونديد" . وجائز أن يكون"النظر" (بضمتين) جمع"نظير" ، وهم يكسر"فعيلا" الصفة ، على"فعل" ، بضمتين تشبيها له"بفعيل" الاسم ، كما قالوا في"جديد ، جدد" ، و"نذير ، نذر" . أما النظائر جمع نظير ، فهو شاذ عن بابه .(63) هو الأعشى .(64) ديوانه : 5 ، وقد مضى هذا البيت في تعليقنا آنفًا : 390 ، تعليق : 3 . والزلال : الماء الصافى العذب البارد السائغ في الحلق .(65) الإثبات: إثبات الصفات لله سبحانه كما وصف نفسه ، بلا تأويل ، خلافا للمعتزلة وغيرهم وانظر ما سلف 1 : 189 ، تعليق : 1 .