Tafsirs/Tafsir al-Tabari/Al-Baqarah
Arabe

Tafsir al-Tabari

Tabari

البقرة

Al-Baqarah

286 versets

Versets 1620 sur 286Page 4 / 58
16S02V16

أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ

Ce sont eux qui ont troqué le droit chemin contre l'égarement. Eh bien, leur négoce n'a point profité. Et ils ne sont pas sur la bonne voie

Tafsir al-TabariTabari

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَىقال أبو جعفر: إن قال قائل: وكيف اشترى هؤلاء القومُ الضلالةَ بالهدى, وإنما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقَهم إيمانٌ فيقال فيهم: باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتهم حتى استبدلوها منه؟ وقد علمتَ أن معنى الشراء المفهوم: اعتياضُ شيء ببذل شيء مكانه عِوَضًا منه, والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة، لم يكونوا قط على هُدًى فيتركوه ويعتاضوا منه كفرًا ونفاقًا؟قيل: قد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك, فنذكر ما قالوا فيه, ثم نبين الصحيحَ من التأويل في ذلك إن شاء الله:380- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، أي الكفرَ بالإيمان.381- وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، يقول: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.382- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، استحبوا الضلالة على الهدى.383- حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميمون, عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، آمنوا ثم كفروا.384- حدثنا المثنى, قال: حدثنا أبو حُذَيفة, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد مثله (118) .قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا في تأويل ذلك: " أخذوا الضلالة وتركوا الهدى " - وجَّهوا معنى الشراء إلى أنه أخذ المشترَى مكانَ الثمن المشترَى به, فقالوا: كذلك المنافق والكافر، قد أخذَا مكان الإيمان الكفرَ, فكان ذلك منهما شراءً &; 1-313 &; للكفر والضلالة اللذَيْن أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى, وكان الهدى الذي تركاه هو الثمن الذي جعلاه عوضًا من الضلالة التي أخذاها.وأما الذين تأوَّلوا أن معنى قوله " اشْتَرَوْا ": " استحبُّوا ", فإنهم لما وَجدوا الله جل ثناؤه قد وصف الكفّار في موضع آخر، فنسبهم إلى استحبابهم الكفرَ على الهدى, فقال: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [سورة فصلت: 17]، صرفوا قوله: ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) إلى ذلك. وقالوا: قد تدخل " الباء " مكان " على ", و " على " مكان " الباء ", كما يقال: مررت بفلان، ومررت على فلان، بمعنى واحد, وكقول الله جل ثناؤه: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [سورة آل عمران: 75]، أي على قنطار. فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء: أولئك الذين اختارُوا الضلالةَ على الهدى. وأراهم وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه " اشْتَرَوا " إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا, واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه.ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة (119)فَقَــدْ أُخْــرِجُ الكَــاعِبَ الْمُسْـتَرَاةَ مِــنْ خِدْرِهَــا وَأُشِــيعَ الْقِمَـارَ (120)يعني بالمستراة: المختارة.وقال ذو الرُّمة، في الاشتراء بمعنى الاختيار:يَـذُبُّ الْقَصَايَـا عَـنْ شَـرَاةٍ كَأَنَّهَـاجَمَـاهِيرُ تَحْـتَ الْمُدْجِنَـاتِ الْهَوَاضِبِ (121)يعني بالشَّراة: المختارة.وقال آخر في مثل ذلك:إِنَّ الشَّـــرَاةَ رُوقَـــةُ الأَمْــوَالِوَحَــزْرَةُ الْقَلْــبِ خِيَــارُ الْمَـالِ (122)قال أبو جعفر: وهذا، وإن كان وجهًا من التأويل، فلستُ له بمختار. لأن الله جل ثناؤه قال: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ، فدل بذلك على أن معنى قوله ( أُولَئِكَ الَّذِينَ &; 1-315 &; اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس، من استبدال شيء مكان شيء، وأخذِ عِوَض على عوض.وأما الذين قالوا: إنّ القوم كانوا مؤمنين وكفروا, فإنه لا مؤونة عليهم، لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم. لأن الأمر إذا كان كذلك، فقد تركوا الإيمان, واستبدلوا به الكفرَ عوضًا من الهدى. وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشراء والبيع, ولكن دلائل أوّل الآيات في نعوتهم إلى آخرها، دالّةٌ على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان، ولا دخلوا في ملّة الإسلام, أوَما تسمعُ الله جل ثناؤه من لَدُنِ ابتدأ في نعتهم، إلى أن أتى على صفتهم، إنما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم: بدعواهم التصديق بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, خداعًا لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم، واستهزاءً في نفوسهم بالمؤمنين, وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون. يقول الله جل جلاله (123) : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، ثم اقتصَّ قَصَصَهم إلى قوله: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ؟ فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين فكفروا؟فإن كان قائل هذه المقالة ظن أنّ قوله: " أولئك الذين اشْتَرَوُا الضَّلالة بالهُدى " هو الدليل على أنّ القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر, فلذلك قيل لهم " اشتروا " - فإن ذلك تأويل غير مسلَّم له, إذْ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذَ شيء بتركِ آخرَ غيره, وقد يكون بمعنى الاختيار، وبغير ذلك من المعاني. والكلمة إذا احتملت وجوهًا، لم يكن لأحد صرفُ معناها إلى بعضٍ وجوهها دون بعضٍ، إلا بحجة يجب التسليم لها.قال أبو جعفر: والذي هو أولى عندي بتأويل الآية، ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله: ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدلٌ بالإيمان كفرًا، باكتسابه الكفرَ الذي وُجد منه، بدلا من الإيمان الذي أمر به. أوَمَا تسمعُ الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرًا به مكان الإيمان به وبرسوله: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [سورة البقرة: 108]؟ وذلك هو معنى الشراء, لأن كلّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدل مكانَ الذي يُؤخذ منه من البدل آخرَ بديلا منه. فكذلك المنافقُ والكافر، استبدلا بالهدى الضلالةَ والنفاق , فأضلهما الله، وسلبهما نورَ الهدى، فترك جميعَهم في ظلمات لا يبصرون.القول في تأويل قوله : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْقال أبو جعفر: وتأويل ذلك أن المنافقين -بشرائهم الضلالةَ بالهدى- خسروا ولم يربحوا, لأن الرابح من التجّار: المستبدِلُ من سلعته المملوكة عليه &; 1-316 &; بدلا هو أنفسَ من سلعته المملوكة أو أفضلَ من ثمنها الذي يبتاعها به. فأما المستبدِلُ من سلعته بدلا دُونها ودونَ الثمن الذي ابتاعها به (124) ، فهو الخاسر في تجارته لا شكّ. فكذلك الكافر والمنافق، لأنهما اختارَا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى، والخوفَ والرعبَ على الحفظ والأمن, واستبدلا في العاجل: بالرَّشاد الحيرة, وبالهُدى الضلالةَ, وبالحفظ الخوفَ, وبالأمن الرعبَ - مع ما قد أعد لهما في الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب, فخابا وخَسِرا, ذلك هو الخسران المبين.وبنحو الذي قلنا في ذلك كان قتادة يقول.385- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة، ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) : قد وَالله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة, ومن الجماعة إلى الفُرقة, ومن الأمن إلى الخوف, ومن السُّنة إلى البدعة (125) .قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه قوله: ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) ؟ وهل التجارة مما تَرْبَح أو تُوكس، فيقال: رَبِحت أو وُضِعَت (126) ؟قيل: إن وجه ذلك على غير ما ظننتَ. وإنما معنى ذلك: فما ربحوا في تجارتهم - لا فيما اشترَوْا، ولا فيما شرَوْا. ولكن الله جل ثناؤه خاطب بكتابه عَرَبًا فسَلَك في خطابه إياهم وبيانه لهم، مَسلكَ خطاب بعضهم بعضًا، وبيانهم المستعمل بينهم (127) . فلما كان فصيحًا لديهم قول القائل لآخر: خاب سعيُك، ونام ليلُك, وخسِر بيعُك, ونحو ذلك من الكلام الذي لا يخفى على سامعه ما يريد قائله - خاطبهم بالذي هو في منطقهم من الكلام، فقال: ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) إذ كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو في التجارة، كما النومُ في الليل. فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك، عن أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم, وإنْ كان ذلك معناه, كما قال الشاعر:وشَــرُّ الْمَنَايَـا مَيِّـتٌ وَسْـطَ أَهْلِـهِكَـهُلْكِ الْفَتَـاةِ أَسْـلَمَ الْحَـيَّ حَـاضِرُهُ (128)يعني بذلك: وشر المنايا منيَّة ميت وَسط أهله، فاكتفى بفهم سامع قِيلِه مرادَه من ذلك، عن إظهار ما ترك إظهارَه، وكما قال رؤبة بن العَجَّاج:حَـارِثُ! قَـدْ فَرَّجْـتَ عَنِّـي هَمِّـيفَنَـــامَ لَيْــلِي وَتَجَــلَّى غَمِّــي (129)فوَصف بالنوم الليل, ومعناه أنه هو الذي نام، وكما قال جرير بن الخَطَفَى:وَأَعْــوَرَ مـن نَبْهَـانَ أَمَّـا نَهَـارُهُفَــأَعْمَى, وَأَمَّــا لَيْلُــهُ فَبَصِــيرُ (130)فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار, ومرادُه وصفَ النبهانيّ بذلك.القول في تأويل قوله: وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)يعني بقوله جل ثناؤه ( وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) : ما كانوا رُشداءَ في اختيارهم الضلالةَ على الهدى, واستبدالهم الكفرَ بالإيمان, واشترائهم النفاقَ بالتصديق والإقرار.---------------الهوامش :(118) الأخبار : 380 - 384 : ساقها ابن كثير في تفسيره 1 : 95 ، 96 ، والسيوطي 1 : 31 ، 32 ، والشوكاني 1 : 33 ، 34 .(119) في المطبوعة"الاشتراء" بالشين المعجمة ، وهو خطأ ، صوابه بالسين المهملة .(120) ديوانه : 35 ، وطبقات فحول الشعراء : 36 ، واللسان (سرا) . وفي المطبوعة : "المشتراة" في الموضعين ، والصواب ما أثبتناه . والكاعب : التي كعب ثديها ، أي نهد ، يعني أنها غريرة منعمة محجوبة . وخدر الجارية : سترها الذي يمد لها لتلزمه بعد البلوغ ، وأشاع المال بين القوم : فرقه فيهم . وأراد بالقمار : لعب الميسر ، وعنى نصيب الفائز في الميسر من لحم الجزور ، يفرقه في الناس من كرمه .(121) ديوانه : 62 . والضمير في قوله"يذب" لفحل الإبل . ويذب : يدفع ويطرد . والقصايا ، جمع قصية : وهي من الإبل رذالتها ، ضعفت فتخلفت . وجماهير ، جمع جمهور : وهو رملة مشرفة على ما حولها ، تراكم رملها وتعقد . والمدجنات ، من قولهم"سحابة داجنة ومدجنة" ، وهي : المطبقة الكثيفة المطر . والهواضب : التي دام مطرها وعظم قطرها . شبه الإبل في جلالة خلقها وضخامتها بجماهير الرمل المتلبدة في رأي العين من بعيد(122) البيت الثاني في اللسان (حزر) . وروقة الناس : خيارهم وأبهاهم منظرًا . ويقال : هذا الشيء حزرة نفسي وقلبي : أي خير ما عندي ، وما يتعلق به القلب لنفاسته .(123) في المطبوعة : "لقول الله . . . " .(124) في المطبوعة : "يبتاعها" .(125) الأثر 385- في ابن كثير 1 : 96 ، والسيوطي 1 : 32 ، والشوكاني 1 : 34 .(126) وضع في تجارته يوضع وضيعة : غبن فيها وخسر ، ومثله : وكس .(127) في المخطوطة : "المستعلم بينهم" ، ولعلها سبق قلم .(128) هو للحطيئة ، من أبيات ليست في ديوانه ، بل في طبقات فحول الشعراء : 95 ، وسيبويه 1 : 109 وأمالي الشريف المرتضى 1 : 38 ، مع اختلاف في بعض الرواية ، ورواية الطبقات أجودهن . "أيقظ الحي" ، يعني أيقظ الحي حاضر الموت ، فقامت البواكي ترن وتندب ، وكأن رواية من روى"أسلم الحي" ، تعني أسلمهم للبكاء .(129) ديوانه : 142 ، يمدح الحارث بن سليم ، من آل عمرو بن سعد بن زيد مناة .(130) ديوانه : 206 ، والنقائض : 35 ، والمؤتلف والمختلف : 39 ، 161 ، ومعجم الشعراء 253 ، من شعر في هجاء الأعور النبهاني ، وكان هجا جريرًا ، فأكله جرير . قال أبو عبيدة : "أي هو أعور النهار عن الخيرات ، بصير الليل بالسوءات ، يسرق ويزني" .

17S02V17

مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ

Ils ressemblent à quelqu'un qui a allumé un feu; puis quand le feu a illuminé tout à l'entour, Allah a fait disparaître leur lumière et les a abandonnés dans les ténèbres où ils ne voient plus rien

Tafsir al-TabariTabari

القول في تأويل قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، وقد علمتَ أن " الهاء والميم " من قوله " مثلهم " كناية جِمَاعٍ - من الرجال أو الرجال والنساء - و " الذي" دلالة على واحد من الذكور؟ فكيف جعَل الخبر عن واحد مَثلا لجماعة؟ وهلا قيل: مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا؟ وإن جاز عندك أن تمثلَ الجماعةَ بالواحد، فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبتْه صُوَرهم وتمامُ خلقهم وأجسامهم، أن يقول: كأنّ هؤلاء, أو كأنّ أجسامَ هؤلاء, نخلةٌ؟قيل: أما في الموضع الذي مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين، بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسنٌ, وفي نظائره (1) كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [سورة الأحزاب: 19]، يعني كَدَوَرَان عيْنِ الذي يُغشى عليه من الموت - وكقوله: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [سورة لقمان: 28] بمعنى: إلا كبَعْث نفسٍ واحدة.وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال، في الطول وتمام الخلق، بالواحدة من النخيل, فغير جائز، ولا في نظائره، لفرق بينهما.فأما تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقِدِ الواحد, فإنما جاز، لأن المرادَ من &; 1-319 &; الخبر عن مَثَل المنافقين، الخبرُ عن مَثَل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون - من اعتقاداتهم الرَّديئة, وخلطهم نفاقَهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءَةُ - وإن اختلفت أشخاص أهلها - معنًى واحد، لا معانٍ مختلفة. فالمثل لها في معنى المثَل للشخص الواحد، من الأشياء المختلفة الأشخاص.وتأويل ذلك: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، قولا وهُم به مكذبون اعتقادًا, كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة، وأضيف المثَلُ إليهم, كما قال نابغةُ بني جَعْدَة:وَكَــيْفَ تُــوَاصِل مـن أَصْبَحَـتْخِلالَتُــــهُ كَـــأَبِي مَرْحَـــبِ (2)يريد: كخلالة أبي مَرْحب, فأسقط " خلالة ", إذ كان فيما أظهرَ من الكلام، دلالةٌ لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول في قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، لما كان معلومًا عند سامعيه بما أظهرَ من الكلام، أنّ المثلَ إنما ضُرِب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم - حَسُن حذفُ ذكر الاستضاءة، وإضافة المثل إلى أهله. والمقصود بالمثل ما ذكرنا. فلما وَصَفنا، جاز وحَسُنَ قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد, إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى.وأما إذا أريدَ تشبيهُ الجماعة من أعيان بني آدم - أو أعيان ذوي الصور والأجسام، بشيء - فالصَّواب من الكلام تشبيهُ الجماعة بالجماعة، والواحدُ بالواحد, لأن عينَ كل واحد منهم غيرُ أعيان الآخرين.ولذلك من المعنى، افترق القولُ في تشبيه الأفعال والأسماء. فجاز تشبيهُ أفعال الجماعة من الناس وغيرهم - إذا كانت بمعنى واحدٍ - بفعل الواحد, &; 1-320 &; ثم حذف أسماء الأفعال وإضافة المثَل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل. فيقال: ما أفعالكم إلا كفِعل الكلب, ثم يحذف فيقال: ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب, - وأنت تعني: إلا كفعل الكلب, وإلا كفعل الكلاب. ولم يَجُزْ أن تقول: ما هم إلا نخلة, وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطُّول والتمام.وأما قوله: ( اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، فإنه في تأويل: أوقدَ، كما قال الشاعر:وَدَاعٍ دَعَـا: يَـا مَـنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَىفَلَــمْ يَسْــتَجِبْهُ عِنْـدَ ذَاكَ مُجِـيبُ (3)يريد: فلم يُجبه. فكان معنى الكلام إذًا: مَثلُ استضاءة هؤلاء المنافقين - في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم، من قولهم: آمنَّا بالله وباليوم الآخر، وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به, وهم للكفر مستبطنون - فيما الله فاعل بهم (4) مثل استضاءة موقِد نارٍ بناره، حتى أضاءت له النارُ ما حوله, يعني: ما حول المستوقِدِ.وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة: أن " الذي" في قوله: " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا " بمعنى الذين، كما قال جل ثناؤه: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [سورة الزمر: 33]، وكما قال الشاعر:فَــإِنَّ الَّـذِي حَـانَتْ بِفَلْـجٍ دِمَـاؤُهُمْهُـمُ الْقَـوْمُ كُـلُّ الْقَـوْمِ يَـا أُمَّ خَـالِدِ (5)قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول، لما وصفنا من العِلة. وقد أغفل قائل &; 1-321 &; ذلك فرقَ ما بين " الذي" في الآيتين وفي البيت. لأن " الذي" في قوله: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ، قد جاءت الدّلالة على أن معناها الجمع, وهو قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ، وكذلك " الذي" في البيت, وهو قوله " دماؤهم ". وليست هذه الدلالة في قوله: " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا ". فذلك فَرْق ما بين " الذي" في قوله: " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا "، وسائر شواهده التي استشهد بها على أنّ معنى " الذي" في قوله: " كمثل الذي استوْقَدَ نَارًا " بمعنى الجماع. وغير جائز لأحد نقل الكلمة - التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى - إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها.ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك. فرُوِي عن ابن عباس فيه أقوال:أحدها- ما:386- حدثنا به محمد بن حُميد, قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: ضرب الله للمنافقين مَثلا فقال: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) أي يُبصرون الحق ويقولون به, حتى إذا خَرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكُفرهم ونفاقِهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. والآخر- ما:387- حدثنا به المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا أبو صالح, قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى آخر الآية: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء, فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ، كما سلب صاحب النار ضَوءَه.( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) يقول: في عذاب.والثالث: ما-388- حدثني به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) ، زَعم أنَّ أناسًا دخلوا في الإسلام مَقدَم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة, ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى فأبصره حتى عرف ما يتَّقي, فبينا هو كذلك، إذ طَفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذًى. فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلالَ من الحرام, والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذْ كفَر, فصار لا يعرف الحلال من الحرام, ولا الخير من الشرّ. وأما النُّور، فالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وكانت الظلمة نفاقهم. والآخر: ما-389- حدثني به محمد بن سعيد، قال: حدثني أبي سعيد بن محمد (6) قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ، ضرَبه الله مثلا للمنافق. وقوله: ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) قال: أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة، فهي ضلالتهُم وكفرهم يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدًى ثم نُـزع منهم، فعتَوْا بعد ذلك.وقال آخرون: بما-390- حدثني به بِشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة، قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) ، وإن المنافقَ تكلم &; 1-323 &; بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكَح بها المسلمين، وَغازَى بها المسلمين (7) ، ووارثَ بما المسلمين، وَحقن بها دَمه وماله. فلما كان عند الموت، سُلبها المنافق، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في علمه.391- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا مَعْمَر, عن قتادة " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله " هي: لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون.392- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني أبو تُميلة, عن عبيد بن سليمان (8) ، عن الضحاك بن مزاحم، قوله: " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله "، قال: أما النّور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمات, فهي ضلالتهم وكفرهم.وقال آخرون بما:-393- حدثني به محمد بن عمرو الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميمون, قال: حدثنا ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله "، قال: أما إضاءة النار، فإقبالهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.394- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا أبو حُذيفة, عن شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله "، أما إضاءة النار، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.395- حدثني القاسم, قال: حدثني الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج, عن مجاهد، مثله.396- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, عن عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس, قال: ضَرب مثلَ أهل النفاق فقال: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا "، قال: إنما ضوءُ النار ونورُها ما أوقَدَتها, فإذا خمدت ذهب نورُها. كذلك المنافق، كلما تكلّم بكلمة الإخلاص أضاءَ له, فإذا شك وقع في الظلمة.397- حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد، في قوله: " كمثل الذي استوقد نارًا " إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون (9) .وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة، والضحاك, وما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وذلك: أن الله جلّ ثناؤه إنما ضرَب هذا المثل للمنافقين - الذين وَصَف صفتَهم وقص قصصهم، من لدُن ابتدأ بذكرهم بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ - لا المعلنين بالكفر المجاهرين بالشرْك (10) . ولو كان المثل لمن آمنَ إيمانًا صحيحًا ثم أعلن بالكفر إعلانا صحيحًا - على ما ظنّ المتأول قولَ الله جل ثناؤه: ( كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءَتْ ما حولَه ذهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) : أن ضوءَ النار مثلٌ لإيمانهم الذي كان منهم عندَهُ على صحةٍ, وأن ذهاب نورهم مثلٌ لارتدادهم وإعلانهم الكفر على صحة - لم يكن (11) . هناك من القوم خداعٌ ولا استهزاءٌ عند أنفسهم ولا نفاقٌ. وأنَّى يكون خداعٌ ونفاقٌ ممن لم يُبد لك قولا ولا فعلا إلا ما أوجبَ لك العلم بحاله التي هو لك عليها, وبعزيمة نفسه التي هو مقيم عليها؟ إنّ هذا بغير شَكّ من النفاق بَعيدٌ، ومن الخداع بريءٌ. وإذْ كان القومُ لم تكن لهم إلا حالتان (12) : حالُ إيمان ظاهر، وحال كفر ظاهر, فقد سقط عن القوم اسمُ النفاق. لأنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين, وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين. ولا حالةَ هناك ثالثةً كانوا بها منافقين.وفي وَصْف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق، ما ينبئ عن أن القول غيرُ القول الذي زعمه من زَعم: أن القوم كانوا مؤمنين، ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه, إلا أنْ يكون قائلُ ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه، إلى الكفر الذي هو نفاق. وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَك صحته إلا بخبر مستفيض، أو ببعض المعاني الموجبة صحتَه. فأما في ظاهر الكتاب فلا دلالة على صحته، لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه.فإذْ كان الأمر على ما وصفنا في ذلك, فأولى تأويلات الآية بالآية: مثل استضاءَة المنافقين - بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقرار به, وقولهم له وللمؤمنين: آمنَّا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر, حتى حُكم لهم بذلك في عاجل الدنيا بحكم المسلمين: في حَقن الدماء والأموال، والأمن على الذرية من السِّباء, وفي المناكحة والموارثة - كمثل استضاءة الموقِد النار بالنارَ, حتى إذا ارتفق بضيائها، وأبصرَ ما حوله مُستضيئًا بنوره من الظلمة, خَمدت النارُ وانطفأت, (13) فذهب نورُه, وعاد المستضيء به في ظلمة وَحيْرة.وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئًا بضوء القول الذي دَافع عنه في حَياته القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانه ما كان مستوجبًا به القتلَ وسلبَ المال لو أظهره بلسانه - تُخيِّل إليه بذلك نفْسُه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادعٌ, حتى سوّلت له نفسُه - إذْ وَرَد على ربه في الآخرة - أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق. أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذْ نعتهم، ثم أخبر خبرَهم عند ورودهم عليه: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [سورة المجادلة: 18]، ظنًّا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الآخرة، في مثل الذي كان به نجاؤهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا (14) : من الكذب والإفك، وأنّ خداعهم نافعُهم هنالك نفعَه إياهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال, واستهزاء بأنفسهم وخداع, إذْ أطفأ الله نورَهم يوم القيامة، فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم فقيل لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا واصلوْا سَعيرًا. فذلك حينَ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون, كما انطفأت نار المستوقِدِ النارَ بعد إضاءتها له, فبقي في ظلمته حيران تائهًا، يقول الله جل ثناؤه: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [سورة الحديد: 13-15].فإن قال لنا قائل: إنك ذكرتَ أنّ معنى قول الله تعالى ذكره " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت مَا حَوله ": خَمدتْ وانطفأتْ, وليس ذلك بموجود في القرآن. فما دلالتك على أنّ ذلك معناه؟قيل: قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار، إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفتْ وتركتْ, كما قال أبو ذؤيب الهذلي:عَصَيْـتُ إليهَـا الْقَلْـبَ, إِنِّـي لأمرِهَاسَـمِيعٌ, فَمَـا أَدْرِي أَرُشْـدٌ طِلابهـا! (15)يعني بذلك: فما أدري أرشدٌ طِلابُها أم غَيٌّ, فحذف ذكر " أم غيٌّ", إذ كان فيما نطق به الدلالة عليها، وكما قال ذو الرمة في نعت حمير:فَلَمَّـا لَبِسْـنَ اللَّيْـلَ, أو حِـينَ, نصَّبتْلَـهُ مِـن خَـذَا آذَانِهَـا وَهْـو جَـانح (16)يعني: أو حين أقبل الليل، في نظائر لذلك كثيرة، كرهنا إطالة الكتاب بذكرها. فكذلك قوله: " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله "، لمَّا كان فيه وفيما بعدَه من قوله: " ذهب الله بنورهم &; 1-329 &; وتركهم في ظلمات لا يبصرون " دلالةٌ على المتروك كافيةٌ من ذكره - اختصرَ الكلامَ طلبَ الإيجاز.وكذلك حذفُ ما حذفَ واختصارُ ما اختصرَ من الخبر عن مَثل المنافقين بَعدَه, نظير ما اختصرَ من الخبر عن مَثَل المستوقد النارَ. لأن معنى الكلام: فكذلك المنافقون ذَهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون - بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون - كما ذهب ضَوء نار هذا المستوقد، بانطفاء ناره وخمودها، فبقي في ظلمة لا يُبصر.و " الهاء والميم " في قوله " ذهب الله بنورهم "، عائدة على " الهاء والميم " في قوله " مَثَلهم ".-----------------------الهوامش :(1) "وفي نظائره" ، أي هو في نظائره جائز حسن أيضًا . ومثلها ما يأتي بعد أسطر في قوله"ولا في نظائره" ، حذف فيهما جميعًا .(2) الشعر للنابغة الجعدي . اللسان (رحب) و (خلل) . والخلة والخلالة : الصداقة المختصة التي ليس في علاقتها خلل . وأبو مرحب : كنية الظل ، يريد أنها تزول كما يزول الظل ، لا تبقى به مودة .(3) الشعر لكعب بن سعد الغنوي . الأصمعيات : 14 ، وأمالي القالي 2 : 151 ، وهي من حسان قصائد الرثاء .(4) سياق عبارته : "مثل استضاءة هؤلاء . . . فيما الله فاعل بهم ، مثل استضاءة . . " .(5) الشعر للأشهب بن رميلة . الخزانة 2 : 507 - 508 ، والبيان 4 : 55 ، وسيبويه 1 : 96 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 33 ، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض ، في كتابه"مختار أشعار القبائل" . وروايته : "وإن الألى" . ولا شاهد فيه . وهم يقولون إن النون حذفت من"الذين" ، فصارت"الذي" لطول الكلام وللتخفيف ، وهي بمعنى الجمع لا المفرد . وفلج : واد بين البصرة وحمى ضرية ، كانت فيه هذه الوقعة التي ذكرها .(6) في المطبوعة"محمد بن سعيد" ، "سعيد بن محمد" . وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، ومن مراجع التراجم . وانظر شرح هذا السند مفصلا : 305 .(7) في المطبوعة : "وعاد بها المسلمين" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير في تفسيره ، والدر المنثور ، كما سيأتي في التخريج .(8) أبو تميلة ، بضم التاء المثناة وفتح الميم : هو يحيى بن واضح الأنصاري المروزي الحافظ ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم ، ووهم أبو حاتم ، إذ نسب إلى البخاري أنه ذكره في الضعفاء . وما كان ذلك ، والبخاري ترجمه في الكبير 4/2/ 309 ، فلم يذكر فيه جرحًا ، ولم يذكره في كتاب الضعفاء الصغير . وقال الذهبي في الميزان 3 : 305 حين ذكر كلام أبي حاتم : "فلم أر ذلك ، ولا كان ذلك . فإن البخاري قد احتج به" . ووقع في مطبوعة الطبري هنا"أبو نميلة" بالنون ، وهو خطأ مطبعي . و"عبيد بن سليمان" : هو الباهلي الكوفي أبو الحارث ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وذكر ابن أبي حاتم 2/2/408 أنه سأل عنه أباه ، فقال : "لا بأس به" .(9) الأخبار 386 - 397 : هذه الآثار السالفة جميعًا ، وما سيأتي إلى قوله تعالى (فهم لا يرجعون) بالأرقام 398 - 404 ساقها ابن كثير 1 : 97 - 99 ، والدر المنثور 1 : 32 - 33 ، وفتح القدير 1 : 35 .(10) في المطبوعة : "أي ، لا المعلنين" ، وفي المخطوطة : "المعالنين بالكفر" ، وسياق عبارته"إنما ضرب الله هذا المثل للمنافقين . . لا المعلنين بالكفر" .(11) السياق : "ولو كان المثل لمن آمن إيمانًا صحيحًا . . لم يكن هنالك من القوم . . "(12) في المطبوعة : "فإن كان القوم . . . " ، وهو خطأ .(13) في المخطوطة والمطبوعة : "حتى ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله . . . حتى خمدت النار" ، وهي عبارة مختلة ، صوابها ما أثبتناه .(14) في المطبوعة : "كان به نجاتهم من القتل" ، وهما سواء في المعنى .(15) ديوان الهذليين 1 : 71 ، وسيأتي في تفسير آية آل عمران : 113 (4 : 34 بولاق) ورواية الطبري للبيت في الموضعين لا يستقيم بها معنى ، ورواية ديوانه :عَصَـانِي إِلَيْهَـا الْقَلْـبُ إِنِّـي لأَمْـرِهِويروى"دعاني إليها . . " ، وهما روايتان صحيحتان . وتمام معنى البيت في الذي يليه :فَقُلْـتُ لِقَلْبِـي : يَـا لَـكَ الْخَيْرُ! إِنَّمَايُــدَلِّيكَ لِلْمَــوْتِ الْجَــدِيدِ حِبَابُهَـافهو يؤامر قلبه ، ولكنه أطاعه .(16) ديوانه : 108 وسيأتي في تفسير آية يونس : 77 (11 : 101 بولاق) ، وآية سورة النبأ : 10 (30 : 3 بولاق) . يصف عانة حمر ، وقفت ترقب مغيب الشمس ، حتى إذا غربت انطلقت مسرعة إلى مورد الماء الذي تنوى إليه . وقوله : "لبسن الليل" يعني الحمر ، حين غشيهن الليل وهن مترقبات مغيب الشمس . ونصبت : رفعت وأقامت آذانها . وخذيت الأذن خذًّا : استرخت من أصلها مقبلة على الخدين ، وذلك يصيب الحمر في الصيف من حر الشمس والظمأ . ونصبت خذا آذانها ، استعدادًا للعدو إلى الماء . وجنح الليل فهو جانح : أقبل ، وهو من جنح الطائر : إذا كسر من جناحيه ثم أقبل كالواقع اللاجئ إلى موضع . وهو وصف جيد لإقبال الظلام من جانب الأفق . وأراد الطبري أن ذا الرمة أراد أن يقول : أو حين أقبل الليل ، نصبت له من خذا آذانها ، وهو جانح . ولا ضرورة توجب ما قال به من الحذف في هذا البيت

18S02V18

صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ

Sourds, muets, aveugles, ils ne peuvent donc pas revenir (de leur égarement)

Tafsir al-TabariTabari

القول في تأويل قول الله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18)قال أبو جعفر: وإذْ كانَ تأويل قول الله جلّ ثناؤه: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ، هو ما وصفنا - من أنّ ذلك خبر من الله جل ثناؤه عما هو فاعل بالمنافقين في الآخرة, عند هتك أستارهم, وإظهاره فضائح أسرارهم, وسَلبه ضياءَ أنوارهم، من تركهم في ظُلَم أهوال يوم القيامة يترددون, وفي حَنادسها لا يُبصرون - فبيّنٌ أنّ قوله جل ثناؤه: " صمٌّ بكم عميٌ فَهم لا يرجعون " من المؤخّر الذي معناه التقديم, وأنّ معنى الكلام: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين, صُمٌّ بكم عميٌ فهم لا يرجعون، مَثلهم كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءتْ ما حوْله ذهبَ الله بنورهم وترَكهم في ظُلمات لا يبصرون, أو كمثل صَيِّب من السماء.وإذْ كان ذلك معنى الكلام: فمعلومٌ أن قوله: " صُمٌّ بكمٌ عُميٌ"، يأتيه الرفع من وجهين, والنصب من وجهين:فأما أحدُ وجهي الرفع: فعلى الاستئناف، لما فيه من الذم. وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم, فتنصِب وتَرفع، وإن كان خبرًا عن معرفة, كما قال الشاعر:لا يَبْعَــدَنْ قَــوْمِي الَّــذِينَ هُــمُسَـــمُّ الْعُــدَاةِ وَآفَــةُ الْجُــزْرِ (17)النَّــــازِلِينَ بكـــلِّ مُعْـــتَرَكٍوَالطَّيِّبِيـــــنَ مَعَــــاقِدَ الأُزْرِ (18)فيروي: " النازلون " و " النازلين "، وكذلك " الطيِّبون " و " الطيِّبين ", على ما وصفتُ من المدح.&; 1-330 &;والوجهُ الآخر: على نية التكرير من أُولَئِكَ , فيكون المعني حينئذ: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، أولئك صُمٌّ بكم عمي فهم لا يرجعون.وأمَّا أحد وَجهي النصب: فأن يكون قَطعًا مما في مُهْتَدِينَ من ذكر أُولَئِكَ (19) ، لأن الذي فيه من ذكرهم معرفة, والصم نكرة.والآخر: أن يكون قطعا من الَّذِينَ , لأن الَّذِينَ معرفة و " الصم " نكرة (20) .وقد يجوز النصبُ فيه أيضًا على وجه الذم، فيكون ذلك وجهًا من النصب ثالثًا.فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وَجه رواية علي بن أبي طلحة عنه, فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد، وهو الاستئناف.وأما النصب فقد يجوز فيه من وجهين: أحدهما: الذم, والآخرُ: القطع من " الهاء والميم " اللتين في" تركهم ", أو من ذكرهم في لا يُبْصِرُونَ .وقد بيّنا القولَ الذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك. والقراءةُ التي هي القراءةُ، الرفعُ دُون النصب (21) . لأنه ليس لأحد خلافُ رسوم مَصَاحف المسلمين. وإذا قُرئ نصبًا كانتْ قراءةً مخالفة رسم مصاحفهم.قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن المنافقين: أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى لم يكونوا للهدى والحقّ مهتدين, بل هم صُمٌّ عنهما فلا يسمعونهما، لغلبة خِذلان الله عليهم, بُكمٌ عن القيل بهما فلا ينطقون بهما - والبُكم: الخُرْسُ, وهو جِماعُ أبكم - عُميٌ عن أن يبصرُوهما فيعقلوهما، لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون.وبمثل ما قلنا في ذلك قال علماء أهل التأويل:398- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " صمٌّ بكم عُميٌ"، عن الخير.399- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " صم بكم عُمي"، يقول: لا يسمعون الهدى ولا يُبصرونه ولا يعقلونه.400- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " بكم "، هم الخُرس.401- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة، قوله " صم بكْم عُمْي": صمٌّ عن الحق فلا يسمعونه, عمي عن الحق فلا يبصرونه, بُكم عن الحق فلا ينطقون به (22) .القول في تأويل قوله : فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18)قال أبو جعفر: وقوله " فهم لا يرجعون "، إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن هؤلاء المنافقين - الذين نعتهم الله باشترائهم الضلالة بالهدَى, وَصممِهم عن سمَاع الخير والحق, وَبكمَهم عن القيل بهما, وعَماهم عن إبصارهما - (23) أنهم لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم, ولا يتُوبون إلى الإنابة من نفاقهم. فآيَس المؤمنين من أن يبصرَ هؤلاء رشدًا, أو يقولوا حقًّا, أو يَسمعوا داعيًا إلى الهدى, أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتهم, كما آيس من تَوبة قادة كفّار أهل الكتاب &; 1-332 &; والمشركين وأحبارهم، الذين وَصَفهم بأنه قد ختم على قلوبهم وعلى سَمعهم وغشَّى على أبصارهم.وبمثل الذي قُلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:402- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة: " فهم لا يَرجعون "، أي: لا يتوبون ولا يذَّكَّرون.403- وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " فهم لا يَرْجعون ": فهم لا يرجعون إلى الإسلام.وقد رُوي عن ابن عباس قولٌ يخالف معناه معنى هذا الخبر، وهو ما:-404- حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " فهم لا يَرْجعون "، أي: فلا يرجعون إلى الهدَى ولا إلى خير, فلا يصيبون نَجاةً مَا كانوا على مَا هم عليه (24) .وهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوة بخلافه. وذَلك أن الله جلّ ثناؤه أخبرَ عن القوم أنهم لا يَرجعون -عن اشترائهم الضلالة بالهدى- إلى ابتغاء الهدى وإبصار الحق، من غير حَصْرٍ منه جلّ ذكره ذلك من حالهم على وقت دون وقت (25) وحال دون حال. وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، يُنبئ أنّ ذلك من صفتهم محصورٌ على وقت (26) وهو ما كانوا على أمرهم مقيمين, وأنّ لهم السبيلَ إلى الرجوع &; 1-333 &; عنه. وذلك من التأويل دعوى بَاطلة (27) ، لا دلالة عليها من ظاهر ولا من خبرٍ تقوم بمثله الحجة فيسلم لها.-----------------------الهوامش :(17) الشعر للخرنق بنت بدر بن هفان ، أخت طرفة لأمه ، أمهما وردة ، ديوانها : 10 ، ترثى زوجها بشر بن عمرو بن مرثد . وسيأتي في تفسير آية سورة غافر : 3 (24 : 27 بولاق) ، وفي سيبويه 1 : 104 ، 246 ، 249 ، وخزانة الأدب 2 : 301 . وقولها"لا يبعدن قومى" : أي لا يهلكن قومي ، تدعو لهم . وفعله : بعد يبعد بعدًا (من باب فرح) : هلك . والعداة جمع عاد ، وهو العدو . والجزر جمع جزور : وهي الناقة التي تنحر . وآفة الجزر : علة هلاكها ، لا يبقون على أموالهم من الكرم .(18) المعترك : موضع القتال حيث يعتركون ، يطحن بعضهم بعضًا . وإذا ضاق المعترك نزل الفرسان ، وتطاعنوا واقتربوا حتى يعتنق بعضهم بعضًا إذا حمس القتال . والأزر جمع إزار : وهو ما ستر النصف الأسفل ، والرداء : ما ستر الأعلى . ومعاقد الأزر : حيث يعقد لئلا تسقط . وكنت بذلك عن عفتهم وطهارتهم ، لا يقربون فاحشة فيحلون معاقد الأزر .(19) قطعا : أي حالا ، وانظر ما سلف : 230 تعليق : 4 .(20) قطعا : أي حالا ، وانظر ما سلف : 230 تعليق : 4 .(21) في المطبوعة : "والقراءة التي هي قراءة الرفع . . " ، وهو خطأ محض .(22) هذه الأخبار 398 - 401 : تتمة ما مضى في تفسير صدر الآية ، بالأرقام : 386 ، 387 ، 388 ، 390 .(23) سياقه : "إخبار من الله عز وجل . . أنهم لا يرجعون . . " .(24) هذه الأخبار 402 - 404 : تتمة ما مضى في تفسير صدر الآية . بالأرقام : 401 ، 400 ، 398 .(25) في المطبوعة : "إلى وقت دون وقت" ، وهو خطأ .(26) في المطبوعة : "ينبئ عن أن . . " .(27) في المخطوطة"دعوى ناظر" ، وصوابها"دعوى باطل" بالإضافة .

19S02V19

أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ

(On peut encore les comparer à ces gens qui,) au moment où les nuées éclatent en pluies, chargées de ténèbres, de tonnerre et éclairs, se mettent les doigts dans les oreilles, terrorisés par le fracas de la foudre et craignant la mort; et Allah encercle de tous côtés les infidèles

Tafsir al-TabariTabari

أو كصيب من السماءالقول في تأيل قوله تعالى : { أو كصيب من السماء } قال أبو جعفر : والصيب الفعيل , من قولك : صاب المطر يصوب صوبا : إذا انحدر ونزل , كما قال الشاعر : لست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب وكما قال علقمة بن عبدة : كأنهم صاب عليهم سحابة صواعقها لطيرهن دبيب فلا تعدلي بيني وبين مغمر سقيت روايا المزن حين تصوب يعني : حين تنحدر . وهو في الأصل : صيوب , ولكن الواو لما سبقتها ياء ساكنة صيرتا جميعا ياء مشددة , كما قيل : سيد من ساد يسود , وجيد من جاد يجود . وكذلك تفعل العرب بالواو إذا كانت متحركة وقبلها ياء ساكنة تصيرهما جميعا ياء مشددة . وبما قلنا من القول في ذلك قال أهل التأويل . 342 - حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي , قال : حدثنا محمد بن عبيد , قال : حدثنا هارون بن عنترة , عن أبيه عن ابن عباس في قوله : { أو كصيب من السماء } قال : القطر . 343 - وحدثني عباس بن محمد , قال : حدثنا حجاج , قال : قال ابن جريج , قال لي عطاء : الصيب : المطر . 344 - وحدثني المثنى , قال : حدثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي عن ابن عباس , قال : الصيب : المطر . 345 - وحدثني موسى , قال : حدثنا عمرو , قال : حدثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس , وعن مرة , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : الصيب : المطر . * وحدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي سعد , قال : حدثني عمي الحسين , عن أبيه , عن جده , عن ابن عباس مثله . 346 - وحدثنا بشر بن معاذ , قال : حدثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة : { أو كصيب } قال : المطر . * وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أنبأنا معمر , عن قتادة مثله . 347 - وحدثني محمد بن عمرو الباهلي , وعمرو بن علي , قالا : حدثنا أبو عاصم , قال : حدثنا عيسى بن ميمون , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : الصيب : المطر . * وحدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة , قال : حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : الصيب : المطر . 348 - حدثني المثنى , قال : حدثنا إسحاق عن ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس : الصيب : المطر . * وحدثت عن المنجاب , قال : حدثنا بشر بن عمارة , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس قال : الصيب : المطر . 349 - وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال عبد الرحمن بن زيد : { أو كصيب من السماء } قال : أو كغيث من السماء . 350 - وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري , قال : قال سفيان : الصيب : الذي فيه المطر . * حدثنا عمرو بن علي , قال : حدثنا معاوية , قال : حدثنا ابن جريج , عن عطاء في قوله : { أو كصيب من السماء } قال : المطر . قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام مع استسرارهم الكفر , مثل إضاءة موقد النار بضوء ناره على ما وصف جل ثناؤه من صفته , أو كمثل مطر مظلم ودقه تحدر من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة , وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه . فإن قال لنا قائل : أخبرنا عن هذين المثلين , أهما مثلان للمنافقين أو أحدهما ؟ فإن يكونا مثلين للمنافقين فكيف قيل : { أو كصيب } و " أو " تأتي بمعنى الشك في الكلام , ولم يقل : وكصيب , بالواو التي تلحق المثل الثاني بالمثل الأول ؟ أو يكون مثل القوم أحدهما , فما وجه ذكر الآخر ب " أو " , وقد علمت أن " أو " إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشك من المخبر فيما أخبر عنه , كقول القائل : لقيني أخوك أو أبوك , وإنما لقيه أحدهما , ولكنه جهل عين الذي لقيه منهما , مع علمه أن أحدهما قد لقيه ; وغير جائز فيه الله جل ثناؤه أن يضاف إليه الشك في شيء أو عزوب علم شيء عنه فيما أخبر أو ترك الخبر عنه . قيل له : إن الأمر في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه , و " أو " وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشك , فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدل عليه الواو إما بسابق من الكلام قبلها , وإما بما يأتي بعدها كقول توبة بن الحمير : وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها ومعلوم أن ذلك من توبة على غير وجه الشك فيما قال , ولكن لما كانت " أو " في هذا الموضع دالة على مثل الذي كانت تدل عليه الواو لو كانت مكانها , وضعها موضعها . وكذلك قول جرير : ش جاء الخلافة أو كانت له قدرا /و كما أتى ربه موسى على قدر وكما قال الآخر : فلو كان البكاء يرد شيئا /و بكيت على جبير أو عناق على المرأين إذ مضيا جميعا /و لشأنهما بحزن واشتياق فقد دل بقوله : " على المرأين إذ مضيا جميعا " أن بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يرد أن يقصد به أحدهما دون الآخر , بل أراد أن يبكيهما جميعا . فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه : { أو كصيب من السماء } لما كان معلوما أن " أو " دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه الواو , ولو كانت مكانها كان سواء نطق فيه ب " أو " أو بالواو . وكذلك وجه حذف المثل من قوله : { أو كصيب } لما كان قوله : { كمثل الذي استوقد نارا } دالا على أن معناه : كمثل صيب , حذف المثل واكتفى بدلالة ما مضى من الكلام في قوله : { كمثل الذي استوقد نارا } على أن معناه : أو كمثل صيب , من إعادة ذكر المثل طلب الإيجاز والاختصار .فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموتالقول في تأويل قوله تعالى : { فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } قال أبو جعفر : فأما الظلمات فجمع , وأحدها ظلمة ; وأما الرعد فإن أهل العلم أختلفوا فيه ; فقال بعضهم : هو ملك يزجر السحاب . ذكر من قال ذلك : 351 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : حدثنا محمد بن جعفر , قال : حدثنا شعبة عن الحكم , عن مجاهد , قال : الرعد ملك يزجر السحاب بصوته . * وحدثنا محمد بن المثنى , قال : حدثنا ابن أبي عدي , عن شعبة عن الحكم عن مجاهد مثله . * وحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : حدثنا فضيل بن عياض , عن ليث , عن مجاهد مثله . 352 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : حدثنا هشيم قال : أنبأنا إسماعيل بن سالم عن أبي صالح , قالا : الرعد ملك من الملائكة يسبح . 353 - وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي , قال : حدثنا محمد بن يعلى , عن أبي الخطاب البصري , عن شهر بن حوشب قال : الرعد : ملك موكل بالسحاب , يسوقه كما يسوق الحادي الإبل , يسبح كلما خالفت سحابة سحابة صاح بها , فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه فهي الصواعق التي رأيتم . 354 - وحدثت عن المنجاب بن الحارث , قال : حدثنا بشر بن عمارة , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : الرعد : ملك من الملائكة اسمه الرعد , وهو الذي تسمعون صوته . 355 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : حدثنا أبو أحمد , قال : حدثنا عبد الملك بن حسين عن السدي عن أبي مالك , عن ابن عباس , قال : الرعد : ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير . 356 - وحدثنا الحسن بن محمد , قال : حدثنا علي بن عاصم , عن ابن جريج , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : الرعد : اسم ملك , وصوته هذا تسبيحه , فإذا اشتد زجره السحاب اضطرب السحاب واحتك فتخرج الصواعق من بينه . 357 - حدثنا الحسن , قال : حدثنا عفان , قال : حدثنا أبو عوانة , عن موسى البزار , عن شهر بن حوشب عن ابن عباس , قال : الرعد : ملك يسوق السحاب بالتسبيح , كما يسوق الحادي الإبل بحدائه . * حدثنا الحسن بن محمد , قال : حدثنا يحيى بن عباد وشبابة قالا : ثنا شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , قال : الرعد : ملك يزجر السحاب . 358 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال : حدثنا عتاب بن زياد , عن عكرمة , قال : الرعد : ملك في السحاب يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل . 359 - وحدثنا بشر , قال : حدثنا يزيد , قال : حدثنا سعيد , عن قتادة , قال : الرعد : خلق من خلق الله جل وعز سامع مطيع لله جل وعز 360 - حدثنا القاسم بن الحسن , قال : حدثنا الحسين بن داود , قال : حدثني حجاج عن ابن جريج , عن عكرمة , قال : إن الرعد ملك يؤمر بإزجاء السحاب فيؤلف بينه , فذلك الصوت تسبيحه . 361 - وحدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريح , عن مجاهد , قال : الرعد : ملك . 362 - وحدثني المثنى , قال : حدثنا الحجاج بن المنهال , قال : حدثنا حماد بن سلم ة , عن المغيرة بن سالم , عن أبيه أو غيره , أن علي بن أبي طالب قال : الرعد : ملك . 363 - حدثنا المثنى , قال : حدثنا حجاج , قال : حدثنا حماد , قال : أخبرنا موسى بن سالم أبو جهضم مولى ابن عباس قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد ؟ فقال : الرعد : ملك . 364 - حدثنا المثنى , قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم , قال : حدثنا عمر بن الوليد السني , عن عكرمة , قال : الرعد : ملك يسوق السحاب كما يسوق الراعي الإبل . 365 - حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : حدثنا حفص بن عمر , قال : حدثنا الحكم بن أبان , عن عكرمة , قال : كان ابن عباس إذا سمع الرعد , قال : سبحان الذي سبحت له , قال : وكان يقول : إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه . وقال آخرون : إن الرعد : ريح تختنق تحت السحاب , فتصاعد فيكون منه ذلك الصوت . ذكر من قال ذلك : 366 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال : حدثنا بشر بن إسماعيل , عن أبي كثير , قال : كنت عند أبي الجلد , إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه , فكتب إليه : كتبت تسألني عن الرعد , فالرعد : الريح . 367 - حدثني إبراهيم بن عبد الله قال : حدثنا عمران بن ميسرة , قال : حدثنا ابن إدريس عن الحسن بن الفرات , عن أبيه , قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد , فقال : الرعد : ريح . قال أبو جعفر : فإن كان الرعد ما ذكره ابن عباس ومجاهد , فمعنى الآية : أو كصيب من السماء فيه ظلمات وصوت رعد ; لأن الرعد إن كان ملكا يسوق السحاب , فغير كائن في الصيب ; لأن الصيب إنما هو ما تحدر من صوب السحاب ; والرعد : إنما هو في جو السماء يسوق السحاب , على أنه لو كان فيه يمر لم يكن له صوت مسموع , فلم يكن هنالك رعب يرعب به أحد ; لأنه قد قيل : إن مع كل قطرة من قطر المطر ملكا , فلا يعدو الملك الذي اسمه الرعد لو كان مع الصيب إذا لم يكن مسموعا صوته أن يكون كبعض تلك الملائكة التي تنزل مع القطر إلى الأرض في أن لا رعب على أحد بكونه فيه . فقد علم إذ كان الأمر على ما وصفنا من قولة ابن عباس أن معنى الآية : أو كمثل غيث تحدر من السماء فيه ظلمات وصوت رعد ; إن كان الرعد هو ما قاله ابن عباس , وإنه استغنى بدلالة ذكر الرعد باسمه على المراد في الكلام من ذكر صوته . وإن كان الرعد ما قاله أبو الجلد فلا شيء في قوله : " فيه ظلمات ورعد " متروك لأن معنى الكلام حينئذ : فيه ظلمات ورعد الذي هو وما وصفنا صفته . وأما البرق , فإن أهل العلم اختلفوا فيه ; فقال بعضهم بما : 368 - حدثنا مطر بن محمد الضبي , قال : حدثنا أبو عاصم ح وحدثني محمد بن بشار قال : حدثني عبد الرحمن بن مهدي ح وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قالوا جميعا : حدثنا سفيان الثوري , عن سلمة بن كهيل , عن سعيد بن أشوع , عن ربيعة بن الأبيض , عن علي قال : البرق : مخاريق الملائكة . 369 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري قال : حدثنا عبد الملك بن الحسين , عن السدي عن أبي مالك , عن ابن عباس : البرق مخاريق بأيدي الملائكة يزجرون بها السحاب . * حدثني المثنى , قال : حدثنا الحجاج , قال : حدثنا حماد , عن عميرة بن سالم , عن أبيه أو غيره أن علي بن أبي طالب قال : الرعد : الملك , والبرق : ضربه السحاب بمخراق من حديد . وقال آخرون : هو سوط من نور يزج به الملك السحاب . 370 - حدثت عن المنجاب بن الحارث , قال : حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس بذلك . وقال آخرون : هو ماء . ذكر من قال ذلك 371 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال : حدثنا بشر بن إسماعيل , عن أبي كثير , قال : كنت عند أبي الجلد إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه , فكتب إليه : تسألني عن البرق , فالبرق : الماء . 372 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله , قال : حدثنا عمران بن ميسرة , قال : حدثنا ابن إدريس , عن الحسن بن الفرات , عن أبيه , قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق , فقال : البرق ماء . * حدثنا ابن حميد , قال : حدثنا جرير , عن عطاء , عن رجل من أهل البصرة من قرائهم , قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد رجل من أهل هجر يسأله عن البرق , فكتب إليه : كتبت إليه تسألني عن البرق : وإنه من الماء . وقال آخرون : هو مصع ملك 373 - حدثنا محمد بن بشار , قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : حدثنا سفيان عن عثمان بن الأسود , عن مجاهد , قال : البرق : مصع ملك . 374 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق , قال : حدثنا هشام , عن محمد بن مسلم الطائفي , قال : بلغني أن البرق ملك له أربعة أوجه : وجه إنسان , ووجه ثور , ووجه نسر , ووجه أسد , فإذا مصع بأجنحته فذلك البرق . 375 - حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن وهب بن سليمان , عن شعيب الجبائي , قال : في كتاب الله الملائكة حملة العرش , لكل ملك منهم وجه إنسان , وثور , وأسد , فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق . وقال أمية بن أبي الصلت : رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد 376 - حدثنا الحسين بن محمد , قال : حدثنا علي بن عاصم , عن ابن جريج , عن مجاهد , عن ابن عباس : البرق : ملك . 377 - وقد حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج قال : الصواعق ملك يضرب السحاب بالمخاريق يصيب منه من يشاء . قال أبو جعفر : وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد ; وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر علي رضي الله عنه أنها هي البرق هي السياط التي هي من نور التي يزجي بها الملك السحاب , كما قال ابن عباس . ويكون إزجاء الملك السحاب : مصعه إياه بها , وذاك أن المصاع عند العرب أصله المجالدة بالسيوف , ثم تستعمله في كل شيء جولد به في حرب وغير حرب , كما قال أعشى بني ثعلبة وهو يصف جواري يلعبن بحليهن ويجالدن به : إذا هن نازلن أقرانهن وكان المصاع بما في الجون يقال منه : ماصعه مصاعا . وكأن مجاهدا إنما قال : " مصع ملك " , إذ كان السحاب لا يماصع الملك , وإنما الرعد هو المماصع له , فجعله مصدرا من مصعه يمصعه مصعا , وقد ذكرنا ما في معنى الصاعقة ما قال شهر بن حوشب فيما مضى . وأما تأويل الآية , فإن أهل التأويل مختلفون فيه . فروي عن ابن عباس في ذلك أقوال ; أحدها ما : 378 - حدثنا به محمد بن حميد , قال : حدثنا سلمة , قال : حدثنا محمد بن إسحاق , عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت , عن عكرمة , أو عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } أي هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف , والتخويف منكم - على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب , فحمل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت { يكاد البرق يخطف أبصارهم } أي لشدة ضوء الحق , { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا } أي يعرفون الحق ويتكلمون به , فهم من قولهم به على استقامة , فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين . والآخر ما : 379 - حدثني به موسى بن هارون , قال : حدثنا عمرو , قال : حدثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح عن ابن عباس , وعن مرة , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق } إلى : { إن الله على كل شيء قدير } : أما الصيب والمطر كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين , فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد وصواعق وبرق , فجعلا كلما أضاء لهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما , وإذ لمع البرق مشيا في ضوئه , وإذا لم يلمع لم يبصرا وقاما مكانهما لا يمشيان , فجعلا يقولان : ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا فنضع أيدينا في يده ! فأصبحا فأتياه فأسلما ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما . فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة . وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم , جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء أو يذكروا بشيء فيقتلوا , كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما , وإذا أضاء لهم مشوا فيه . فإذا كثرت أموالهم وولد لهم الغلمان وأصابوا غنيمة أو فتحا مشوا فيه , وقالوا : إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دين صدق فاستقاموا عليه , كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه , وإذا أظلم عليهم قاموا . فكانوا إذا هلكت أموالهم , وولد لهم الجواري , وأصابهم البلاء قالوا هذا من أجل دين محمد , فارتدوا كفارا كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما والثالث ما : 380 - حدثني به محمد بن سعد ; قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , عن أبيه , عن جده , عن ابن عباس : { أو كصيب من السماء } كمطر { فيه ظلمات ورعد وبرق } إلى آخر الآية , هو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله وعمل , مراءاة للناس , فإذا خلا وحده عمل بغيره . فهو في ظلمة ما أقام على ذلك . وأما الظلمات فالضلالة , وأما البرق فالإيمان , وهم أهل الكتاب . وإذا أظلم عليهم , فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه . والرابع ما : 381 - حدثني به المثنى , قال : حدثنا عبد الله بن صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس { أو كصيب من السماء } وهو المطر , ضرب مثله في القرآن يقول : " فيه ظلمات " , يقول ابتلاء . " ورعد " يقول : فيه تخويف , وبرق { يكاد البرق يخطف أبصارهم } يقول : يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين , { كلما أضاء لهم مشوا فيه } يقول : كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزا اطمأنوا , وإن أصابوا الإسلام نكبة , قالوا : ارجعوا إلى الكفر يقول : { وإذا أظلم عليهم قاموا } كقوله : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة } 22 11 إلى آخر الآية . ثم اختلف سائر أهل التأويل بعد ذلك في نظير ما روي عن ابن عباس من الاختلاف . 382 - فحدثني محمد بن عمرو الباهلي , قال : حدثنا أبو عاصم , عن عيسى بن ميمون , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : إضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل . * وحدثني المثنى , قال : حدثنا أبو حذيفة , قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله . * حدثنا عمرو بن علي , قال : حدثنا أبو عاصم , قال : حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله . 383 - وحدثنا بشر بن معاذ , قال : حدثنا يزيد بن زريع , عن سعيد , عن قتادة في قول الله : { فيه ظلمات ورعد وبرق } إلى قوله : { وإذا أظلم عليهم قاموا } , فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاء أو طمأنينة أوسلوة من عيش , قال : أنا معكم وأنا منكم ; وإذا أصابته شدة حقحق والله عندها فانقطع به فلم يصبر على بلائها , ولم يحتسب أجرها ولم يرج عاقبتها . 384 - وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { فيه ظلمات ورعد وبرق } يقول : أخبر عن قوم لا يسمعون شيئا إلا ظنوا أنهم هالكون فيه حذرا من الموت , والله محيط بالكافرين . ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال : { يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه } يقول : هذا المنافق , إذا كثر ماله وكثرت ماشيته وأصابته عافية قال : لم يصبني منذ دخلت في ديني هذا إلا خير , { وإذا أظلم عليهم قاموا } يقول : إذا ذهبت أموالهم وهلكت مواشيهم وأصابهم البلاء قاموا متحيرين . 385 - وحدثني المثنى , قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج , عن عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس : { فيه ظلمات ورعد وبرق } قال : مثلهم كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة ولها مطر ورعد وبرق على جادة , فلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها , وإذا ذهب البرق تحيروا . وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له , فإذا شك تحير ووقع في الظلمة , فكذلك قوله : { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا } ثم قال : في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } قال أبو جعفر : 386 - وحدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثنا أبو تميلة , عن عبيد بن سليمان الباهلي , عن الضحاك بن مزاحم : { فيه ظلمات } قال : أما الظلمات فالضلالة , والبرق : الإيمان . 387 - وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله : { فيه ظلمات ورعد وبرق } فقرأ حتى بلغ : { إن الله على كل شيء قدير } قال : هذا أيضا مثل ضربه الله للمنافقين , كانوا قد استناروا بالإسلام كما استنار هذا بنور هذا البرق . 388 - وحدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : ليس شيء في الأرض سمعه المنافق إلا ظن أنه يراد به وأنه الموت كراهية له , والمنافق أكره خلق الله للموت , كما إذا كانوا بالبراز في المطر فروا من الصواعق . 389 - حدثنا عمرو بن علي , قال : حدثنا أبو معاوية , قال : حدثنا ابن جريج , عن عطاء في قوله : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق } قال : مثل ضرب للكفار . وهذه الأقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه , فإنها وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها متقاربات المعاني لأنها جميعا تنبئ عن أن الله ضرب الصيب لظاهر إيمان المنافق مثلا , ومثل ما فيه من ظلمات بضلالته , وما فيه من ضياء برق بنور إيمانه , واتقائه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه بضعف جنانه ونخب فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته , ومشيه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه , وقيامه في الظلام بحيرته في ضلالته وارتكاسه في عمهه فتأويل الآية إذا إذا كان الأمر على ما وصفنا : أو مثل ما استضاء به المنافقون من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم : آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به , حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكام المؤمنين , وهم مع إظهارهم بألسنتهم ما يظهرون بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم , وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر , مكذبون , ولخلاف ما يظهرون بالألسن في قلوبهم معتقدون , على عمى منهم وجهالة بما هم عليه من الضلالة لا يدرون أي الأمرين اللذين قد شرع لهم [ فيه ] الهداية في الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدا صلى الله عليه وسلم ما أرسله به إليهم , أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم ؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وجلون , وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا . كمثل غيث سرى ليلا في مزنة ظلماء وليلة مظلمة يحدوها رعد ويستطير في حافاتها برق شديد لمعانه كثير خطرانه , يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار , ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه وينهبط منها تارات صواعق تكاد تدع النفوس من شدة أهوالها زواهق . فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق , والظلمات التي هي فيه لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب . وأما الرعد والصواعق فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه , إما في العاجل وإما في الآجل , أي يحل بهم مع شكهم في ذلك : هل هو كائن , أم غير كائن , وهل له حقيقة أم ذلك كذب وباطل ؟ مثل . فهم من وجلهم أن يكون ذلك حقا يتقونه بالإقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات وذلك تأويل قوله جل ثناؤه : { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } يعني بذلك يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار , كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أسابعه فيها حذرا على نفسه منها . وقد ذكرنا الخبر الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان : إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء , أو يذكروا بشيء فيقتلوا . فإن كان ذلك صريحا , ولست أعلمه صحيحا , إذ كنت بإسناده مرتابا ; فإن القول الذي روي عنهما هو القول وإن يكن غير صحيح , فأولى بتأويل الآية ما قلنا ; لأن الله إنما قص علينا من خبرهم في أول مبتدأ قصصهم أنهم يخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم آمنا بالله وباليوم الآخر مع شك قلوبهم ومرض أفئدتهم في حقيقة ما زعموا أنهم به مؤمنون مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم , وبذلك وصفهم في جميع آي القرآن التي ذكر فيها صفتهم . فكذلك ذلك في هذه الآية . وإنما جعل الله إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يتقونهم به كما يتقي سامع صوت الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه . وذلك من المثل نظير تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق , وكذلك قوله : { حذر الموت } جعله جل ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلك الذي توعده بساحتهم , كما يجعل سامع أصوات الصواعق أصابعه في أذنيه حذر العطب والموت على نفسه أتزهق من شدتها . إنما نصب قوله : { حذر الموت } على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك : زرتك تكرمة لك , تريد بذلك : من أجل تكرمتك , وكما قال جل ثناؤه : { ويدعوننا رغبا ورهبا } 21 90 على التفسير للفعل . وقد روي عن قتادة أنه كان يتأول قوله : { حذر الموت } : حذرا من الموت . 390 - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى , قال : حدثنا عبد الرزاق , قال : أنبأنا معمر عنه . وذلك مذهب من التأويل ضعيف لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حذرا من الموت فيكون معناه ما قال إنه مراد به حذرا من الموت , وإنما جعلوها من حذار الموت في آذانهم . وكان قتادة وابن جريج يتأولان قوله : { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } أن ذلك من الله جل ثناؤه صفة للمنافقين بالهلع , وضعف القلوب , وكراهة الموت , يتأولان في ذلك قوله : { يحسبون كل صيحة عليهم } 63 4 وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالا , وذلك أنه قد كان فيهم من لا تنكر شجاعته ولا تدفع بسالته كقزمان الذي لم يقم مقامه أحد من المؤمنين بأحد أو دونه . وإنما كانت كراهتهم شهود المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم معاونته على أعدائه ; لأنهم لم يكونوا أديانهم مستبصرين ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقين , فكانوا للحضور معه مشاهده كارهين , إلا بالتخذيل عنه . ولكن ذلك وصف من الله جل ثنائهم لهم بالإشفاق من حلول عقوبة الله بهم على نفاقهم , إما عاجلا , وإما آجلا .والله محيط بالكافرينثم أخبر جل ثناؤه أن المنافقين الذين نعتهم النعت الذي ذكر وضرب لهم الأمثال التي وصف وإن اتقوا عقابه وأشفقوا عذابه إشفاق الجاعل في أذنيه أصابعه حذار حلول الوعيد الذي توعدهم به أي كتابه , غير منجيهم ذلك من نزوله بعقوتهم وحلوله بساحتهم , إما عاجلا في الدنيا , وإما آجلا في الآخرة , للذي في قلوبهم من مرضها والشك في اعتقادها , فقال : { والله محيط بالكافرين } بمعنى جامعهم فمحل بهم عقوبته . وكان مجاهد يتأول ذلك كما : 391 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي , قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى بن ميمون , عن عبد الله بن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { والله محيط بالكافرين } قال : جامعهم في جهنم . وأما ابن عباس فروي عنه في ذلك ما : 392 - حدثني به ابن حميد , قال : حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة , أو عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { والله محيط بالكافرين } يقول : الله منزل ذلك بهم من النقمة * حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثنا حجاج عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : { والله محيط بالكافرين } قال : جامعهم .

20S02V20

يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ

L'éclair presque leur emporte la vue: chaque fois qu'il leur donne de la lumière, ils avancent; mais dès qu'il fait obscur, ils s'arrêtent. Si Allah le voulait Il leur enlèverait certes l'ouïe et la vue, car Allah a pouvoir sur toute chose

Tafsir al-TabariTabari

ثم عاد جل ذكره إلى نعت إقرار المنافقين بألسنتهم, والخبر عنه وعنهم وعن نفاقهم, وإتمام المثل الذي ابتدأ ضربَه لهم ولشكّهم ومَرَض قلوبهم, فقال: " يكاد البرق "، يعني بالبرق، الإقرارَ الذي أظهروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به من عند ربهم. فجعل البرقَ له مثلا على ما قدَّمنا صفته." يَخطفُ أبصَارهم "، يعني: يذهب بها ويستلبُها ويلتمعها من شدة ضيائه ونُور شُعاعه .469- كما حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث, قال: حدثنا بشر بن عُمارة, عن أبي رَوْق، عن الضحاك, عن ابن عباس, في قوله: " يكاد البرقُ يخطف أبصارهم "، قال: يلتمعُ أبصارَهم ولمّا يفعل (97) .قال أبو جعفر: والخطف السلب, ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخطْفة، يعني بها النُّهبة (98) . ومنه قيل للخُطاف الذي يُخرج به الدلو من البئر خُطَّاف، لاختطافه واستلابه ما عَلق به، ومنه قول نابغة بني ذُبيان:خَطَـاطِيفُ حُجْـنٌ فِـي حِبَـالٍ متينةٍتَمُــدُّ بهــا أَيــدٍ إِلَيْـكَ نَـوَازِعُ (99)فجعل ضَوءَ البرق وشدة شُعاع نُوره، كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشُعاعِ نوره, مثلا.ثم قال تعالى ذكره: " كلما أضاء لهم "، يعني أن البرق كلما أضاء لهم, وجعل البرق لإيمانهم مَثلا. وإنما أراد بذلك: أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءتُه لهم: أن يروْا فيه ما يُعجبهم في عاجل دنياهم، من النُّصرة على الأعداء, وإصابةِ الغنائم في المغازي, وكثرة الفتوح, ومنافعها, والثراء في الأموال, والسلامةِ في الأبدان والأهل والأولاد - فذلك إضاءتُه لهم، لأنهم إنما يُظهرون بألسنتهم ما يُظهرونه من الإقرار، ابتغاءَ ذلك, ومدافعةً عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذَراريهم, وهم كما وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [سورة الحج: 11].ويعني بقوله " مشوا فيه "، مشوا في ضوء البرق. وإنما ذلك مَثلٌ لإقرارهم على ما وصفنا. فمعناه: كلما رأوا في الإيمان ما يُعجبهم في عاجل دنياهم على ما وصفنا، ثبتوا عليه وأقاموا فيه, كما يمشي السائر في ظُلمة الليل وظُلمة الصَّيِّب الذي وصفه جل ثناؤه, إذا برقت فيها بارقةٌ أبصرَ طريقه فيها." وإذا أظلم "، يعني: ذهب ضوءُ البرق عنهم.ويعني بقوله " عليهم "، على السائرين في الصيِّب الذي وَصف جل ذكره. وذلك للمنافقين مثَل. ومعنى إظلام ذلك: أنّ المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلام ما يعجبهم في دنياهم - عند ابتلاء الله مؤمني عباده بالضرَّاء، وتمحيصه إياهم بالشدائد والبلاء، من إخفاقهم في مَغزاهم، وإنالة عدوّهم منهم (100) ، أو إدبارٍ من &; 1-359 &; دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقهم (101) ، وَثبتوا على ضلالتهم، كما قام السائر في الصيِّب الذي وصف جل ذكره (102) إذا أظلم وَخفتَ ضوء البرق, فحارَ في طريقه، فلم يعرف مَنهجه.* * *القول في تأويل قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ &; 1-360 &; لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْقال أبو جعفر: وإنما خَص جل ذكره السمعَ والأبصارَ - بأنه لو شاء أذهبَها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم (103) - للذي جرَى من ذكرها في الآيتين, أعني قوله: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ ، وقوله: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ، فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل. ثم عَقَّب جل ثناؤه ذكر ذلك، بأنه لو شاء أذْهبه من المنافقين عقوبةً لهم على نفاقهم وكفرهم, وعيدًا من الله لهم, كما توعَّدهم في الآية التي قبلها بقوله: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ، واصفًا بذلك جل ذكره نفسَه، أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم, لإحلال سَخَطه بهم, وإنـزال نِقْمته عليهم, ومُحذِّرَهم بذلك سَطوته, ومخوِّفَهم به عقوبته, ليتقوا بأسَه, ويُسارعوا إليه بالتوبة.470- كما حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة , أو عن سعيد بن حبير, عن ابن عباس: " ولو شاء الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم "، لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته (104) .471- وحدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس, قال: ثم قال -يعني قال الله- في أسماعهم، يعني أسماعَ المنافقين، وأبصارِهم التي عاشوا بها في الناس: " ولو شاءَ الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم " (105) .قال أبو جعفر: وإنما معنى قوله: " لذهب بسمعهم وأبصارهم "، لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم. ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا: ذهبتُ ببصره, وإذا حذفوا الباء قالوا: أذهبتُ بصره. كما قال جل ثناؤه: آتِنَا غَدَاءَنَا [سورة الكهف: 62]، ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل: ائتنا بغدَائنا (106) .قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: " لذهب بسمعهم " فوحَّد, وقال: " وأبصارهم " فجمع؟ وقد علمتَ أن الخبر في السمع خبرٌ عن سَمْع جماعة (107) ، كما الخبر عن الأبصار خبرٌ عن أبصار جماعة؟ (108)قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك, فقال بعض نحويي الكوفة: وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْق, وجمع الأبصار لأنه عَنَى به الأعينَ. وكان بعض نحويي البصرة يزعم: أنّ السمع وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى جماعة (109) . ويحتج في ذلك بقول الله: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [سورة إبراهيم: 43]، يريد: لا ترتد إليهم أطرافهم, وبقوله: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر: 45]، &; 1-361 &; يراد به أدْبارُهم. وإنما جاز ذلك عندي، لأن في الكلام ما يَدُلّ على أنه مُرادٌ به الجمع, فكان في دلالته على المراد منه, وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة، مُغنيًا عن جِمَاعه (110) . ولو فعل بالبصر نظيرَ الذي فعل بالسمع, أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار -من الجمع والتوحيد- كان فصيحًا صحيحًا، لما ذكرنا من العلة، كما قال الشاعر:كُلُــوا فِي بَعْـضِ بَطْنِكُـمُ تَعِفُّـوافَإِنَّ زَمَــانَنَا زَمَـــنٌ خَــمِيصُ (111)فوحّد البطن, والمرادُ منه البطون، لما وصفنا من العلة.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)قال أبو جعفر: وإنما وَصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع, لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم مُحيطٌ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قَديرٌ. ثم قال: فاتقوني أيُّها المنافقون، واحذرُوا خِداعي وخداعَ رسولي وأهلِ الإيمان بي، لا أحِلَّ بكم نقمتي، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى " قدير " قادر, كما معنى " عليم " عالم, على ما وصفتُ فيما &; 1-362 &; تَقدم من نظائره، من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم (112) .-------------------------الهوامش :(97) الخبر 469- لم أجده . والتمع البصر أو غيره : اختلسه واختطفه وذهب به . ومنه الحديث : "إذا كان أحدكم في الصلاة ، فلا يرفع بصره إلى السماء يلتمع بصره" ، أي يختلس .(98) الذي ذكره ابن الأثير في النهاية أن الخطفة : ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهي حية ، لأن كل ما أبين من حي فهو ميت ، وذلك أن النهي عن الخطفة كان لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، رأى الناس يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم ويأكلونها . قال : والخطفة المرة الواحدة من الخطف ، فسمى بها العضو المختطف ، وأما النهبة والنهبى ، فاسم لما ينهب ، وجاء بيانها في حديث سنن أبي داود 3 : 88"فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها ، فقام عبد الرحمن بن سمرة خطيبًا ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النهبى" . وفي الباب نفسه من سنن أبي داود عن رجل من الأنصار قال : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد ، وأصابوا غنما فانتهبوها ، فإن قدورنا لتغلى إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه ، فأكفأ قدورنا بقوسه ، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال : إن النهبة ليست بأحل من الميتة" .(99) ديوانه : 41 ، وقبله البيت المشهور :فَــإِنَّكَ كَـالليلِ الَّـذِي هُـوَ مُـدْرِكِيوَإِنْ خِـلْتُ أَنَّ الْمُنْتَـأَى عَنْـكَ وَاسِـعُخطاطيف : جمع خطاف . وحجن : جمع أحجن ، وهو المعوج الذي في رأسه عقافة . وقال"تمد بها" ولم يقل : تمدها ، لأنه لم يرد مد الحبال ذوات الخطاطيف ، وإنما أراد اليد التي تمتد بها وفيها الخطاطيف ، لأن اليد هي الذي تتبع الشيء حيث ذهب (انظر ما سيأتي من إدخال الباء على مثل هذا الفعل ص 360 س : 6 - 9) وقوله"إليك" متعلق بقوله"نوازع" . ونوازع جمع نازع ونازعة ، من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها : جذبها وأخرجها . أي أن هذه الأيدي تجذب ما تشاء إليك ، وترده عليك . والبيت متصل بالذي قبله ، وبيان لقوله"فإنك كالليل الذي هو مدركى" ، أراد تهويل الليل وما يرى فيه ، تتبعه حيث ذهب خطاطيف حجن لا مهرب له منها .(100) في المطبوعة"وإنالة عدوهم" ، وهو خطأ . والإدالة : الغلبة ، وهي من الدولة في الحرب ، وهو أن يهزم الجيش مرة ، ويهزمه الجيش الآخر تارة أخرى . يقال : اللهم أدلنا من عدونا! أي اللهم اجعل لنا الدولة عليه وانصرنا .(101) في المطبوعة : "قاموا على نفاقهم" . وهذه أجود .(102) في المطبوعة والمخطوطة : "كما قام السائرون في الصيب" ، وهو خطأ ، صوابه من مخطوطة أخرى .(103) في المخطوطة : "دون سائر أجسامهم" .(104) الخبر 470- من تمام الخبر الذي ساقه في الدر المنثور 1 : 32 - 33 ، وقد مضى صدره آنفًا : 451 ، 467 .(105) الأثر 471- هو من الأثر السالف رقم : 460 .(106) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 19 . وانظر ما مضى ص 357 تعليق : 3(107) في المخطوطة : "أن الخبر بالسمع" ، وهذه أجود ، وأجودهن"الخبر عن السمع" كما سيأتي في الذي يلي .(108) في المطبوعة : "كما الخبر في الأبصار" ، والذي في المخطوطة أجود .(109) في المخطوطة : "لمعنى جماعة" ، وهي صواب جيد .(110) في المطبوعة : "فكان فيه دلالة على المراد منه ، وأدى معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة ، مغنيًا عن جماعة" ، وهو كلام لا معنى له . وفي المخطوطة : " . . على المراد منه واوا معنى الواحد . . " ، وقد صححت قراءتها كما ترى . وقوله" مغنيًا عن جماعه" أي عن جمعه ، والطبري يكثر استعمال"جماع" مكان جمع ، كما مضى وكما سيأتي .(111) البيت من أبيات سيبويه التي لا يعلم قائلها ، سيبويه 1 : 108 ، والخزانة 3 : 379 - 381 ، وانظر أمالي ابن الشجري 1 : 311 ، 2 : 35 ، 38 ، 343 ، وروايته : "في نصف بطنكم" . وفي المخطوطة : "تعيشوا" ، مكان"تعفوا" ، وهي رواية ذكرها صاحب الخزانة . وروايتهم جميعًا "فإن زمانكم . . " .(112) انظر تفسير قوله تعالى : "الرحيم" ، فيما مضى : ص 126 .